فصول الكتاب

فإن بعض المحققين من النصارى يقول: "قال اكهارن في كتابه: إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال: إنها الإنجيل الأصلي .. هذه ترجمة لما قاله نارتن كم نقله عنه الشيخ أبو زهرة، ونحن نجزم بإخبار الله لنا أن المسيح عليه الصلاة والسلام قد أنزل عليه كتاب هو الإنجيل، ولكن أين هو والكنيسة اعتمدت مالا يصلح للاعتماد، وقضت على كل ما يخالفه، مع ملاحظة ما يقوله شارل جُنَيبير أستاذ الديانة المسيحية في جامعة باريس من كون العقلية التي سيطرت على النصارى في المراحل الأولى عقلية غير تحقيقية يقول: "فكل ما يمليه اتصال الواحد منهم اتصالاً خيالياً مباشرة بالروح القدس، يؤخذ قضية مسلمة وفرضاً ضرورياً على الجميع يؤمنون به إيماناً لا يعلو عليه، بل لا يدانيه إيمانهم بالواقع المباشر الذي يمليه التاريخ.

         فتلك التعاليم مثلاً التي قال القديس بولس أن عيسى أوحى بها إليه روحياً، كانت تبدو له أكثر ثقة ويقيناً من كل ما كان يحكيه له صاحبا المسيح: بطرس ويعقوب" هذا كلام بحاثة نصراني فليتصور القاريء أن المسيحية الحالية التي هي أثر من آثار بولس كلها أثر عن دعوى إنسان أن المسيح يتصل به بشكل روحي، ويقول له كل شيء أما المسيحية كما ورثها تلاميذ المسيح وتلقوها منه مباشرة فقد انتهت.

         ولننظر نظرة في الأناجيل الأربعة التي يعتمدها النصارى حالياً الإنجيل الأول إنجيل متى: وينسب إلى متى أحد تلاميذ المسيح المباشرين، وهناك خلاف كثير في سنة تدوينه وأهمُّ من هذا أن الأصل ضائع، يقول صاحب ذخيرة الألباب من كتاب النصارى "إن القديس متى كتب إنجيله في السنة (41) للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أو السير وكلدانية، ثم ما عتم هذا الإنجيل أن ترجم إلى اليونانية، ثم تغلب استعمال الترجمة على الأصل الذي لعبت به أيدي النساخ الأيونيين ومسخته، بحيث أضحى ذلك الأصل خاملاً بل فقيداً وذلك منذ القرن الحادي عشر" ومن هذه العبارة نفهم أن هناك اختلافاً كبيراً بني الأصل والترجمة حتى أتلف الأصل، ولكن من هو المترجم وما هو العصر؟ ويذكر سيف الدين فاضل في مقدمته لإنجيل برنابا أن هناك إنجيل متى الكاذب يبشر بما يبشر به إنجيل برنابا فهل هو الإنجيل الصيل لمتى؟

إنجيل مرقس: ومرقس لم يكن من الحواريين وإن كان من تلاميذ المسيح المباشرين، وقد جاء في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار وهو كتاب نصراني: أن مرقس كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذه بطرس الحواري، وقد جاء في ذلك الكتاب عن مرقس

 

 

"صنف إنجيله بطلب من أهالي رومية وكان ينكر ألوهية المسيح" وهناك خلاف كثير في زمن تأليفه. ويقول ابن البطريق: - من مؤرخي النصارى – "وفي عصر نارون قيصر كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية ونسبه إلى مرقس". وهذا وحده كاف لزعزعة الثقة بالرواية فهل بطرس تتلمذ على مرقس؟ وهناك روايات تقول: إن مرقس كتبه بعد وفاة بطرس وبولس وسنرى أن نسبة إنجيلي متي ومرقس لهما لا قيمة لها من الناحية التاريخية؛ لأنه لا يوجد سند صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، ولا باطل إليهما، فهي دعوى محض وإلا فما أسهل أن يقال: أملى مرقس إنجيله على فلان، وفلان أملاه على غيره، وعلى كل الأحوال فإن الشيخ رشيد رضا ينقل في مقدمته لإنجيل برنابا عن دائرة المعارف الفرنسية أن بولس هو الذي وضع إنجيلي مرقس ويوحنا ونسبهما إليهما، وأما لوقا فمن تلاميذ بولس فهو ليس من تلاميذ المسيح ولا من تلاميذ تلاميذه أصلاً، ولذلك فإن هذا الإنجيل بمثل مدرسة بولس التحريفية.