فصول الكتاب

كلمة في السياق:

رأينا أن الفقرة فيها نهيان موجهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحسبن"، "ولا يحزنك" وهما نهيان لكل الأمة. ومن هذا ندرك أن السياق الرئيسي في الفقرة هو التصحيح والتوجيه، تصحيح التصورات في شأن الشهداء، وتوجيه النظر إلى الحكمة في شأن المرتدين، وفي سياق النهي عن حسبان الشهيد ميتاً عرضت علينا أخلاقية المؤمنين الذين يستأهلون البشارة، وعرض أيضاً المرشحون للشهادة من خلال النموذج الكامل للإيمان.

فالمؤمنون الذين يستأهلون البشارة، والمرشحون للشهادة، هم الذين يستجيبون لداعي الجهاد في كل الظروف، وهم الذين لا تؤثر فيهم الحرب النفسية؛ لعمق توكلهم على الله – عز وجل- والذين لا يستجيبون لوساوس الشيطان في التخويف من أوليائه هؤلاء هم المؤمنون حقاً.

فالفقرة إذن، عمقت مفهوم الإيمان عندنا، وأعطته مضموناً زائداً على ما مر، كما صححت تصوراً في شأن الكفر والكافرين، وفي شأن المنافقين الذين يسارعون إلى الكفر، فالفقرة تتكامل معانيها، فتشكل وحدة فيما بين آياتها. وصلتها بالآية التي قبلها واضحة، فما قبلها هو:

(ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ... ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ).

فجاءت هذه الفقرة بعد ذلك مباشرة تُبشِّر بما للشهداء، وتطالب بألا نحزن على الذين يسارعون في الكفر من هؤلاء المنافقين. ثم إن هذه الفقرة تأتي في سياق القسم الخامس من سورة آل عمران، والذي فيه وعد من الله للمؤمنين بالرعاية والنصر، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين. ومن ثَمّ فهي تربي على المعاني التي ينال بها أهل الإيمان وعد الله بذلك، وتُقدم نموذجاً على فعل الله لأوليائه في أشد حالات الضيق إذ انتصروا بالرعب، كما تأتي هذه الفقرة بعد مقطع ينهى عن مشابهة الكافرين في بعض أقوالهم، فتكمل هذه الفقرة موضوع مالا ينبغي أن تتوافق فيه تصورات أهل الإيمان مع أهل الكفر. والفقرة مع هذا كله، تفصل في محور سورة آل عمران من سورة البقرة، ففي أول سورة البقرة ورد قوله تعالى: (ﭝ ﭞ ﭟ).

 

وفي هذه الفقرة يأتي تفصيل لأثر الإيمان، وهو الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال، والتوكل على الله في كل الظروف.

(ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ . ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ.   ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ).

وكما جاء كلام في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين والمنافقين بعد الكلام عن المتقين، فإن هذه الفقرة تنتهي بكلام عن الذين كفروا بعد إيمان:

(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ . ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ).

وبعد هذه الفقرة تأتي فقرة ثانية في المقطع الثالث، تكمل معاني الفقرة الأولى في دفع توهمات الكافرين، وتصحيح تصورات المؤمنين.

الفقرة الثانية في المقطع الثالث

(ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ).

لاحظنا أن الفقرة السابقة بدأت بقوله تعالى: (ﯶ ﯷ) وهذه بدأت بـ (ﮕ ﮖ) وهناء قراءة (ﯶ ﯷ) دل ذلك على أننا في بداية فقرة ضمن المقطع الذي يصحح التصورات الإيمانية ويصفيها، ويميز التصورات الكفرية

 

ويصفها، ويوجه المؤمنين إلى كمالهم في التصور. فبعد المقطع السابق الذي صحح التصور حول الموت والقتل، وأنه لا يكون إلا بأجل، جاءت الفقرة الأولى من هذا المقطع تصحح التصور حول مآل الشهداء في سبيل الله. ثم تأتي هذه الفقرة فتصحح تصورات المؤمنين حول الإملاء للكافرين، وامتحان المؤمنين، وكل ذلك يعرض من خلال أخذ الدروس مما حدث يوم أحد، وما بعده، وما قبله. فمن خلال الحياة العملية نأخذ تفصيلات في قضية الإيمان والكفر، وفي سنن الله – عز وجل – في أهل الإيمان وأهل الكفر، وفي سنن الله في الصراع الذي يجري بين أهل الإيمان وأهل الكفر.

والخطاب في هذه القراءة وإن كان للكافرين إلا أنه تصحيح لتصور المؤمنين، لأن الكافرين لا يستفيدون من الخطاب، ولنلاحظ أن قراءة حمزة بالتاء.

المعنى العام:

ينهى الله عز وجل – الكافرين أن يتصوروا أن إمهالهم والإملاء لهم، خير لهم، بل هو شر لهم، لأنهم بهذا الإملاء يزدادون إثماً، فيستحقون العذاب الأكثر، وإذ بين الله – عز وجل- أن الإملاء ليس علامة على إرادة الخير بصاحبه، يبين في الآية الثانية أن الامتحان لابد منه لأهل الإيمان، ليظهر فيه الولي، ويفضح فيه العدو، وليُعرف به المؤمن الصابر، من المنافق الفاجر، والأمر كله لله؛ فهو الذي يعلم الغيب كله، ومن ثَمَّ يعلم ما فيه الصلاح، وما فيه الفساد، وما هو خير للمؤمنين. فثقوا به، وتوكلوا عليه، وسلموا أموركم إليه. وإذا أطلع على شيء من الغيب، فإنما يطلع رسله، وإذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، فذلك أحرى وأدعى للتوكل ورؤية الحكمة. ثم بشرهم أنهم في حالة إيمانهم وتقواهم سيعطيهم أجراً عظيماً.