فصول الكتاب

*   *   *

انتهى المقطع الأول بإعلان شهادة الله على أنه قائم بالقسط؛ ليأتي هذا المقطع معلناً أن الله القائم بالقسط لا يقبل ديناً إلا الإسلام. فذلك هو العدل الخالص ثم يسير المقطع ليحدثنا عن الكافرين الذين يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط، ثم يسير المقطع ليأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن، وأن يعرف على أمور بدونها لا يكون إسلام. فالمقطع يرتبط مع المقطع السابق الذي يحدثنا عن وحدانية الله، وقيوميته، وعزته، وحكمته، بوشائج كثيرة، فهو استمرار له وتفصيل لما تقتضيه الوحدانية والقيومية والعزة والحكمة، من مظاهر العبودية له – جل جلاله – معرفة وتسليماً ومحبة وطاعة، وكما أن المقطع الأول تحدث عن الكتاب، والاهتداء به في فقرته الأولى، ثم تحدث عن الكافرين في فقرته الثانية، ثم ذكر تزيين الحياة الدنيا وشهواتها، وهي القاطعة عن الطريق.

فإن هذا المقطع تحدث عن الاهتداء بالقرآن، وذلك بالإسلام لله في فقرته الأولى، وتحدث عن الكافرين في فقرته الثانية، وتحدث في فقرته الثالثة عن معان تزيل الغشاوات عن الأعين، فترفع الهمة نحو السير في الإسلام، فلا شيء يحول دون السير في طريق الله، كحب الجاه، والحرص على الرزق:

فتأتي الفقرة الثالثة وفيها:

(ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ.. ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ).

(ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ...).

كما أن في الفقرة تحطيماً للدعاوى، وتحديداً للطريق:

(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ...).

(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ...)....

 

ولقد رأينا في مقدمة

(ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ).

وواضح أنه بنهاية هذا المقطع، ينتهي القسم الأول من السورة، لأنه يأتي بعد ذلك كلام عن زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، فنحن بذلك الكلام أمام قسم جديد، وكأن القسم الأول؛ مقدمة له بل هو مقدمة للسورة كلها، بدليل ما سنراه من ارتباط أقسام السورة كلها، بهذا القسم وختم السورة بمعان مرتبطة به.

وفيما بين قوله تعالى (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ). (ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ). وقوله تعالى: يأتي قوله تعالى:

(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ) وذلك لأن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين أثر عن الحرص على الحياة والرزق، فأعلن الله أن الحياة والرزق بيده، ولأن النفاق شيء قلبي، حذر الله أنه يعلم خفايا الأنفس، وهكذا جاء النهي بين تذكيرين، ومن هنا نعلم الحكمة في وجود هذا النهي في محله.

إنه لم يأت مباشرة بعد الفقرة الأولى والثانية اللتين تحدثتا عن الإسلام والكفر، إنه لم يأت بعد ذلك مباشرة، بل جاء متأخراً بعد درس من التعريف على الله، ليأخذ محله في مشاعر المسلمين وقلوبهم وضمائرهم.

*  *  *

قلنا من قبل: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معاني هذه المقدمة.

فلنلاحظ الآن ما يلي: في مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى: (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ).

ومن امتدادات هذا النص في سورة البقرة ما رأيناه من دعوة لبني إسرائيل فيها: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ). وقد رفض بنو إسرائيل الدعوة إلا من رحم الله وجاء في سورة البقرة (ﯣ ﯤ ﯥ) وفي ذلك السياق جاء قوله تعالى (ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ...). ثم جاءت الآية اللاحقة: (ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ...). كل ذلك جاء في سورة البقرة وهو امتداد لبعض ما جاء

 

في مقدمتها.

         وفي هذا المقطع من سورة آل عمران، يُعجَبُ الله من هؤلاء الذين يرفضون هذه الدعوة (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ). وههنا يعلل بأن سرَّ هذا الموقف (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ). فههنا تعليل مباشر لسر موقفهم من الدعوة وهو هذا الاعتقاد فبينما فهمنا في سورة البقرة من السياق بشكل غير مباشر أن سر مواقفهم هو اعتقادهم الباطل هذا فإننا هنا نفهمه بشكل مباشر.