فصول الكتاب

الراوي والرواية 
لا يذكر اسم فنتشنزو تشرامي إلا وتلازمه صفة "كاتب رواية البرجوازي الصغير الصغير". هذا هو العنوان الايطالي للرواية التي نقدّمها هنا للقارى العربية. وهذه الرواية، باكورة أعمال فتتشنزو تشرامي الروائية، أعطته شهرة عظمى فعند ظهورها عام 1976 كان لها صدى واسعا ليس فى الأوساط الأدبية فحسب بل لدى جمهور القرّاء الغفير كما تُرجمت سريعا إلى العديد من اللغات الأوروبية. 
وقد بدأ تشرامي حياته الأدبية في مجال الكتابة السينمائية التي برع فيها منذ أن كتب أول سيناريو للمخرج فرانكو روستي عام 1967. وقد تعلم صنعة الكتابة السينمائية على يد الكاتب الكبير بيير باولو بازوليني فقد عمل مساعدًا له في إخراج أحد أفلامه (مهرجانات الخطابة الغرامية) عام 1965 وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، كما عاونه على إخراج فيلم "طيور وعصافير" عام 1966 وفيلم "الأرض كما يراها القمر" عام 1967. 
لم يتوقف تشرامي عن الكتابة للسينما أبدًا فقد كتب السيناريو لاثنين وأربعين فيلمًا حتى اليوم. براعته فى الكتابة السينمائية تحاكى قدرته على استعمال أدوات تعبيرية أخرى فهو ما يزال يزاول الكتابة الصحفية والمسرحية بالإضافة إلى ما يُصدره من روايات ومجموعات قصصية تتمتع جميعها بحسن الصياغة ومتانة الحبكة وسهولة الألفاظ 

وسلاسة السرد. وقد يعود مردّ جزء من النجاح المنقطع النظير الذي لاقته روايته الأولى إلى الفيلم الذي أخرجه في العام التالي لصدورها ماريو مونيتشيلي وهو المخرج الذي يتمتع باحترام كبير في الأوساط الثقافية الأوروبية. وقد كتب تشرامي سيناريو الفيلم كذلك. ويختلف السيناريو عن الرواية في بعض التفاصيل، فقد كان كاتبنا دائم الانتباه إلى ضرورة اختلاف الأدوات السردية باختلاف الأشكال التعبيرية، وتجربته في هذا المجال واسعة للغاية فهو يرى بحق أن لكل فنّ لغته الخاصة وعلى الكاتب أن يتقيد بلغة الفن الذي اختاره، فالكتابة السردية روائية كانت أم قصصية كتابة أدبية خالصة، أما الكتابة المسرحية فيرى فيها كتابة ثلاثية الأبعاد ترمي إلى تكوين المشهد المسرحي الذي يحاكي الواقع ويتفاعل فيه المشاهد والممثل بخلاف الكتابة السينمائية التي يعتبرها ثنائية الأبعاد حيث تخلق مشهدا مستويا استواء عدسة الكاميرا والشاشة التي يُعرض عليها الفيلم وتستدعي انتباه حاستي النظر والسمع، وكلها تختلف عن الكتابة الإذاعية التي لا تستدعي إلا السمع. وفي هذا المجال يقول: التى يستثنيها الفنّ كما هو متعارف عليه. 
فهو يستثنى تلك الأبعاد عارفا واعيا بما يفعله، فالكتابة إذن صنعة كباقي الصنائع. 
وقد أوضح أفكاره هذه في كتاب يحكي بعضا من تجربته الأدبية "نصائح للكاتب الشاب" وفيه يؤكد المؤلف على نظرته التي تنظر إلى الأدب ليس كوحي منزل على الأديب بل كصنعة يجب دراستها وتعلمها وإتقانها فهو يقول: 

لو أمكن جمع كل اللحظات الخلاقة التي تمرّ على الكاتب خلال كل حياته الأدبية لما تجاوزت خمس دقائق أما الباقى فهو عمل ودأب يومي كعمل النجّار وقد يكون مملاً أحيانا. من هنا جاء سيناريو فيلم "البرجوازي الصغير الصغير" مختلفا بعض الاختلاف عن الرواية. وقد اتخذنا للترجمة العربية عنوانا مغايرًا شكلاً رأينا فيه تعبيرًا أقرب في العربيّة إلى ما أراد به الكاتب من وصف لحال شريحة اجتماعية تمتاز عن غيرها بمواصفات محددة وتؤثر في المجتمع تأثيرًا كبيرًا، فبطل الرواية موظف صغير شارف على التقاعد، محدود الثقافة، مُخلص في عمله، حياته تسير بانتظام ويرغب في توظيف ابنه في الوزارة نفسها التي يعمل فيها وهو على استعداد أن يتملّق لرؤسائه وأن يتحايل على القانون من أجل ذلك، بل يرضى وعندما يُقتل ابنه عرضا في حادث سطو مسلح على أحد المصارف يسعى إلى الانتقام من القاتل شخصيا بل يقوم بتعذيبه عوضا عن تسليمه للعدالة. نحن إذن أمام تغير أخلاقي في شخصية هذا الإنسان البسيط يُشير إلى التغيرات الاجتماعية الحاصلة في إيطاليا المعاصرة في مرحلة الة ور الصناعي الحديث. فيا للجوء إلى الماسونية مثلا تعبير عن انحسار سيادة القانون وضعف مؤسسات الدولة أمام ظاهرة المحسوبية. إن الأزمة التي يعيشها بطل الرواية بفقده ولده هي أزمة مُجتمع فقد البوصلة الأخلاقية عند فقده للثوابت الاقتصادية والسياسية للحياة التقليدية في مرحلة انتقاله إلى الحياة الصناعية الحديثة، وهي أزمة سياسية ومؤسساتية تفتح الطريق أمام الأساليب الملتوية في التعامل الاجتماعي وتقود العلاقات الاجتماعية نحو درجة أعلى من العنف. البرجوازي الصغير ليسس إلا الشاب الريفي الذي يهجر قريته 


النائية ويرحل إلى المدينة الكبيرة وهو يرى في هجرته تقدّما في السلّم الاجتماعي وهو على استعداد أن يدفع ثمن هذا التقدم المزعوم على كان الرحيل مغامرة، سواء أراد أم أبى، لكنه كان مفعما بالأمل فيطفى كآبته وحنينه إلى أرضه وأهله والبيت الذي ولد فيه. عبرته غضة فى حلقه. لكنه علي ، الرغم مر"، "الغضة في ، الحلق" فخور بما أحرزه مر. و على الرغم من في فحور بما احرزه من اليوم هو أب لابن ولد في المدينة: المحاسب فيفالدي وعمره عشرون سنة. عندما كان شابا صغيرًا، كان كل ما يلي محطة القطار في قريته غامضا ومجهولا (...). الوضع مختلف بالنسبة لماريو فقد ولد في المدينة ولن يشجر بالكآبة أبدًا فكل شيء بمتناول يده: البيت والأهل والمكتب والترفع في الوظيفة. وهو يرى فى شهادة ابنه المدرسية المتواضعة نجاحا شخصيا له يعني تقدّما اجتماعيا آخر يضاف إلى التقدّم السابق الذي أحرزه بانتقاله من الريف إلى المدينة، لكنه نجاح أنانى يرى ارتباطه بالتطوّر العام من منطلق شخصي محض: لك مستقبل زاهر، بحق الله. ستبدأ حيث وصلت أنا بعد ثلاثين عاما من الخدمة. وأنت... مازلت في العشرين من عمرك. الشاب الشاطر يفكر بمستقبله ولا يفكر بأي شيء آخر وليمت الأخرون قهرا وشنقا. لا يرمي الكاتب على كاهل المجتمع تبعة ما آل إليه بطل الرواية سمكة اصطاداها: من قوة (...). وضع الاب السمكة المتقافزة على صخرة في الأرض وبدأ يهوي بالحجر على رأسها. كسا الدم الحجر لكن كان 8 

للسمكة سبع أرواح. ظنَّ جوفاني أن السمكة قد ماتت، لكن ذنبها تحرّك وتلوّى فهوى عليها مجدّدًا بحجره المدبب مرّات ومرّات. أخيرًا ماتت السمكة. سأل ماريو: (هل ماتت ؟" أجاب جوفانى: ( ماتت ! ) . قتل السمكة بعد صيدها يوحي بتأضل العنف في طبع جوفاني قبل تكائف الأحداث العرضية والظروف الاجتماعية التي ألبسته حقدًا مكينا. الأحوال المجتمعية إذن قد تقوم مقام الشرارة لكن الفتيل شخصي ينبت عند أناس ولا ينبت عند غيرهم. البرجوازي الصغير مشغول بهمومه وبأحواله فلا يهتم بمشاعر الاخرين وإن كانوا من أقرب المقرّبين له. به لم ير الرعب في عينيها على الرغم من حبه لها وسهره على رعايتها: قال جوفاني لزوجته إنه أمسك بقاتل ماريو وإنه قد أخذه إلى الريف. لم يكن يعرف ماذا يريد أن يفعل به ولكنه سيفكر بالأمر فلديه متسع 
من الوقت. أكل بسرعة فهو يريد أن يلحق بفريسته بأقصر وقت. كانت السيدة أماليا حبيسة جسدها المشلول تستمع إليه 
وتُدير عينيها في محجريهما وتتكلم بلغة المورس. لم يكن زوجها ينتظر منها رذا فاستمرّ في سرده دون أن ينظر إليها. وقد تغير المشهد في الفيلم حيث تموت الزوجة لدى رؤيتها ما فعل زوجها. كما تغيّرت العديد من المشاهد في الفيلم انطلاقا من أفكار تشرامي حول تنوّع أساليب الكتابة بتنوّع وسائط التعبير فجاءت أشدّ ممّا هي في الكتاب، فالمشهد السينمائي بسرعته لا يتقبل الوصف التحليلي الذي يُقرأ في كتاب. كما جاءت نهاية الفيلم مختلفة في تجسدها وإن كانت مطابقة لما ورد في الكتاب في معناها، فالعنف الذي استولى على بطل الرواية واضح في وصف تصرفاته اليومية بعد 9 

دفن القاتل القتيل، أما في الفيلم فقد لزمه مشهد آخر يدل على أن استيلاء العنف على طباع بطل الفيلم لم يعد عابرًا بل أصبح ملازمًا له في كل تصرفاته. تعطي الرواية في مجملها صورة حية عن المجتمع الإيطالي وتكشف عن عيوب مؤسسات الدولة لكنها بالدرجة الأولى تصف للقارى رجل الشارع بمحاسنه ومساوئه وفضائله ونواقصه وصفا لا يخلو من السخرية، فكما كان يقول مخرج الفيلم ماريو مونيتشيلي ما دام هناك مجال للسخرية في مجتمع هناك مجال للإصلاح. 
وسيم دهمش 

قاطع جوفاني حديث ابنه قائلاً: "هل استطعت حقا أن تجيب على كل تلك الأسئلة". 
أومأ ماريو برأسه إيجابا بحركة تدل على اعتزازه بنفسه. 
"رائع"، استمر جوفاني بينما كان يهرُ قصبة صنارته كي يرى إن علقت بها سمكة: "ت يا كل النقود التي افترضتها المسألة الحسابية لكنت استطعت أ في سنة واحدة". ونظر إلى السماء فرآها كلوح مكسو 
"الأرقام شيء آخر يا أبي". "ابني محاسب... المحاسب في أقدم لك ابني؟ المحاسب فيفالدي... الد مكتب الموظفين، قسم التقاعد... تشرّفنا". جريئة لا تنم على أي انفعال. ثم جعل يضحك. "لك مستقبل زاهر، بحق الله. ستبدأ حيث وصلت أنا بعد ثلاثين عاما من الخدمة. وأنت... مازلت في العشرين من عمرك. الشاب الشاطر يفكر بمستقبله ولا يفكر بأي شيء آخر وليمت الآخرون قهرًا وشنقا". قال جوفاني الكلمات الأخيرة وشد بيده على قصبة الصيد كما لو كانت عنقا يريد الإمساك به لخنقه. "غدّا سيتغير كل شيء. مع أول معاش سنغير التلفزيون وستستطيع تغيير السيارة. الفيات القديمة أصبحت على حافة قبرها". 
13 

"يجب أن تفكر بنفسك"، قال الأب وقد تربّع على قمة حكمته: "في هذه الدنيا إن سرحت لحظة غدروا بك وطعنوك من خلفك. لا تتردّد أبدًا. سر دائمًا إلى الأمام. لا تلتفت وراءك. أنا وأمك قانعان بما نحن فيه وسعيدان بأننا استطعنا أن نجعل ولدنا الوحيد يصبح محاسبًا. كل ما نريد هو أن نموت بسلام وضميرنا مرتاح". اعتدل ماريو جالسا ونظر الى أبيه نظرة الرجل المقدام، لكنه في حقيقة الأمر كان منفعلاً، وكادت الدمعة تطفر من عينه. ألقى جوفاني نظرة خاطفة على ولده ثم رتب على كتفه وقد ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة. أخيرًا علقت سمكة بالصنارة فغاصت عوّامة القلين الحمراء فجأة في مياه البركة الراكدة. قفز الأب والابن واقفين وقد اعترتهما رجفة الانفعال. "أخيرًا!"، قال جوفاني بصوت خافت كي يخفي انفعاله. أما ماريو فلم يخفي انفعاله بالمرّة وبدأ يطرقع أصابعه ويتقافز على قدميه. كانت سمكة طولها شبر رأسها صغير منفرج وفمها الواسع مليء بالأسنان حتى في حلقها وعلى لسانها. قفزت السمكة من على سطح الماء وبدت كأنها تطير نحو السماء لكنها سرعان ما هوت على حشائش الشاطى اللزجة. وفي لحظة أمسكت بها أربع أيد محاربة متلهفة ورمتها بعيدًا عن الشاطى وبعيدًا عن مياه البركة. أمسك جوفاني بيديه السمكة المجنونة وشدّ عليها بأقصى ما يستطيع من قوة. "حجر"، صرخ جوفاني ملتفيًا نحو ابنه: "أعطني حجرًا". التقط ماريو حجرًا وأعطاه لأبيه. وضع الأب السمكة المتقافزة على صخرة في الأرض وبدأ يهوي بالحجر على رأسها. كسا الدم الحجر لكن 14 

كان للسمكة سبع أرواح. ظن جوفاني أن السمكة قد ماتت، لكن ذنبها تحرّك وتلؤى فهوى عليها مجدّدًا بحجره المدبب مرّات ومرّات. أخيرًا ماتت السمكة. سأل ماريو: "هل ماتت ؟" أجاب جوفاني: "ماتت !" كان الشضا ما يزال عالقا في معدة السمكة لا يتحرك وجوفاني يشدّ ويشدّ لكن الشض لا يتحرك. "في الواقع إنك لست صيادًا محترفا"، قال ماريو وقد علت ابتسامة على شفتيه اللتين كانتا تبدوان مغطائين بطبقة خفيفة من الوبر من جرّاء لونهما الأسمر الغريب. "سأتعلم"، قال الأب العجوز واستطاع بشدّة قوية أن يسحب الشض من جسم السمكة. لكن مع الشصل خرجت المعدة والأحشاء كلها. "والآن بعد أن قطعنا الرأس وأزلنا الأحشاء لا يبقى إلا أن نطبخها"، 
قال جوفاني بصوت صارم. 
توقفت الفيات أمام كوخ خشبي غير بعيد عن البركة. كان الريف يمتد حول الكوخ نحو الأفق متصلاً بسماء مكفهرة. كان الأب والابن معتادين علي تمضية نهار الأحد في المدينة. أما في الريف فقد اجتاحتهما أحاسيس وانفعالات غريبة. لم يكن هناك شيء يشير إلى أن اليوم عطلة لكنهما كانا يعلمان أنه نهار أحد. 
17 يبدو أي شيء، لا أحد ولا يوم عمل". 
لم يكن جمال الطبيعة موجودًا بحد ذاته بالنسبة للاثنين. ففي تلك الساعة في يوم اعتادا أن يقضياه في أماكن معتادة ومعروفة وجدا نفسيهما أمام مشهد غير مألوف مأهول بمخاطر خارجة عن منطقهما. لعلهما حاولا 
15 

أن يستسمحا البيئة المحيطة بهما وأن يصادقاها وأن يطلبا مغفرتها لذنب ما قد ارتكباه فاكتشفا زرقة السماء الرائعة والنسمات الرقيقة ورائحة الأرض العاطرة وسكينة الطبيعة وسلامها. أوقفا السيارة خلف الكوخ واتجها والسمكة نحو المدخل. أخرج جوفاني من جيبه نصف كيلو من المفاتيح وفتح الباب بعد أن أدار المفتاح في القفل عشر دورات. فتحت النوافذ فانسل نور أخضر باهت وأضاء حجرة واسعة مليئة بالكراكيب والأثاث المهشم وعجلات سيارة قديمة وكل ما يخطر على البال من النفايات. اتجه جوفاني فورًا نحو المبولة خلف ستار لم يكن إلا غطاء سرير قذر ثبتت أطرافه بالمسامير على جوانب خزانة مكسورة. أما ماريو فقد ألقى بنفسه على سرير يعلوه الصدأ وضعت عليه فرشة رطبة ظهرت عليها بقع العفن. ألقى نظرة على جثة السمكة التي ألقاها أبوه على كرسي ثم نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط وهي تعمل بانتظام تام. اقترب جوفاني من الساعة وهو يزرّر سرواله وأنزلها عن الحائط ثم أخرج من جيبه بطاريتين صغيرتين استبدل بهما البطاريتين القديمتين. "متى سنحال إلى التقاعد يا أبي؟"، سأل ماريو أباه. "لم يبق إلا القليل. الإضبارة على طاولة مكتبي وفيها كل الأوراق الثبوتية جاهزة. كل شيء حسب الأصول". "كم ستأخذ بدل نهاية العمل؟" "لا أعرف بالضبط. هناك مطالبة بالزيادة. إذا صدر القانون الجديد قبل أن أترك العمل فسآخذ أكثر قليلاً". "وهل المبلغ يكفي لتحويل هذا الكوخ إلى بيت؟" 16 

"آمل أن أحوّله إلى بيت كما يجب أن يكون، إلى بيت صغير لكنه نظيف ومريح". 
"هل تظن أن أمي ستحب أن تأتي لتعيش هنا؟" 
"أقسم بالله أني سأحضرها بالقوّة وبالركل على قفاها". 
"إذا أردت يا أبي أستطيع أن أساعدك. ماذا سأفعل براتبي كلّه؟ وأنا شاب ولن أتزوّج غذا". 
"لا، هذا بيتي، بيتي أنا. تعبت كل العمر كي أعمره. هذا بالنسبة لي تحد يجب أن أواجهه وأنتصر عليه. لقد قلت لك يجب أن توظف نقودك. أن تجعلها تتكاثر، أنت تعرف هذه الأمور، ضعها في البنك. اشتر أسهم شركات مأمونة، أو سندات الدولة. فكر أن تشتري بيتا في روما. المنزل في روما استثمار مضمون. عندما تملك بيتا فلن تخاف من التضخم ولا من أي شيء". 
تحدّثا طويلاً عن الحال وعن كيف تتكوّن العائلة بالتعب والتضحيات. 
أشعلا النار في جارور خزانة قديمة كي يشويا السمكة. 
نام جوفاني بعد الغذاء حوالي ساعة بينما كان ماريو يتمشى خارج 
الكوخ. 
وصل فيفالدي جوفاني وفيفالدي ماريو الى الطريق المعبد بعد أن سارت بهما السيارة العتيقة على طريق ترابي كانت تتقافز عليه بشكل إن لم يجدا أزمة سير في طريقهما فسيصلان في الوقت المناسب ليشاهدا مباراة كرة القدم في التلفزيون الساعة سبعة وعشر دقائق. مرّت الرحلة حتى مدخل روما بسهولة. قبل كل شيء تجاوزت السيارة 
17 

الإصطبلات ثم البيوت الريفية ثم بعض المنازل السكينة ثم العمارات التي أصبحت أكثر كلّما اقتربت السيارة من المدينة. بدت روما أمام أعينهما على شكل إشارة مرور حمراء. توقفت السيارة ثم عدت بجرأة وحذر في شوارع المدينة. تعرّف الاثنان فورًا على يوم الأحد. كانت مصاريع المحلات مغلقة وقد ظهرت عليها بقع الزيت وبوّابات العمارات تبدو كأفواه هازئة والسيارات مصطفة على أطراف الأرصفة كأنها كلاب محنطة وعربات الترام فارغة كأنها ديدان كسولة وجلة ثم عمارة هائلة لا نهاية لها تعبر المدينة بكاملها وتتفرّع في كل اتجاه كأنها فرشاة شعر تمشط بها رأسك أجرب. 
عندما أشعل جهاز التلفزيون كانت مباراة كرة القدم قد بدأت وانبعث منه صوت هائل، صراخ ثمانين ألف مشاهد رؤوا الكرة توقف سرعتها الشديدة عند اصطدامها بالشبكة وراء حارس المرمى. 
ظهر المشهد فقد كانوا يعيدون بك دخول الكرة مرّة ثانية. كان الهدف حسب الأصول فعلاً. 
دخلت السيدة أماليا فيفالدي الغرفة بوجهها المكفهر المعتاد ورمت المجلة الشعبية "أخبار المجتمع" على كرسي ثم بدأت تمض عنق زجاجة مليئة بالماء الدافى.
"متى ستُصلح البرّاد عوضا عن أن تحك كرشك؟"، همهمت السيدة أماليا وهي على وشك الغرق. 
"غذا"، أجاب زوجها دون أن ينظر إليها: "عملي لي سندويشة أنا جائع". 
"ولي أيضا"، أضاف ماريو. 
"العشاء جاهز"، قالت المرأة قبل أن تختفي في المطبخ. 
18 

الساعة السادسة وربع صباح الاثنين رنَّ المنبه على المنضدة بجانب السرير. "لقد حلمت يا أماليا"، قال جوفاني قبل أن يفتح عينيه لكن زوجته لم تكن بجانبه. كانت قد قامت لتُعدّ القهوة. ظهر جوفاني على عتبة المطبخ بمنامتة القذرة واقترب من زوجته وأمسك بيدها وأدخلها في لباسه. "تحسسي !"، قال مباهيا: "ما يزال هناك لحم كثير!" "روح شخ!"، نفخت السيدة أماليا في وجهه بعد أن تحسست هيجانه بشكل روتيني. وبينما كانت تغسل يدها بكسل كان جوفاني يسرد حلمه باختصار. لماريو طبعا دور البطولة في الحلم. كانا على شاطى البحر وكانت الحرب دائرة على طول الشاطى بين "كاستل فوزانو" و"أوستيا". وراءهما كان المطبخ وكانت الصلصة تغلي على النار. جاء الكولونيل وقال لماريو: "أنت ضابط وليس طبخ الصلصة من عملك. سيراقبها أبوك أما أنت فاذهب للقتال". وبينما كان جوفاني يحرّك الصلصة بملعقة خشبية كي لا تلصق بالطنجرة وصلته أصداء النصر: "انتصرنا انتصرنا !" "هل ستستطيع إدخاله إلى الوزارة؟"، سألته السيدة أماليا متشككة بقدراته . "سأستطيع، أقسم بالله. منذ ثلاثين سنة وأنا أنحت في الصخر في مكاتب الوزارة ويجب أن يسمعوني". "ولكن يجب أن يتجاوز الامتحان في المسابقة"، قالت المرأة وقد ازدادت شكوكها. "سينجح، بالتأكيد. سأتكلم اليوم مع الدكتور سباتسياني. لقد أخبرتك 19 

أننا نتكلم سوية بصيغة المخاطب ا" "إن شاء الله"، قالت السيدة أماليا وهي تصيب القهوة في الفنجان 
الملوّن والمزخرف برسوم يابانية: "إن شاء الله". 
20 

كانت الفيات العتيقة مركونة مواربة على الرصيف أمام محلات "أوبيم". 
جوفاني يجب أن يكون في مكتبه الساعة ثمانية ونصف. الوزارة ليست بعيدة عن المحطة المركزية. جوفاني ساكن في آخر حي "توسكولانو". لذلك عليه أن يصل أولاً إلى ساحة "سان جوفاني" ومن هناك الى ساحة "فيتوريو" ثم يحاذي محطة سكك "اللاتيوم" ثم المحطة المركزية وساحة "اسيدرا" ليجد نفسه أمام الوزارة. 
ذلك الصباح لم يكن مثل أي صباح آخر. عادة، فور ما يركب سيارته يبدأ بالشتائم ولا ينتهي إلا بعد أن يدخل بوابة الوزارة. جوفاني يصرخ في وجه السائقين وفي وجه المشاة. يضغط على الزمور بغضب ويوزع الشتائم القذرة على كل من يظن أنه سيقطع عليه الطريق أو يعرقل سيره ويلعن البلدية وهيئة الشوارع والحكومة وإيطاليا وكل البشرية. 
أما في ذلك الصباح فقد كان صامتا هادئا وسار في طريقه بانتظام دون أن يُزمر يمينا وشمالاً ودون أن يصرخ بل كان يحترم كل إشارات المرور. 
بالطبع كان السائقون الآخرون يشتمونه وقد مُسخت وجوههم غضبا فأصبحوا كالقرود يصرخون في وجهه بكل الصفات المهينة التي يحتوي عليها قاموس الساعة ثمانية ونصف، وهو قاموس صغير لكنه كامل حقا. أما جوفاني فقد كان قابعا في كوخه المعدني المتحرك الصغير لا ينتبه لشيء ولا يلوي على شيء، بل لم يكن موجودًا. 
21 

من على يمينه ومن على يساره كانت السيارات الصغيرة تعبر بسرعة السهم يقودها شباب وجوههم كوجوه المجرمين، لا يتوزعون عن الصعود على الأرصفة أو السير على خطوط الترام أو السير بسرعة جنونية وقد وضعوا أيديهم على الزهور دون توقف وكأنهم يحملون جريخا إلى مستشفى "سان جوفاني". كان الرجل العجوز حائر الفكر فقد كان يفكر بابنه وبالحلم الذي حلمه في الليلة الفائتة وتوارده ذكريات مطلع شبابه. لم يكن هذا بالشيء الغريب مع أنه لا يعود بفكره عادة الى تلك الحقبة البعيدة أما الآن فهو يفكر بمستقبل ابنه فمن الطبيعي أن يشعر أنه معني بالأمر وأن المسألة تخضه بكل تداعياتها المنطقية أو غير المنطقية. كان جوفاني قد أتى إلى المدينة منذ سنوات بعيدة، قبل الحرب، عندما ترك أرض أبيه الفلاح كي يتطوّع في الجيش الملكي. هكذا تجوّل في إيطاليا وشارك في الحرب ثم ترك الجيش وأصبح موظفا في الوزارة بدرجة (ج). اليوم هو أب لابن ولد في المدينة: المحاسب فيفالدي وعمره عشرون سنة. عندما كان شابًا صغيرًا، كان كل ما يلي محطة القطار في قريته غامضا ومجهولاً. كان الرحيل مغامرة، سواء أراد أم أبى، لكنه كان مفعما بالأمل فيطفى كآبته وحنينه إلى أرضه وأهله والبيت الذي ولد فيه. عبرته غضة في حلقه. الوضع مختلف بالنسبة لماريو فقد ولد في المدينة ولن يشعر بالكآبة أبدًا فكل شيء بمتناول يده: البيت والأهل والمكتب والترفع في الوظيفة. شعر جوفاني لوهلة بالاعتزاز والفخر دون أن يدرك السبب. لعله رغم ضآلته قد ساهم في إيجاد هذا الوضع الممتاز لابنه ولكل رفاق ابنه في المدرسة. 
22 

بالطبع. هذا أكيد: لقد مرّت سنوات عديدة وكل هذه السنوات لا تمز دون أن تترك أثرًا. هو نفسه كان فلاخا فقيرًا معدما واليوم هو موظف في وزارة. في ذلك الصباح أدرك جوفاني كما لم يدرك من قبل أنه قد شاخ، لكن تقدّمه في العمر لم يذهب هباء. ولعله لهذا السبب لم يغضب خلال السير ولم يشتم البلدية والجمهورية. هذه ساعة يظهر فيها الرجل – رجل مثل جوفاني – على حقيقته وبكل ما قام به في حياته وبدوره في الحياة. عندما وصل أخيرًا بالقرب من الوزارة بدأ بالبحث عن موقف لسيارته وكانت هذه عملية تتطلب منه كل صباح حوالي نصف ساعة. دار حول المبنى عدة مرّات مارًا بالحرس الواقفين عند مدخل الوزارة وبعد مشاذة عنيفة مع أحد الزملاء استطاع أن يحشر سيارته في خزق فارغ. استطاع جوفاني أن يخرج من السيارة بعد جهد. أغلق باب السيارة ونظر الى ساعة معلقة على حائط دكان صائغ: كانت الساعة الثامنة ونصف تماما. انطلق جوفاني راكضا بكل ما أوتي من عزم بعد أن أطلق شتيمة كبرى. عند المدخل قطع عليه الحراس الطريق وهزوا وجوههم الهازئة. اقترب جوفاني رويدًا رويدًا من مجموعة من زملائه المتأخرين الواقفين على طرف البوّابة وقد بان على وجوههم الصفراء الغضب والحنق كما لو كانوا يريدون حرق المدينة برمّتها. جاء آذن يحمل ورقة وقلمًا وأدخل المتأخرين المساكين الى حجرة 
23 

صغيرة عند المدخل. طلب أسماءهم وطلب من كل واحد منهم اسم المكتب الذي يعمل فيه ثم رفع سماعة الهاتف وبدأ بالاتصال مع رؤساء المكاتب التي يعملون فيها. هكذا بدؤوا يصعدون إلى مكاتبهم الواحد تلو الآخر. اتصل الأذن بالدكتور سباتسياني لكنهم أخبروه أنه لم يصل بعد. عندئذ أشار لجوفاني بحركة تدل على كرمه أن يدخل دون أن يسجل اسمه في السجل الأسود. تجمّع غفر من الموظفين في المصعد الكبير بحجم غرفة. لم يكن للمصعد باب وهو من تلك المصاعد التي لا تتوقف فيجب النزول منه والصعود اليه قفزا لكنه لحسن الحظ يتحرك صاعدًا هابطا ببطء حذر. قفز جوفاني من المصعد في الطابق الرابع فمشى في دهليز طويل تضيئه هنا وهناك أضواء خافتة. كان الممر خاويًا لأن كل الموظفين يتجمهرون أمام كوّة آذن شمح له أن يُحضر القهوة في غرفته الصغيرة حيث يستضيف بترحاب متزايد قبائل كاملة من الصراصير الصغيرة. كانوا يسمّونه طوتي على اسم انريكو طوتي لأنه كان مثل كل الأذان تقريبًا من جرحى الحرب وله ساق من خشب. لحق جوفاني بالجمع ووقف في الطابور. لا أحد يستعجل بل الجميع يتمهل فالكل يعرف أنه ليس هناك رئيس مكتب يطلب من موظفيه أن يباشروا العمل قبل العاشرة على الأقل. رؤساء المكاتب - وهم فئة مختلفة - يقفون مع بعضهم الى جانب جمهرة الموظفين ولا يثيرون أية متاعب لهم. مواضيع الأحاديث التي يتبادلها الموظفون وهم بانتظار القهوة هي نفسها التي يسمعها جوفاني منذ ثلاثين عامًا: أخبار الرياضة والسياسة والجرائم والمصائب. 24 

أخبار الجرائم والمصائب هي التي تثير نفوس الزملاء في الوزارة، فالمصيبة حدث استثنائي وان كان يقع كل يوم منذ ثلاثين سنة، ففي كل يوم مذبحة أو شجار عائلي مأساوي أو انهيار سد من السدود أو ارتكاب جريمة أو انتحار. هذه الأخبار كانت مثار نقاشهم وأحاديثهم. 
كل صباح يوجد خبر جديد من هذه الأخبار يثير جدالهم: "بالنسبة لي هو القاتل... لا، أنا أرى أن القاتل هو عشيقها"، وهكذا دواليك. 
في نهاية المطاف وقبل أن يعود الموظفون الى مكاتبهم يتفقون على أن إصدار قانون يجيز الحكم بالإعدام سيؤدي إلى وضع حد نهائي للعنف في هذا العالم ! 
هذه كانت الوزارة من الداخل في دهاليزها وممراتها وفي حجرات مبناها الضخم، كما يعرفها جوفاني. هناك، في الداخل، لا يحدث شيء ممّا يحدث خارجها. على سبيل المثال، في "الخارج"، رئيس مكتب له مكانة أعلى من أي موظف، أعلى بكثير. 
قليلون يعرفون أن من له وزن في "الداخل" هو واحد من اثنين: إمّا أنه واحد ممن "له ثقافة" أو واحد ممن "له معارف " سواء كان رئيس مكتب أو موظفا بسيطا أو حاجبًا. "المتكلم" الذي يعرف كيف يتحدّث يتمتع باحترام وتقدير كبيرين وإن كان فقيرا يحتاج للاستدانة بفائدة باهظة من زميل قد يكون أقل مرتبة منه لكن أحسن تنظيما لأموره. أما أولئك الذين "لهم معارفهم" فيتمتعون باحترام من نوع مختلف أقرب منه إلى الخوف. سيرة أولئك تجري دائما على الألسنة فلهم أصدقاء كثيرون في المراكز العليا ولهم أعداء كثيرون في المراكز الدنيا، فهؤلاء عرضة أكثر من غيرهم لغدر أولئك. "المتكلمون" لا يتقنون الكلام فقط بل يعرفون الكتابة أيضا لذلك هم المفضلون لدى رؤساء المكاتب الذين يستخدمونهم كلما دعت الحاجة، إن طلب منهم تقرير غير اعتيادي أو اضطروا إلى إرسال رسالة غير روتينية، فهم غير متدرّبين كما يقولون عرضا لموظفيهم المثقفين. 
25 

المثقفون: يمكن التعزف عليهم بسهوله فهم يتنقلون بين المكاتب وجريدة "تمبو" أو "المساجيرو" تحت إبطهم أو في جيب الجاكيت. يقرؤون الصحيفة وهم يشربون القهوة أو وهم ماشون في الممرات ويحملونها معهم إذا ذهبوا إلى المرحاض وبعد أن يقرؤوها كلها ويعيدوا قراءتها يكتبون على حواشيها أرقام حساباتهم أو حساب مصروفات منازلهم أو رؤوس أقلام لمسائل مختلفة. 
جوفاني كان يفكر بابنه. كان عليه أن يعلمه أشياء كثيرة كقراءة الجريدة أو أن يتكلم بلسان قويم خال من نبرة اللهجة الدارجة مثل مُذيعي الأخبار في التلفزيون وأن يضع دائمًا ربطة عنق وأن يعرض أفكاره بلباقة ودون مبالغة، كما يجب عليه أن يعلمه كيف يستحوذ على عطف رؤسائه دون أن يتملّق لهم وعليه أن يعلمه أيضا كيف يكون ماهرًا في عمله. 
في الساعة العاشرة تمامًا دخل جوفاني مكتبه: غرفة فيها خمس طاولات أربع منها عند زوايا الغرفة والخامسة عند النافذة. جلس في مكانه واختفى خلف ستار من الملفات المكوّمة بعضها فوق بعض على طاولته تنبعث منها رائحة معتادة هي رائحة كريم تلميع الشعر ماركة "لينيتي". طاولات المكاتب الأخرى مُحَمّلة بأكوام الملفات المماثلة فلا يستطيع الموظفون أن يروا بعضهم البعض بل يسمعون أصواتهم ليس إلا. 
لم يمض وقت طويل حتى بدأت "الطاولات" بالحديث مع بعضها بنبرات ولكنات مختلفة. أمّا ما كان يعمله كل واحد من الموظفين فهو سز له وحده فقد يأكل سندويش أو يقرأ الصحيفة أو يكتب أرقام الرهان على مباريات كرة القدم فلا أحد يراه. لكنهم في الواقع كانوا يقومون بواجبهم وإن على مضض فكانوا يسحبون ملفا من الأكوام الملقاة أمامهم ويفتحونه ويتأكدون من وجود كل الوثائق التي ينطل عليها القانون كي يستطيع صاحب الملف أن يدخل عالم المتقاعدين المميّز الواسع. 
26 

أمام ناظري جوفاني ملف أصفر اللون كتب عليه بخط جميل وبأحرف كبيرة كنيته واسمه: قيفالدي جوفاني. تصفح جوفاني الوثائق المرتبة في الملف ثم أغلقه بمزيج من السرور والحزن. كان الزملاء في الغرفة ينبحون ويتقيوون غضبهم على الظلم الذي يعم هذا العالم القذر المليء بالمنايك والشيوعيين والحشاشين والوزراء الفاسدين ! في الساعة الحادية عشرة نزل جوفاني من الطابق الرابع إلى الطابق الثالث واتجه كالقطار إلى مكتب المسابقات وقرع الباب. فتح له بوّاب أفكح كباقي البوّابين. "أريد نص الإعلان عن المسابقة للدرجة (ب)... ابني... كما تعلم"، قال جوفاني مصطنعا عدم الاكتراث. "ابنك ؟"، قال البوّاب مصطنعا العجب. "نعم ياعزيزي. المحاسب فيفالدي"، قال جوفاني ودخل. ركض البوّاب خلفه ثم سبقه وأدخل يديه بين رفوف طويلة وتناول من على يمينها ومن على يسارها، بحذق ومهارة، مجموعة من الأوراق. 
"خذ. هذه هي. لاتغب عنا كثيرًا"، قال البواب وغمز لجوفاني 
خرج جوفاني دون أن يردّ تحيّته. دخل الى مكتب سباتسياني بكل طلاقة كمن يتحرك في بيته. "مرحبا دكتور سباتسياني". "أهلاً جوفاني. كيف حالك؟"، قال رئيس المكتب ونهض. 
27 

"سأزعجلك لحظة فقط بخصوص ماريو... كما تعلم..." 
" ابنك؟ المحاسب، أليس كذلك؟"، قال الرئيس وهو يصافحه. 
"أريد أن يتقدّم إلى المسابقة. هذا هو الإعلان"، قال جوفاني وهو يجلس. أما الدكتور سباتسيانى فقد اضمحلت كتفاه وذهب على أطراف قدميه ليغلق الباب. 
"حسنا. لنر ماذا نستطيع أن نفعل"، قال الدكتور وهو يعود نحو مكتبه: "أعطني الأوراق، دعني أرى". 
مدّ جوفاني يده بالأوراق فتناولها الرئيس وتصفحها بسرعة. سهلة كما تتصوّرها"، قال الرئيس بأسى. 
"يجب أن يأخذوه... بعل ثلاثين سنة وأنا أهلك هنا"، قال قيفالدي بنبرة تهديد. 
"اسمع يا جوفاني"، قال الرئيس بنبرة أبوية: "الجميع سواء أمام القانون. أبناؤنا أمام القانون سواء كأبناء سائق التكسي أو عامل البناء. ماذا نستطيع أن نفعل. القانون هكذا"، قال سباتسياني بأسى متزايد. 
"هذا ظلم"، أجاب جوفانى غاضبا: 11 لا بدّ أن هنالك طريقة لانضمن لماريو وظيفة هنا. الوزارة مدينة لي بثلاثين سنة من العرق والجهد بذلته بثمن بخس" 
"الوزارة؟"، قال الدكتور مندهشا: "أي وزارة ووزارة؟ ومن هى هذه الوزارة؟ اسمعني. أنت تعلم أني عاملتك جيدًا وأنا أعرفك منذ زمن طويل، أليس كذلك؟" 
28 

الامتحان عبارة عن فحصين، فحص تحريري وفحص شفوي. لأقل لك بكل وضوح، في الفحص الشفوي نحن ندبر الأمر ولكن يجب على ابنك أن يدبر أمر نفسه بنفسه في الفحص التحريري. اذا نجح في الفحص التحريري فقد سار ثلثي الطريق". "وإن لم ينجح؟"، سأل الأب العجوز وقد اتسعت عيناه. "يجب أن ينجح"، أصدر الرئيس حكمه، أمّا جوفاني فقد أحسن بلحمه ينفصل عن عظمه ويتهاوى على الكرسي. "هل تفهم يا جوفاني. الأوراق توضع في ظروف مغلقة ومختومة ولا يكتب عليها أي شيء. لن يكتب عليها المحاسب فيفالدي! لا تفتح الظروف التي تحتوي على أسماء المتسابقين إلا بعد وضع نتيجة الامتحان"، حاول الرئيس إقناعه. "إذن لا يمكن عمل أي شيء؟"، سأل جوفاني بأسى: "إما أن ينجح بالامتحان التحريري أو يخسر كل شيء. اثنا عشر ألف متسابق كثيرون. 
هذا صعب". 
"هذا ليس كل شيء يا عزيزي جوفاني. بين اثني عشر ألف متسابق يوجد خرّيجون جامعيّون يحاولون الحصول على وظيفة من الفئة (ب) ثم يتقدمون إلى مسابقة داخلية ويترفعون الى الفئة (أ). هل فهمت الآن؟ هؤلاء أقوياء في الكتابة فكلهم تقريبًا محامون". 
رأى جوفاني الغرفة تدور به بسرعة ثم شعر بالعرق يغطي جسمه واصفر وجهه. 
انتبه الدكتور سباتسياني لوهن مرؤوسه فاقترب منه ليواسيه. لكن جوفاني استعاد رباطة جأشه فورًا. 
"ساعدني يا سباتسياني. بعمري لم أطلب منك شيئا، بعد ثلاث وعشرين سنة من المعرفة. لكن الآن يجب أن تعمل شيئا من أجلي ومن 
29 

أجل ابني الذي رأيته عند مولده". أشعل الدكتور سباتسياني سيكارة وهو يفكر. هرّ رأسه مرّتين أو ثلاثة ونظر الى جوفاني مطوّلاً أكثر من مرّة. كان جوفاني ينحني إلى الأمام دون أن يشعر حتى أصبح على حافة الكرسي. وبينما كان على وشك السقوط قال له رئيس المكتب بصوت خافت وقد تغيّرت ملامحه بعد أن اتخذ هيئة صارمة: "يمكننا القيام بمحاولة... لكن المسألة بيدك". "كيف؟"، سأل جوفاني وقد أرخى أذنيه. "هل سمعت عن الماسونيّة؟"، سأله رئيسه وقد علت عينيه مسحة من التصوّف. "هكذا... بشكل عام"، أجاب جوفاني. "حسنا، عليك أن تصبح ماسونيا"، أمره رئيس المكتب. "وكيف؟"، سأله جوفاني وقد غمره الأمل وعاد الاحمرار إلى وجنتيه. "ساعلمك أنا. خذ. خذ هذه"، ثم أخرج من ذرج مقفول فتحه، ثلاثة أو أربعة كتب صغيرة الحجم أغلفتها زرقاء بهتت أطرافها، طبعات قديمة صدرت بعد الحرب بقليل. "اقرأ هذه الكتيبات بعناية ثم نتحدث في الموضوع بعدئذ. أوصيك بالكتمان. اقرأها ثم أعدها لي ولا تدع أحدًا آخر يلمسها.. وإلا طار كل شيء!" نهض الدكتور سباتسياني من مكانه واقترب من مرؤوسه حتى كاد يعانقه وفتح جاكيته ووضع الكتيبات تحت إبطه التي تنضح بالعرق ثم رافقه حتى الباب: "سنلتقي غدًا. أحضر هذه الأشياء معك". "طبعا، طبعا"، قال الموظف وهو يخرج منذهلاً. عندما غادر جوفاني المكتب وركب سيارته ظن لوهلة أن عمره 
30 

عشرون سنة. كان يشعر أنه بخير ومفعم بالطاقة. يستطيع كل شخص إن كان في كامل عافيته أن يشعر أنه ابن عشرين سنة. هكذا كان حال جوفاني، لكن هذا الاحساس دام قليلاً. أدخل جوفاني غيار السرعة وانطلق بسيارته دون أن ينظر أمامه بل صوّب نظره إلى ساقين جميلتين لفتاة ترتدي الميني جوب. صفر إطراء لها فقابلته بتأفف وألحقته بشتيمة قذرة فأجابها بشجأة 
عميقة. 
31 

طيلة بعد الظهر لم ير ابنه بل امرأته المتجهمة دائمًا والملتصقة دائمًا بزجاجة الماء الفاتر. "أنت تشربين كثيرًا"، كان جوفاني يقول لأماليا: "ستنفجرين يومًا ما". بقي طوال بعد الظهر جالسا وراء الطاولة الفورميكا في المطبخ يقرأ الكتيبات التي تبغي أن تشرح له بكلمات وجيزة ما هي الماسونيّة. عاد ماريو متأخرا فاستقبله أبوه بركلة على قفاه وبتوبيخ أو توبيخين وبالعديد من النصائح. كانت أول نصيحة أن يمسك كتبه المدرسية وأن يستعيد ما درسه عن المحاسبة وعن القانون حيث أن الوقت يمر سريعا ويحين موعد المسابقة بعد أن أوى ابنه وزوجته إلى فراشيهما عاود الجلوس إلى الطاولة في المطبخ واستمر في قراءة كتيباته. اكتشف متعجبًا أن العديد من الرجال البارزين من الأموات ومن الأحياء ماسونيون. "طوسكانيني؟"، تساءل وقد فغر فاه الذي ازداد اتساغا وشعر بثقل في فكه المتدلي. في تلك الكتيبات قرأ أسماء أبطال ومتآمرين ووطنيين من عهد الثورة والوحدة الإيطالية حتى اقشعر بدنه. كثير الكتيبات التي قرأها دليل "الماسوني المثالي"، وهو يحتوي على تعليمات حول كيف يجب أن يتصرّف الماسوني وكيف يستطيع أن 33 

يعرّف على نفسه "للإخوان". من الحيل المتبعة أن يضع يده بشكل عفوي على صدره عند قلبه أو أن يُدخل إصبعه في كم الشخص الذي يصافحه ويحتوي الكتيب على حيل أخرى يستطيع الماسوني أتباعها حسب درجته في السلّم. عدّد درجات السلّم ثلاث وثلاثون درجة كعدد سني المسيح. قبل أن يصبح المرء ماسونيا يُعتبر جاهلاً. هكذا فهم جوفاني أنه جاهل ! لم يكن يتصوّر أن العالم منقسم الى فئتين: فئة الجهلة وفئة الإخوان. راوده شعور بالنقص. في كتيب آخر قرأ مواضيع تتعلق بالأخوّة والوطنية والإحسان والأمة. أحسن جوفاني بصغره وبصغر مسألة توظيف ابنه ومسابقته، أمام مثل هذه الأمور العظام. قبل هذه التوافه وفوق كل اعتبار، يجب العمل من أجل الأخوة الإنسانية وإنقاذ الأمة وطهارة الروحا في كتيب ثالث قرأ شرخا عن تشكيل المحافل الماسونيّة وعن طقوس استقبال أخ جديد بما فيها من إشارات تاريخية ورمزية. أما الكتيب الرابع فقد أثار اهتمام جوفاني أكثر من سابقيه. يروي الكتيب وقائع حقيقية وشهادات لبعض الماسونيين. قرأ بنهم كيف استطاع بعض الماسونيين أن يُبرزوا في حياتهم المهنية بفضل مساعدة "الإخوان" الذين قد يساعدون "أخيهم" حتى دون علمه. مثلاً أصبح أحدهم وزيرًا والآخر وزيرًا في الإدارة الإقليمية دون أن يعرف أن أحدًا ما في قمّة السلّم الماسوني قد أعدّ له الطريق شيئا فشيئا وباستمرار. من الأسماء المذكورة اسم بنيتو موسوليني الذي خان من ساعده كما جاء في إحدى الحواشي. تحت الكتيّب الأخير كانت مجلة "الكلمات المتقاطعة" التي يشتريها جوفاني كل أسبوع. تصفحها حتى غلبه النعاس. في صباح اليوم التالي مثل جوفاني أمام الدكتور سباتسياني وبيده ظرف. 34 

"هاهي. أعيد إليك هذه الأغراض"، قال جوفاني لرئيسه وهو يعطيه الكتيبات بحذر. 
وضع الدكتور سباتسياني الكتيبات على الطاولة وسأله بنبرة تنم عن الحذر والريبة: 
"والآن، ما رأيلك؟" 
"لا أريد أن أبقى جاهلاً"، قال جوفاني بوضوح وبنبرة صارمة. 
"جيد"، قال الرئيس: "إذن، خذ هذه الكتب الأخرى واقرأها"، قال هذا وانحنى ليفتح الذرج المغلق بالمفتاح ويضع فيه الكتب التي أتى بها جوفاني ويُخرج منه رزمة كتيبات أكبر من الأولى مربوطة بحبل. 
"هذه تحتاج لوقت أطول"، قال له وهو يعطيه إياها: "ستعيدها لي عندما تنتهي من قراءتها". 
"ولكن متى ستقيمون لي طقس القبول"، سأل جوفاني بصوت خجول وشكور. 
أجاب الدكتور بسلطة سماوية: 
"عندما تصبح جاهزا لطلب النور!" 
مرّ الوقت بسرعة كبيرة حتى أن جوفاني أحسن، قبل شهر من الموعد مع القدر، أنه يعيش اللحظات النهائية من حياة بأكملها. أما السيدة أماليا فقد كانت تتنقل من غرفة لأخرى للاستجابة إلى طلبات زوجها وولدها اللذين اكتشفا فجأة أن لهما منزل. السيدة أماليا كانت تشعر بآلام شديدة في قدميها اللتين تراهما تنتفخان يوما بعد يوم حتى قاربتا الانفجار. جوفاني وماريو يقضيان في الدراسة طوال بعض الظهر جالسين وراء 
35 

طاولة المطبخ، هذا من طرف وذلك من الطرف الآخر. كان جوفانى يستعدّ الطقوس دخول الماسونيّة وماريو كان يستعدّ لامتحان المسابقة لدخول الوزارة. عندما كان أحدهما ينتهي من قوله أنه عطشان يبدأ الآخر وكذلك ما إن انتهى جوع الأول حتى بدأ جوع الثاني وبرد الأول وحرّ الثاني وهكذا فيما يتعلق بكل احتياجاتهما، والسيدة أماليا تذرع الدار ذهابًا إيابًا وهي تحمل سندويشة تارة وزجاجة الخمر تارة أو فنجان القهوة تارة أخرى وهي تبرير بصوت منبعث من أحشائها. في فترات الراحة كانت تهوي على مقعد خيزراني وتضع قدميها على كرسي واطى وتعب ليترا من الماء في جوفها وتقرأ مجلة "الأخبار الحقيقية". كانت السيدة أماليا تهتم بالأحداث السيئة التي تجري في العالم ما عداها. هكذا كانت تجد نوعا من المواساة تعطي معنى لحياتها الخامدة والتي - على كل حال - لم تضطرب حتى ذلك الوقت بفعل مصيبة ما. كانت متشككة بطبعها كما كانت تتمتع بنكران الذات بشكل كبير. تعيش تحت وطأة الخوف من مصيبة ما قد تصيبها أو تصيب عائلتها الصغيرة. وكل ساعة تمر دون حدوث أي حدث يعكر حياتها تحسبها فوزا لها. مجلتها المفضلة هي "كرونكا فيرا" (الأخبار الحقيقية) ولكنها تحب أيضا "ستوب" (قف) و"جنته " (ناس) و"نوفيلا 2000" (حكاية 2000). كانت على اقتناع، دون ادراك منها، أن عددًا محدّدًا من المصائب لا بد أن تقع كل أسبوع، لذا كانت تقرأ هذه المجلات وترى أنّ المصائب قد أصابت غيرها من الناس فتتنفس الصعداء لأنها نجت منها هذه المرة أيضا. بينما كان الأب يدرس الأرقام القدسية في التقاليد الفيثاغورثية الماسونية، كان الابن يكتب رؤوس أقلام وملاحظات حول التفسيرات المتعدّدة لمواد الدستور الجمهوري. 
36 

أخيرًا جاء يوم الامتحان، امتحان الأب. كان الموعد في الساعة التاسعة ونصف مساء في قبو أحد المنازل بالقرب من شجيرة اليانسون. 
ارتدى جوفاني البذلة الزرقاء التي يضعها يوم الأحد أو في المناسبات الهامة ثم اختار ربطة عنق غامقة بين الربطات القليلة التي لديه ووضعها بعناية. تأبط رزمة الكتب الماسونيّة بعد أن لفها بجريدة وربطها بخيط متين وهم بالخروج. عند الباب تردّد لحظة ثم أغلق الباب واتجه صوب المرحاض مارًا أمام عيني زوجته المبهمتين. 
أغلق باب الحمّام بالمفتاح وجلس على كرسي المرحاض يفكر. كان يشعر أنه بحاجة أن بيقى منفردًا مع الله لحظة. رسم بيده علامة الصليب وتاب إلى ربه وندم على خطاياه فلم يكن يستطيع أن يُخفي عن نفسه أو أن يُخفي عن ربه أنه قادر على الإدراك والإرادة. فهو يريد أن يدخل إلى المحفل الماسوني وهو يعرف أن الكنيسة سنكفره دون أن تسأله عمّا فعل ودون علم منه أو منها. 
لكن إيمانا مطلقا أعاد له القوّة والأمل وهو الإيمان بأن عين الله أقوى من عين الكنيسة وأنه يرى كل شيء ويعرف الظروف التي أدّت به إلى اتخاذ هذا القرار الذي قد يبدو كفرًا. من ناحية أخرى، المسألة شكليّة لا غير، لأنّ الماسونيّة لم تعد تطلب من مريديها أن يتخلّوا عن الكاثوليكية وعبادة "صانع الكون الأعظم" وتعظيم المثلث وبداخله العين أو الفرجار والزاوية وإلى ما هنالك من الرموز. وكل هذه الرموز في نهاية المطاف ليست إلا جزئيات من الخالق الحقيقي الأوحد: الله، الكاثوليكي، الذي هو نفسه دائمًا. 
37 

أنهى جوفاني دعاءه بتصليبة أخيرة ثم شد حبل المرحاض وفتح الباب ومشى أمام زوجته وهو يُزرّر بنطاله ثم خرج من البيت بالسرعة المعتادة. 
لم يكن المحفل بعيدًا. عشر دقائق بالسيارة ووصل. كان الشارع الذي وصل إليه قصيرًا وخاليا. بحث عن رقم المبنى فوجد منزلاً صغيرًا قديمًا بين عمارتين كبيرتين مازالت كل شققها غير مؤخرة. قرع الجرس كما علّمه الدكتور سباتسياني: ثلاث قرعات أولاً، ثم انتظر خمس ثوان، ثم قرعتين، ثم انتظر عشر ثوان وقرع مرّة أخيرة. فتح الباب بحركة آلية كما بسحر ساحر. دفع جوفاني الباب برفق لكنه لم ير أحدًا. كان الضوء في مدخل الدرج خافتا للغاية فولج يتحشس طريقه. بعد أن صعد درجتين أو ثلاث سمع الباب يُغلق خلفه. في نهاية دهليز معتم فتح باب فبانت حزمة ضوء ارتسمت على ذلك البساط المشع وعليه مشى جوفاني على أطراف أصابعه وقد اضمحلت نفسه لشدة خجله. برز أمامه وجه الدكتور سباتسياني العابس. "ماذا تريد أيها الجاهل؟"، سأله بصوت يحمل التهديد والوعيد. "النور"، قال جوفاني بصوت متأرجح بين الحماس والتردّد. "إذن، ادخل ا"، أجاب الدكتور سباتسياني وانتحى جانبا وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة كابتسامة من ارتكب ذنبًا. دخل جوفاني المحفل وهو يظن أنه في مكان مقدّس لكنه وجد نفسه في مكتب هرى لصاحب شركة شحن متواضعة. أجلسه سباتسياني خلف طاولة المكتب وناوله قلما ونموذجا كي يملأه ثم خرج وأغلق عليه الباب بالمفتاح. كتب جوفاني بيد مرتعشة المعلومات المطلوبة عادة: الاسم والكنية 
38 

ومكان الولادة وتاريخها والدرجة العلمية والأمراض والعلامات الفارقة والدين. على الصفحة الثانية أسئلة أجاب عليها جوفاني بصعوبة: ماذا تعني "الحرية" بالنسبة له، ماذا تعني "الأخوّة"، ما هو دور الإنسان في العالم، ما هي الأسباب التي تدعوه لطلب "النور"؟ أجاب جوفاني على الأسئلة معتمدًا على القليل الذي تعلّمه من قراءة الأدبيات الماسونية ومعتمدًا على حدسه وهو حدس انسان شريف عادي. على كل حال، كان هناك في أسفل الصفحة حاشية ذكر فيها أنه يمكن تعديل الأجوبة عند إقامة شعائر القبول. بعد أن كتب جوفاني الصفحتين قرأهما بتمعن لئلا يكون قد ارتكب خطاً نحويًا أو قواعديًا. بعد أن تحقق من صحة ما كتبه وتحقق من وضع النقاط على الحروف بشكل صحيح وضع القلم على الطاولة وانتظر. عندما عاد الدكتور سباتسياني إلى الغرفة بدا لجوفاني كأنه الموت بعينه فقد كان يحمل سيفا بيد وعصابة سوداء باليد الأخرى وقد وضع حول رقبته طوقا من القماش ثلاثي الألوان تدلّت منه قطعة من الحديد وُضعت في صدرية سوداء، كالمسدس في الغمد، عليها رسم لجمجمة تصرّ على أسنانها. التقط الدكتور سباتسياني الورقة وغرزها بحد السيف دون أن ينبث بنت شفة وكأنه في غيبوبة روحيّة، ثم دار حول الجاهل وعضب عينيه بالعصابة السوداء. "تعال معي أيها الجاهل"، أمره باحتقار. خرج الاثنان من المكتب ومشيا في دهليز طويل. كان جوفاني يسير خلف رئيسه وقد وضع يده على كتفه وهويكاد يختنق من الفراغ الناجم عن حلكة الظلام. عندما وصلا أمام باب مغلق دق سباتسياني الباب ثلاث مرات. 
39 

جاء صوت من الداخل: "من بالباب؟" "جاهل يطلب النور"، أجاب سباتسياني بملء فمه. "إلى السلاح"، شمع صوت يقول: "يدخل علينا رجل مجهول الهوية"، ثم سمعت قعقعة السيوف وهي تُجرّد من أغمدتها. فتح الباب واقتيد جوفاني داخل المعبد. في الداخل كان نحو أربعين رجلاً والأقنعة تغطي رؤوسهم ويرتدي الواحد منهم صدرية مربوطة عند الخصر وبيده سيف. كانوا واقفين بمحاذاة ثلاثة من جدران غرفة واسعة تأكلها الرطوبة. عند الحائط الرابع وضع ما يشبه المذبح عليه شمعدان ذو سبعة أذرع ونسخة من العهد القديم مفتوحة وعليها فرجار يعلوه الصدأ. كان الثالث والثلاثون، أي الرئيس، يقف على قمة سرادق خشبي وبين يديه كتاب الطقوس. مَدّ سباتسياني السيف والورقة التي عبأها جوفاني معلقة بحده. أمر الثالث والثلاثون أحد رعاياه، وهو الحارس الأول، أن يتأكد من شدّ عصابة الجاهل حول رأسه. تقدّم رجل قصير القامة أعرج واقترب من جوفاني وتفحص عقدة الرباط المشدود على عينيه. "كل شيء على ما يُرام"، قال الحارس الأول لصاحب الغبطة. بعد عدّة مقدّمات متعارف عليها، بدأ صاحب الغبطة الثالث والثلاثون يقرأ ويعدّد قوانين الماسونيّة الصارمة: الأخوّة، التواطؤ، حب الوطن، الواجبات، الحقوق، الأحكام الشديدة على الخونة. بعد هذا الدرس الطويل الذي قرأه الرئيس بنفس السرعة التي يقرأ فيها الخوري كتاب الصلوات، بدأ الفصل الثاني من المراسيم: الإجابة على الأسئلة الماسونية. "ماذا تعني الحرية بالنسبة لك؟"، سأل صاحب الغبطة جو قائي 
40 

لم يفهم جوفاني أن السؤال كان موجها له فبقي صامتا. كان يقف "فيفالدي جوفاني"، صرخ الثالث والثلاثون غاضبًا: "ماذا تعني الحرية بالنسبة لك؟" انتفض جوفاني وأجاب بما خطر له من كلمات قالها متلعثما كما لو "الحرية، نعم، الحرية بالنسبة لي هي أن أفعل ما أريد. أن أكون حرًا. الحرية، الحرية هي حرية الصحافة وحرية الفكر وكذلك... ماذا أقول؟ الحرية شيء جميل ولكن للأسف الحرية اليوم زائدة عن حدّها!" قاطعه الثالث والثلاثون: "وما هي الأخوّة بالنسبة لك؟" 
لر * تحت قي . 
"الأخوّة"، قال جوفاني: "هي حب الآخرين وهي الاحترام وكرم المشاعر وهي... " قاطعه صاحب الغبطة مرّة ثانية: "ماذا يجب عليك أن تقدّم لنفسك وماذا يجب عليك أن تقدّم للأمة؟" "لا يجب أن أعطي شيئا لنفسي"، أجاب جوفاني بثقة: "يجب أن أقدم كل شيء إلى أمتي، إلى بلادي، إلى وطني، حياتي كلّها وكل ما أقوم به هو للمصلحة المشتركة لشعبي.... قبل نفسي تأتي إيطاليا..." كاد الحضور أن يصفقوا لجوفاني. تأثر صاحب الغبطة والماسونيّون الآخرون لكلماته ونظروا عبر ثقوب أقنعتهم السوداء نحو الدكتور سباتسياني بنظرات تنم عن الرضى والتهنئة. "هل تعلم أيها الجاهل كم اختبارًا صعبا يجب أن تتجاوزه كي تصل إلى النور؟"، سأل صاحب الغبطة جوفاني. "أنا على استعداد لمواجهة أي اختبار"، أجاب جوفاني بشجاعة وكبرياء. 
41 

"الاختبارات ثلاثة"، قال الرئيس بلهجة روتينية: "اختبار النار واختبار الدم واختبار الموت. هل أنت على استعداد لخوضها؟" "أنا مستعد جسدًا وروخا"، أجاب جوفاني وقد تذكر الإجابة الصحيحة التي قرأها قبل أيام في تلك الكتيبات. "إذن، فلنباشر!"، أمر صاحب الغبطة موجها كلامه للحارس الثاني. اقترب الحارس الثاني من جوفاني وهمس في أذنه بلكنة تنم بوضوح أنه من أهل روما: "لا تخف ... المسألة رمزية فقط". أخرج من جيبه قداحة وبعد ثلاث محاولات باءت بالفشل استطاع أن يشعلها وقرّب اللهب من جوفاني وأطفأها بسرعة. لم يشعر جوفاني بأي شيء. "يا صاحب الغبطة الثالث والثلاثين"، قال الحارس الثاني مخاطبا الرئيس: "لقد تجاوز المريد الاختبار الأول بامتياز". "فلنباشر الاختبار الثاني"، أمر الثالث والثلاثون من فوق شرادقه. وضع الحارس الثاني رأس السيف على بطن جوفاني ودفعه دفعة خفيفة. لم يتحرك جوفاني قيد أنملة. "يا صاحب الغبطة الثالث والثلاثين"، قال الحارس الثاني: "لقد تجاوز المريد الاختبار الثاني بامتياز". "فلنباشر بالاختبار الثالث". الاختبار الثالث هو اختبار الموت. على جوفاني أن يثبت استعداده للتضحية بنفسه إذا طلبت منه السلطات الماسونيّة ذلك. وحيث أن الشعائر رمزية فعوضا عن أن يشرب سمًا مقرفا وقاتلاً كان عليه أن يشرب كأشا من الكونياك. 
42 

وفعلاً صب الحارس الثاني قليلاً من الكونياك في كأس صغير وضعه 
"اشرب !"، أمره بحزم. 
شرب جوفاني ما في الكأس جرعة واحدة. 
"يا صاحب الغبطة الثالث والثلاثين"، قال الحارس الثاني: "لقد تجاوز المريد الاختبار الأخير أيضا بامتياز". 
بدأ الفصل الثالث والأخير من المراسيم. أثنى المعلم الكبير على شجاعة الأخ المريد ثم بدأ يتلو وصاياه الأبوية ويعيد المرّة تلو الأخرى أنّ الأخ الماسوني أهم من الأخ ابن الأب والأم وأن كل شيء يطلبه حق له وعلى الأخ الماسوني أن يلبي له طلبه، والى آخره من هذا الكلام. 
فكر جوفاني بابنه وبمستقبل عمله في الوزارة وكذلك بمراسم قبوله في المحفل الماسوني ! لم لا؟ إنه محاسب، إنسان مثقف، شاطر، درس كثيرًا. بالتأكيد لو كان الآن مكانه لقام بدوره خير قيام. 
"كل شيء يُعطى للأخ الماسوني وكل شيء يُطلب منه"، ولكن ماذا يستطيع أن يقدّم جوفاني؟ لا شيء. لكنه يريد أن يطلب الكثير. ولماذا اختاروه هو بالذات كي يحظى بهذا الشرف الكبير وهو الذي لا يستطيع أن يقدّم شيئا للإخوان بل يطلب منهم الكثير؟ غدا الدكتور سباتسياني في قلب جوفاني صديقا مخلضا، واحدًا من أولئك الأصدقاء المخلصين الذين تلجأ إليهم عند الشدائد فيمنحونك صداقتهم العميقة دون مقابل. 
أدرك جوفاني فجأة أنه احتفظ لسنوات طويلة بجوهرة فريدة وليس بصديق فحسب وإنما بمرجع أكيد وحقيقة ثابتة. 
"يجب أن أقدم له هدية فاخرة... أو لزوجته... مثلاً صندوق مشروبات"، فكر جوفاني بينما كان المعلم الكبير يأمره بتقبيل العهد القديم وأن يقسم يمين الولاء الكامل للماسونية. 
43 

قدّم له الحارس الأول الكتاب المقدّس فقبله جوفاني. ثم نهض المعلم الكبير واقفا وقرأ عليه نص القسم. أعاد جوفاني ما تلي عليه كلمة كلمة وهو يرجف لانفعاله. "أقسم أن أكون وفيا للماسونيّة العالمية حسب الشعائر الاسكوتلندية العتيقة المقبولة". "فلتطفأ الأضواء"، أمر صاحب الغبطة. ذهب الحارس الأول نحو زر القاطع وعم الظلام الغرفة. لم يبق سوى شمعة مشتعلة في ركن من الأركان منحنية كالشخاذ. اقترب الحارس الثاني من جوفاني وأزال العصابة عن عينيه. لم يتغير المشهد أمام ناظري جوفاني فقد رأى ما كان يراه وعيناه مغمضتان أي ظلاما أسود تتفجر فيه ألوان قاتمة. " ما زلت تستطيع أن تتراجع. هل مازلت تريد النور؟ انتبه، فلن تستطيع التراجع بعد ذلك!"، نبهه الثالث والثلاثون بصوت جنائزي. "أريد النور"، قال جوفاني بقوة. أشعل الضوء فجأة فشعر جوفاني أنه في فخ من حوله أناس مقنعون، بأيديهم السيوف وعلى صدورهم المرائيل وصاحب الغبطة المعلم الكبير الثالث والثلاثون واقف في سرادقه العالي وعلى رأسه القناع وعلى الجدران كتابات باليونانية واللاتينية، وصانع الكون الأعظم بعينه المضيئة في المثلث مواجه للسرادق المجلّل بستار أحمر وأسود. بدا له كل شيء كالحلم، كحلم غريب مضطرب. أدار ناظريه بحثًا عن الدكتور سباتسياني دون أن يدرك ذلك لكنه لم يستطع أن يعثر عليه فهو واحد من أولئك المقنعين، إنه بينهم ولعله في آخر القاعة وراء الآخرين وعلى رأسه قناع أسود. حذره المعلم الكبير مرّة أخرى أنه مازال يستطيع أن يتراجع إن شاء 
44 

وإلا فلن يكون بمقدوره التراجع بعد ذلك. تريث جوفاني برهة. لم يتردّد ولكنه أحس بضيق في صدره فلم يستطع أن ينبث ببنت شفة. 
أخيرًا استطاع أن يحرّك شفتيه فخرجت الكلمات من فمه بقوتها الكامنة. 
11 الة 
ريد النور". 
عند ذلك خلع الحاضرون الأقنعة عرن وجوههم فبانت أشكالها المختلفة، فهاهم من كل الأعمار وكل المقاييس وكل الأحجام. 
إحمر وجه جوفاني ونظر، كما تنظر الدجاجة، بعير واحدة ثم بالأخرى إلى تلك الأشكال من خلال بريق بؤبؤي عينيه اللتين عادتا إلى الواقع. 
"طونيا"، هتف جوفاني وكادت عيناه تدمعان عندما تعرّف على بوّاب مكتبه بين الحضور، 
"طوني. هذا أنت... كم أنا سعيد بلك"، وذهب يعانقه، ثم: 
"جوفانيتي... وأنت ايضا؟ و برويتي * * * وروشي... وأركاري... أنتم 
كلكم هنا!" اقترب منه أحد الزملاء وقتله وقال له: "انظر، انظر يا أخي من هنا، خمن ا" 
تقدّم ماريانيني الموظف المثقف الذي يحمل صحيفة "تمبو" تحت إبطه. 
"ماريانيني... حضرتك أيضا هنا... كل الطابق الرابع هنا!" يوجد كلفة بين الأخوة خاطبني باسمي، خوز به". 
"نجوزيه"، قال جوفاني في سرّه وكاد أن يُغمى عليه. 
45 

قرع الثالث والثلاثون جرسه بقوّة وأمر بالهدوء، ثم أمر جوفاني بأن يستلقي على الأرض إجلالاً له. انبطح جوفاني على الأرض بهمة الشباب وقبّلها ثلاث مرّات. ثم قام على ركبتيه فاقترب منه الدكتور سباتسياني: "الآن أنت في الدرجة الأولى وأتمنى لك ترقية سريعة"، قال له أصدق أصدقائه. "شكرًا، شكرًا، شكرًا"، ردّد جوفاني وقد علا صوت أنفاسه. نزل المعلم الكبير من منبره ووضع سيفه الثمين على رأس الماسوني الجديد ثم على كتفيه وسمّاه أخا في المحفل الماسوني القائم بالشعائر الأسكوتلندية الذي يحمل اسم الرائع الماجد الجليل أرتورو طوسكانيني. "طوسكانيني..." ردّد جوفاني وهو يغني في نفسه مقطعا من أوبريت "ترافياتا" دون أن يتذكر كلماتها. قبل رفع الجلسة مرّ "المتصدّق الأعظم" بين الحضور ليجمع صدقاتهم. يجب على كل واحد منهم أن يضع يده داخل الكيس المخملي الأسود الذي يحمله "المتصدّق" ولكنهم ليسوا مجبرين على أن يضعوا فيه النقود. نهض جوفاني ووضع يده في جيبه وتحسس بأنامله النقود وعدّ منها خمسة وثلاثين ليرًا أمسكها بقبضته وعندما توقف المتصدق أمامه أدخل يده في الجوف الأسود وترك صدقته فيه. وصل كيس الصدقة إلى نهاية مطافه تحت ناظري الثالث والثلاثين. أفرغ المعلم الكبير الكيس وعدّ النقود بصوت عال. في ذلك المساء جمع المحفل ثلاثة آلاف ومئة وخمسة وعشرين ليرًا وتذكرة ترام وحفنة تبغ. نظر المعلم الكبير إلى المجتمعين نظرة غاضبة ولم يقل شيئا. نظر الإخوان بعضهم إلى بعض يعاتب الواحد منهم أخيه بنظره. 46 

ثم أمر المعلم الكبير بإشارة صارمة لكنها أخوية أن يقوم الخطيب بخطابه للترحيب بالأخ الجديد. "الماسونيّة كالمسيحية"، قال فجأة رجل قصير القامة ذو نظارتين على عينيه وقد قام واقفا ووضع يده في جيبه: "عقيدة عالمية تروم خير البشرية. لقد فقدت المسيحية عبر العصور صفاءها الأصيل كما كان في الأفكار والفضائل الإنجيلية. أما الماسونية فهي لا تزال سائرة على الدرب الأصيل تقوم بالفضائل والحريات من خلال الحياة الدؤوبة للأخوّة. تمتاز عقيدتها بأفكار فلسفية وقيم معنوية عالية تكاثفت بعد صعود النزعة الإنسانية وثبوت الأفكار المدنية كأفكار دانتي التي تتحقق بالتآخي التلقائي وتحيا اليوم بلقاء الأخوّة بين الرجال "ذوي الأخلاق الحميدة" ولها دور روحي واجتماعي إذ تتكاتف قوة المعرفة مع الخير الأخوي فيولد من تكاتفهما قوة معنوية تؤثر تأثيرًا كبيرًا في تقدم الحياة الاجتماعية والسياسة العالمية وذلك بفعل التجاذب الذي استخلص منه سبنسر قواعد نظامه الفلسفي: التطوّر". كان الجميع يستمع وقد طالت أعناقهم كأنما غلقت بحبل مُعلّق بالسقف. "في الماسونية كل شعور بالضعف حين وكل تجر جريمة، فهي ترفض العنف ولا تقبل بالفوضى لأنها تؤيد القانون وتبغي العدل وتتطلع القانون الاشتراعي كمركز ثابت هندسيا تزداد عنده الزاوية أو تتناقص لحساب المساحة المرادة زيادة أو نقصانا مشيرًا بذلك إلى أنّ المساواة تعني تطبيقا متوازيًا لأداة المساواة أي القانون وليست "خليطا معجونا بما هب ودب" بالمعنى المطلق حيث أنه يجب ضمان توازن الأداة الاشتراعية بشكل متساو عند تطبيقها على ما قل كما يجري على ما كثر. عن معناها في الشيوعية: لكل فرد واجباته وحقوقه لما يملك فالحقوق 
47 

والواجبات عندما تتلاءم في معاييرها الطبيعية تؤدي إلى التقدّم الجمعي. المساواة ليست قيمة مطلقة وتصيب الماسونيّة كما تصيب الكنيسة الكاثوليكية إذ تؤمن بوحدانية الفرد". كان الحضور يستمعون للخطيب كما يستمع المؤمنون للخوري في الكنيسة. كانوا يسمّون ذلك الرجل الصغير ذا النظارات "الأستاذ" فهو المثقف، يرتدي القميص ولا يضع العيدان في قبته وكوعي كمي سترته مهتران وشعره الناعم يبدو لزجا على جبهته. في الماسونيّة، كما في كل بيئة، رجال أذكياء ذوو ثقافة عالية لكنهم غير قادرين على تناول المسائل العملية فتراهم دائمًا في الصف الثاني وعلى وجوههم سمات المرائين الذين يتمشخون بأذيال أسيادهم وهم بعيدون عن ذلك في حقيقة أمرهم، وكثيرًا ما تنبعث منهم روائح كريهة كما لو أنّ الماء بالنسبة لهم شيء منحط ككل شيء في الحياة الدنيا. رجل كهذا قرأ كثيرًا ويعرف اللاتينية وقد يعرف اليونانية كذلك ويفهم الفلسفة وأشياء أخرى كثيرة لا يفهمها إلا القلائل، كان الجميع يحسده ولكن لا يريد أحد أن يكون مكانه. كانوا يسمعونه بانتباه واجب ويحاولون متابعة كلامه المعقد دون أن ينظروا إليه فهم في الواقع قد جعلوا منه مكبر صوت ينبعث الصوت منه عن طريق صمامات وأسلاك كهربية معقدة ومن الأفضل التعامل معه بحذر فقد يؤذي لمسه إلى صدمة كهربائية. "أفلاطون"، انفجر الأستاذ بعد أن شرب نصف كوب ماء: "أفلاطون الذي كان مهتمًا بمصير الجنس البشري يقول في "نظرية الدولة" إن البشر سيعيشون سعداء لو حكمتهم الفلاسفة أو أناس على اطلاع على الفلسفة. وقد أشار في مضمون كلامه إلى مخاطر "التجريبية". لم يكن لأفلاطون بالطبع أن يتتبّاً بكل تطوراتها المأساوية وها هو الوباء يصل إلينا مع كل العقائد المبهمة التي تشكل عدوانا على العقل والمنطق 48 

وعلى التقدّم البشري وعلى الحكمة التي هي أساس الفكر الماسوني. لهذا نحن نمقت ضناع النظريات الوهمية الذين يحفرون الوطن ويعدون الرعاع بوعود لا يمكن تحقيقها فيشوّشون أفكارهم". هنا أشار الخطيب يسبّابته نحو جوفاني مُحَذرًا: "أيها الأخ، اقترب منتصف الليل وعند منتصف النهار بدأنا العمل..." نظر جوفاني تلقائيا إلى الساعة لكن الحضور ابتسموا باحتقار تفاوتت درجته من واحد لآخر، ثم همس له أحدهم من خلفه: "هذا رمز ليس إلا..." تذكر جوفاني حكاية "منتصف الليل ومنتصف النهار" التي قرأ عنها في أحد كتيبات الدكتور سباتسياني فاحمر وجهه. أما الخطيب فعلى الرغم من رفعته المعنوية فقد أبدى تسامخا كبيرًا وارتسمت على شفتيه ابتسامة لطيفة ثم تابع خطبته. "أيها الأخ: عمرك الآن ثلاث سنوات، ثلاث سنوات ماسونية. أنت الآن في الدرجة الأولى، درجة العمّارين الأحرار ونحن اليوم نستقبلك كما تستقبل العائلة الحنون المولود الجديد. والأمنية الوحيدة التي نتمناها لك هو أن تترقى في مسيرتك الماسونيّة، والنصيحة الوحيدة التي نقدّمها لك هي أن تقوم بواجبات الأخوّة. الماسونيّة نور غير ملموس وإذ يشع من الشيء الذي تنظر إليه يبدو لك أكثر جمالاً ويجعل من الحقيقة أكثر كمالاً نظرًا لوجود عامل إضافي فيه هو الفضيلة". شمع في القاعة دوي تصفيق غريب فقد كان الماسونيّون يصفقون براحات أيديهم دون أن تلتقي أصابعهم. كان جوفاني قد قرأ هذا أيضا لكنه لم يتذكره. أعلن الثالث والثلاثون الجليل عن رفع الجلسة وبدأ الجميع بخلع 49 

المراييل وباقي العدّة. أحسن جوفاني التصوّف وتلقى التهنئة من المعلم الكبير شخصيًا ومن الأستاذ ومن الحرّاس وقد خلعوا جميعهم برّاتهم والكل يناديه يا أخ من هنا ويا أخ من هناك. لقد أصبح جوفاني واحدًا منهم. لقد وارى جهله إلى الأبد. 
لكن كان هناك شيء يزعج روح جوفاني: لماذا لم يفكر سابقا بالانضمام إلى الماسونيّة؟ لو انتبه لما كان يجري حوله لانضم إليها قبل ذلك كباقي الزملاء والإخوان الذين يحيطونه بمحبتهم الآن. 
ثلاث سنوات. عمره ثلاث سنوات الآن وهو في هذا العمر! هل سيستطيع الترقي وقد بدأ متأخر ا؟ من الأفضل أن يدع الأوهام جانبًا. يكفي أنه الآن بين أصدقاء يغمرونه بعطفهم وعلى استعداد لمساعدة ابنه. 
نعم، ماريو، ابنه. راودته أمنية أن يضمّه إلى المحفل ولكن عليه أن يكتسب قليلاً من التجربة قبل ذلك كي يستطيع التحرك بحرية أكبر. 
بعد أن انتهت مراسيم الانضمام جاء دور "عشاء المحبة"، حسب البرنامج: عشاء خفيف عبارة عن صحن معكرونة وكثير من الخمر. بينما كان الماسونيّون يُعدّدون من سيذهب إلى العشاء. اقترب من جوفاني شاب عليه أسمال كأسمال النور وأخذه جانبا مما أثار فضول جوفاني فتبعه. "اسمع يا أخ، أنا آسف لازعاجك. لو لم يكن الأمر هاما لما أزعجتك الآن. أنا رسام ولم أعمل منذ ثلاثة أشهر. زوجتي حامل وجائعة إلى درجة أنها بدأت تأكل أثاث المنزل. هل معك ألف لير؟" أزاح جوفاني نفسه بشكل عفوي وحاول الابتعاد كان أحدًا يناديه، لكن الشاب تعقبه ولم يتركه بل كان يمسك بتلابيبه من هنا ومن هناك بينما كان جوفاني بين زملائه يعانق هذا ويقبل ذلك وكأنه طفل يوم قربانه الأول. 
50 

"مبروك يا فيفالدي. أمنياتي الحارّة. أنا سعيد لوجودك معنا. وابنك؟ كيف حاله؟ ماذا يعمل؟ وكيف حال زوجتك؟ هل هي بخير؟" 
"قل لي"، ما زال الشاب يصرّ وهو ممسك بمرفق جوفاني: "هل ستعطيني الألف لير أم لا؟" 
بدأ الناس بالخروج واجتمعوا أمام المدخل. 
تخلّص جوفاني من النوري بأن شدّ مرفقه ثم انضم إلى الآخرين واقترب من الدكتور سباتسياني: 
"شكرا. شكرًا سباتسياني، شكرًا". 
نسي جوفاني السائل الذي ما زال ملتصقا به كمضاص الدماء ولم يعرف كيف يزن كلماته وهو يشكر الرجل الذي أحسن إليه فقد ودّ أن يقبل يديه لكنه لم يفعل، ووذ أن يعانقه وأن يشدّه إليه ولم يفعل، بل اكتفى بوضع يده على كتفه كي لا يهرب منه. اشتم رائحة كريم الشعر ماركة لينيتي التي تفوح من رأس رئيس المكتب، رائحة الملفات التي تتراكم على طاولته كل يوم، لقد صاحبته تلك الرائحة طوال سنوات عمله المتزنة في الوزارة في مكتب التقاعد. 
كل شيء في ذلك المحفل كان معتادًا بالنسبة له وكأنه أعدّ له خصيضا، كأنه فضل على مقاسه، كأنه وُجد هكذا كي لا يشعر بالغربة. بما في ذلك رائحة كريم الشعر لرئيس المكتب. هنا يستطيع أن يجد مواساة الأصدقاء وقوّة منطقي لا يحيد عن مساره يرمي إلى تصحيح الأفكار وإقامة العدل. 
كان جوفاني يشعر بكل هذه المشاعر ويغمره إحساس عميق بالراحة وبطهارة النفس. 
أصبح الشاب أكثر إلحاخا. أمسك بذراع جوفاني وسحبه بعيدًا. شعر جوفاني بالغضب يجتاحه وارتسم على وجهه خط قطعه نصفين كثنية في قناع من الورق المقوّى أعيد فرده بعد طيه. 
51 

"اسمع أيها الأخ. لقد قلت لك إنني بحاجة الى نقود. أعطني ألف لير"، أمره الشاب بوجه عابس. نظر جوفاني إلى ذلك الشخاذ نظرة متعالية وقال له بنبرة قسيس: "ما عندى". انفجر الشاب صاخبا متراقضا صارخا بأعلى صوته: "لا يريد أن يعطيني ألف لير، أيها الإخوان، أيها الإخوان..." عاد كل الذين خرجوا وتحلّقوا حول جوفاني والشاب. "لقد قلت له إن زوجتي حامل وإنني بدون عمل منذ عدّة أشهر وإنني بحاجة إلى نقود وهو لا يريد أن يعطيني ألف لير طلبتها منه. ما هذا الأخ؟" نظر الثالث والثلاثون والحرّاس والمتصدّق والخطيب والدكتور سباتسياني نظرة غير معبرة وساد هدوء يحمل في طياته النذير. احمرّ جوفاني احمرار من قد يشتعل بين لحظة وأخرى ولم يخرج من بين شفتيه الملتويتين أي تفس. تابع الشاب دون رحمة: "الاختبار الحقيقي لم يتجاوزه. اختبارات المراسيم كلها رمزية أما هذا الاختبار، اختبار ألف لير حقير فلم يتجاوزه. طبعا من السهل شرب كأس من الكونياك بدلاً من السم ولكن أخانا هذا يصعب عليه مساعدة أخ بحاجة إلى ألف لير". شعر جوفاني بوهن شديد وأخش بالرغبة في خنق هذا المتسوّل القذر الذي فضحه أمام زملائه ورؤسائه. لقد ودّ أن يخنقه أمام الجميع فورًا. "ما عندي"، هذا كل ما استطاع أن يقوله جوفاني وكاد أن يتقياً: "لقد خرجت من البيت بسرعة ونسيت المحفظة. إذا جاء السيد معي إلى البيت فسأمنحه أكثر من ألف لير. سأعطيه ألفي لير". كان الجميع ينطرون إليه دون أن يسمعوا ما يقوله. 
52 

"سأعطيه ألفين وخمسمئة لير بل ثلاثة آلاف"، زاد في المبلغ وسط صمت قاتل. 
ارتمى الشاب على جوفاني فجأة وبسرعة خاطفة أخرج من جيب جاكيته الداخلي المحفظة وأمسك بها جيدًا وعرضها على الحاضرين وهو ينضح سرورا. 
لم يتحرك جوفاني عندما فتشه الشاب بل شعر بتشنج شل حركته فالتصق لحمه ببذلته الجميلة. 
كان في المحفظة ثلاثة آلاف لير. 
"ليست لي. يجب أن أعطيها للميكانيكي غذا صباحا قفد غير لي حارق السيارة. أقسم بالله. ليست لي. والله. صدّقوني". 
انهمرت الدموع من عيني جوفاني وبكى بحرقة. رمى له أحدهم المحفظة بما فيها وغادر الماسونيّون وعلى رأسهم الشاب المقدام المحفل 
كينسجمعسحا . التقط جوفاني المحفظة ووضعها في جيبه ونظر حواليه فما رأى لديسوك ضباب مبهم تسكنه أشباح غامضة. اقترب منه الدكتور سباتسياني ونظر إليه نظرة عابقة بخيبة الأمل وحذق في عينيه. طأطأ جوفاني رأسه. رفع سباتسياني يده المعطرة برائحة كريم الشعر وهوى بها بكل قوّته على وجه جوفاني. ترنح جوفاني بشدّة وتردّد صدى الصفعة في أرجاء الدرج. 
خرج الدكتور سباتسياني وبعد دقائق خرج جوفاني. 
53 

وعادوا إلى بيوتهم أما أكثرهم فقد تركوا سياراتهم وساروا جماعة نحو 11 م . م ) . حد -- " * و عمر به عشاء المحبة في مطعم متواضع معروف لجودة زيتونه الأسود واللحم المقدّد. جوفاني كان في آخر الركب لا يعرف ما عليه أن يفعل. هل يذهب معهم؟ أو لعل المغامرة الرائعة قد انتهت؟ بينما كان يفكر فيما يعمله ازدادت المسافة بينه وبين الإخوان انساغا. وضع يده في جيبه وأخرج مفاتيح الفيات العتيقة. سار خطوتين باتجاه السيارة فاقترب منه رجل قصير القامة. "في أي طريق تذهب؟"، سأله الأستاذ وقد اقترب منه حتى أن جوفاني رأى نظارته تحت أنفه. "أنا ساكن بالقرب من هنا. ولكن اذا أردتم يا حضرة الأستاذ أستطيع أن أرافقكم إلى منزلكم"، قال جوفاني يحدوه الأمل أن يشفع له الخطيب بأن يشهد على كرمه وهو رجل هام في المحفل، هذا إذا أمكن تصحيح الوضع الذي ال إليه. أي فرصة أحسن من هذه: هما الإثنان وحدهما في السيارة. سيحاول 
جوفاني أن يبدو شهمًا وأن يبرّر خذلانه لأخ محتاج. لابدّ أن الأستاذ سيتفهم موقفه وسيرى بنفسه استعداده لتصحيح غلطته. 
"سأخذه إلى البار وسأصرّ عليه أن يشرب القهوة أو أي شيء آخر. فليشرب كأشا من الكونياك إذا شاء!"، فكر جوفاني وهو يشير بيده للأستاذ أن يركب السيارة. 
55 

"ألا تريد الذهاب إلى عشاء المحبة؟"، سأله الأستاذ بعد أن تعرّف عليه من خلال نظارتيه القذرتين 
"هل يجب أن أذهب؟"، سأل جوفاني: "بعد كل ما حصل؟" 
"طبعا يجب أن تذهب. أنت أخ الآن وتبقى أخا إلى أن تُحال إلى النوم..." 
"أحال إلى النوم"، سأل جوفاني. 
"نعم. أي لا يستطيع أحد استبعادك إلا إذا جرت لك محاكمة نظامية لفصلك". 
تنفس جوفاني الصعداء. 
"لا تهتم بما جرى. الكثيرون بدؤوا حياتهم في الماسونيّة بشكل مضطرب ثم ظهروا فيما بعد كرماء وأوفياء. إذهب. إذهب إلى عشاء المحبة. لا تهتم بي. سأركب الترام قريبًا من هنا. اذهب. لقد نسي الإخوان كل شيء بالتأكيد. عندما يرونك تدخل المطعم سيسعدون برويالك وبقوّة عزيمتلك. هيا اذهب !" ثم 
شعر جوفاني أنه يستعيد قواه ورأى الأستاذ يبتعد ثم يختفي في الظلام. تسلّح بالشجاعة وسار على الطريق الذي سار فيه الماسونيّون. عندما فتح جوفاني باب المطعم كان أصدقاؤه السابقون قد بدؤوا يأخذون أماكنهم حول الطاولة الكبيرة التي أعدّت لهم منذ بعد الظهر. رآه الماسونيّون وكان المرح باديا عليهم فنادوه ودعوه أن يأخذ مكانه بينهم. 
تقدّم جوفاني نحوهم وقد لصقت ذقنه بصدره وجلس على حافة المقعد، ثم عادت إليه حيويته شيئا فشيئا حتى عاد إلى لونه الطبيعي. 
لم يكن يبدو أن أحدًا يريد الحديث عمّا حصل في المحفل لكن جوفاني شعر أنّ عليه أن يقول شيئا. أخيرًا عندما قارب العشاء على نهايته، بعد أن سادت نشوة الخمر، قرّر جوفاني أن يتكلم. 
56 

"اسمحوا لي أن أقاطعكم لحظة..."، قال جوفاني وقد قام واقفا. صمت الحاضرون ونظروا إليه مستفسرين. قبل أن يحرّك لسانه اعتراه شعور بالفراغ كالشعور الذي كان يراوده عندما كان طفلاً يضعونه واقفا فوق الكرسي كي ينشد نشيد عيد الميلاد. أغمض عينيه ثم فتحهما. "أريد أن أعتذر منكم عمّا فعلته. أقسم بالله أنني لن أعود لذلك مرّة أخرى"، قال بصوت مرتجف وقد اضمحل جسمه مجدّدًا وتكوّر كلّه عند مركزه. تأثر الجميع دون استثناء، ثم قام أحدهم وبيده الكأس فارتسمت على وجهه البشوش علائم من يريد الخطابة ولكن عندما استطاع الحديث أخيرًا "عفا الله عمّا مضى". اتفق كل الحاضرين وشاركوه نخبه. صب أحدهم الخمر وملأ كأشا لجوفاني وأعطاه اياها. عضوا على كؤوسهم وشربوا حتى آخر قطرة. لم يستطع جوفاني أن يحيل نظره عن الدكتور سباتسياني الذي كان يبدو متردّدًا. نظر إليه الرئيس مطولاً قبل أن يشرب، لكنه في النهاية شرب. ألصق جوفاني الكأس بفمه وشرب بنهم كأنه رضيع جائع يمسك بثدي 
8 بيو امه. 
"وأنا في هذا العمر!"، قال جوفاني في نفسه. 
57 

بعد بضعة أيام قرع مراسل باب بيت عائلة فيفالدي يحمل رسالة مسجلة مستعجلة ووضل استلام. 
كانت تلك الرسالة التي طال انتظارها، رسالة استدعاء ماريو إلى الامتحان التحريري للمسابقة في نهاية الشهر في مبنى الامتحانات تجاه وزارة المعارف العامة في حي "تراستيفيره". 
كانت تلك الأيام أيام استنفار عام عند عائلة فيفالدي، حتى أنّ السيدة أماليا اضطرّت للخروج من حالة التشكك المريحة التي تعيش فيها وأن تتحرّك في كل أنحاء البيت كدمية مشدودة بزمبرك. أما جوفاني وماريو فكثيرًا ما يبقيان متشنجين ينظر الواحد منهما في عيني الآخر في حالة من الوحشة المستمرّة. 
. لقد عاشوا جميعهم تلك الأيام الأخيرة في حالة من الاضطراب واللهفة والجنون والهذيان الهادى، فالأشياء التي بقيت في موضعها دائمًا والتي أدّت إلى جعل بعض ما يقومون به حركة آلية، تغيرت أحجامها في نظر الأب والابن وبدت لهما في تجسدها الأصيل كما تبدو البشرة الآدمية إذ توضع تحت المجهر، فلم يكونا يدركان أنهما يتحرّكان في غرف البيت بخفة أكبر ولكن برشاقة أقل. عندما يحين المساء كانا يشعران بألم في العمود الفقري وعندما يستلقيان على فراشهما يبقيان خاملين دون حراك يتذؤقان أوجاعهما الجديدة. 
كانا يعرفان أن الدور الذي يقومان به ليس دورهما بل قد يكون أول أدوار قادمة بدأت ترافق حياة العائلة. 
59 

كانت تلك عشية يوم هام، أهم من عشية عيد الميلاد. بعدها ستقرع الأجراس احتفالأ. سيكون أول الاحتفالات ولن يكون آخرها. عند المساء، وهما في سريرهما، كانا يحلمان أحلام اليقظة. لم يكونا يحلمان بمستقبل غني بالنجاح منفتح على كل الإمكانيات، بل كانا يتذكر ان النهار الذي انقضى وكأنه انقضى قبل مئة سنة وليس قبل ساعات فحسب. هكذا وللمرة الأولى عندما كان أفراد عائلة فيفالدي يذهبون إلى النوم كان لديهم ما يكتبونه على وصفحات من كتب مختلفة ومن حين لآخر يتمشى حول الطاولة أو بين الغرف وهو يردّد درسه بصوت عال. أما أماليا فكانت تقطع كل ما يؤكل لتضعه في الشوربة وهي تظن أن عليها أن تغذي ابنها بكل أنواع الفيتامينات والبروتينات. أمّا جوفاني فقد استمرّ في مداومته للمحفل بانتظام دقيق وكان يتلقى كل يوم خبرا صغيرًا مريخا. . كان يجب عليه أن يقوم بشتى الأعمال فكان يمسح أدوات مراسم الماسونية ويكتس الأرض ويضع الشمع على البلاط ويغير الشموع ويلمّع السيوف ويغسل الصداري المقدّسة. بين الحين والآخر كان صاحب المكان، صاحب شركة الشحن، يرسله إلى البنك ليدفع كمبيالية أو يرسله لشراء الطوابع أو السجائر. وكان جوفاني يقضي ساعتين كل مساء وهو يلعق بلسانه عدّة كيلوغرامات من طلب إجازة لمدة أسبوع كي يقشم وقته بين ابنه وأمام باب مكتب الدكتور سباتسياني الذي كان متوقعا أن يحصل على أسئلة الامتحان. غدًا 
60 

ثم غذا وقد يكون غدًا وهكذا. 
وبفضل الطاقة الكامنة في الهمّة الجديدة التي اعترته استطاع جوفاني أن يرفع أوصال الأسلاك الكهربائية للبرّاد فجعله يعمل من جديد كما كان يعمل في سابق عهده. 
في الساعة السادسة والربع من بعد ظهر أحد الأيام رنَّ جرس الهاتف. كان ثلاثتهم في المنزل وفجأة تجمّد الهواء: الهاتف الذي نسيته العائلة بعد شرائه عاد الآن للحياة وها هو يرن رنينه الآلي الخراب. 
تشجّعت أماليا وقبل أن تحرّك قدمها لتخطو باتجاه الهاتف مدّت كل ذراعها أمامها. 
عبرت الحجرة وأمسكت بسماعة الهاتف بنفس العنف الذي تمسك به المكواة. 
الدكتور سباتسيانى يريد جوفانى. 
بعد ثانية كانت أذن الأب قد حلّت محل أذن الأم. 
"الو، دكتور". 
"جوفاني"، قال سباتسياني بصوت مختلف عن صوته المعتاد كما لو كان يختبى خلف صوت أنثوي : "بعد ساعتين، حيث تعلم". 
"حيث أعلم ؟"، سأل جوفاني وقد احمرّ وجهه. 
"نعم، في الورشة"، وأنهى المكالمة. 
أحسن جوفاني أن عليه أن يجلس فورًا فوجد تحت قفاه كرسيا وضعه 
الورشة هي الكلمة التي يستعملها الماسونيّون عندما يريدون الإشارة إلى المحفل.
61 

قضى جوفاني الوقت من الساعة السادسة والنصف حتى الساعة الثامنة وعشر دقائق واقفا دون حراك عند درج المبنى كأنه حارس واقف أمام باب مخزن . في الساعة الثامنة والربع وصل الدكتور سباتسياني ومعه المفاتيح ودخل الاثنان وجوفاني لا يجرو حتى على التنفس. جلس الرئيس وراء مكتب مدير شركة الشحن وعندما استقرّ في مكانه بدأ يستعيد لونه. لعل الجلوس وراء المكتب يعيده إلى نفسه ويعيد إليه هويته. جلس جوفاني كالمعتاد من الطرف الآخر للطاولة، وكالمعتاد أيضا مدّ رقبته إلى الأمام. "حان الوقت"، هتف رئيس المكتب وغمز بعينه اليسرى. فرك جوفاني يديه وضرب الأرض بقدمه ثلاث مرّات كالقرد. "معي هنا نسخة عن المسألة الرياضية"، همس سباتسياني وهو يتلفت حوله. قفز جوفاني يدفعه مغناطيس في معدته وهوى على يد رئيسه يقبلها بجشع لا حدود له . كان يقبلها ويعرق ويتنهد بلهفة متزايدة. استطاع أن يتلفظ بكلمة "شكرا" عشر مرات بين تنهداته وبصاقه وقرقعة لسانه. أما الدكتور سباتسياني فقد تركه يقوم بحركات غوايته تلك وكان يطبق جفنيه بين الحين والآخر وكأنه كاردينال خجول يتقبل احترامات خوري يثق به. وعندما قرّر أخيرًا أن يتخلّص من هذا العذاب كان جوفاني يردّد: "نحن لوحدنا، نحن لوحدنا، شكرا... شكرا..." في النهاية بعد كل دلائل الصداقة المخلصة التي قدّمها جوفاني وبعد 
62 

كل حركات سباتسياني الصامتة الشبيهة بالحب، بقيت على الطاولة ورقة كتب عليها بقلم حبر ناشف نصل المسألة التي سيطرحها بعد يومين رئيس لجنة الامتحانات على صف من أكثر من ألف متقدّم للمسابقة. استمر سباتسياني حوالي ساعتين وهو يوصي جوفاني بالحذر والحيطة حول هذه السطور الأربعة اللاسعة كنار ملتهبة. كتب جوفاني تلك السطور بخط يده على ورقة أخرى ثم أحرقت الورقة الأصلية وألقي رمادها في المرحاض. "أوصيك يا جوفاني. كن حذرًا وإلا قد نسجن. قل لابنك أن يكون حذرًا وألا يأخذ معه شيئا إلى الامتحان وأن يحفظ كل شيء عن ظهر قلب، كل شيء. فإن مسكوه فستقع في بركة من الخراء كلنا وهو أوّلنا". أكد جوفاني لرئيسه حرصه ووعده وعد شرف أن يكون حذرًا فلينم مرتاخا فالسؤ محفوظ وماريو ليس غبيًا وعلى كل حال سيقوم جوفاني نفسه بمراقبة كل شيء كي يجري بأمان وبحيطة بالغة. مرّ جوفاني في طريق عودته إلى منزله ببائع حلويات واشترى ست قطع من المعجنات، وضع اصبعه في الخيط الذي رُبطت به الكرتونة وعاد كان ماريو يعيش على أعصابه التي توترت حتى أصبحت كالأسلاك الشائكة تثقب لحمه. كانت عيناه محمَّرتين بالدم وشفتاه قد تحوّلتا إلى قطعتي فلين. عندما رأى أبيه قفز كالزنبرك وبأربع خطوات أوقفه عند الباب. عانق جوفاني ابنه منفعلاً وراضيًا. فهم ماريو أن الأمر سار على ما يرام وقال في نفسه "ما أعظمك يا أبي". التهم الأب والابن والأم قطع الحلويات وشربوا زجاجة شراب روحي كانت أماليا قد أعدّته قبل أيام، قبل عيد الفصح الأخير، بالكحول والسكر 63 

والماء ومسحوق بطعم اليوسف أفندي اشترته من السمّان. أخيرًا، انبثقت من الجيب الداخلي لسترة رب العائلة ورقة عليها نصل السوال. 
64 

في صباح يوم الامتحان الموعود كان يبدو أن الشمس لا تريد أن تطل في موعدها المحتوم. كان الأب والابن قد استيقظا منذ فترة وكانا واقفين تحت ضوء المصباح الباهت بينما كان حي "توسكولانو" بشوارعه الباردة بيدو كتنكة صدئة مليئة بالرضوض. أطل جوفاني برأسه من النافذة ورأى سيارة اسعاف تنزلق بصمت على المسار المخصص للترام وضوؤها الأزرق يدور بجنون. ثم رآها تبتعد ثم تختفي لكنه تابع بنظره شعاع ضوئها الأزرق وهو يضيء عمارات الحارة وبيوتها الواحد تلو الآخر. رفع جوفاني ناظريه علّه يرى بصيص الضوء عند الفجر ولكنه لم ير في المساحات الفارغة بين العمارات إلا النجوم المضيئة. فجأة أضيفت أربع نوافذ أو خمس، سوية تقريبا، في العمارات المحيطة. فتحت احدى هذه النوافذ وأطل منها رجل يرتدي المنامة ألقى بمرفقيه على عتبة النافذة ونظر إلى السماء كمن يريد انتظار طلوع الفجر. نظر جوفاني إليه لكنه لم يستطع أن يعرف إن كان الآخر ينظر إليه أيضا فقد كان ضوء المصباح العاري خلفه يجعل منه خيالاً كأنه هدف له شكل انسان في حقل للرماية. "لعل له ولد كماريو ولعل ابنه يجب أن يتقدم للامتحان نفسه أو لعلّه رجل متقاعد، من يدري؟" 
65 

بقي جوفاني طويلاً ينظر إلى الرجل في الشباك المقابل وكان الرجل ينظر إليه كذلك ويراه كشبح أو خيال أسود. انطفأت أنوار الشارع فجأة بينما بدأت خيوط الفجر الأولى تلوّن السماء عند "كاستيلي روماني" على الجبال القريبة. دخل الرجلان وأغلقا نافذتيهما. بين رشفة قهوة وأخرى كان ماريو يعيد بصوت عالي حل المسألة. كانت السيدة أماليا منحنية على طاولة المطبخ تضغط بكل قوّتها على المكواة على طول ثنية سروال ابنها والبخار يتصاعد منه بين فينة وأخرى. سأل الأب ابنه: "هل أنت متأكد من نفسك؟" "اطمئن"، أجاب ماريو واستمر يستعيد درسه. وضعت السيدة أماليا البذلتين والقميصين واللباسين والجوارب التي كوتها على الأسرّة ولفت نفسها بوشاح من الصوف وخرجت من البيت. كان جوفاني وماريو يعرفان تماما أين تتجه السيدة أماليا لكنهما لم يقولا شيئا، بل ألقيا نظرة خاطفة على الساعة وكان الوقت ما زال مبكرًا لارتداء ملابسهما. 
انعطفت السيدة أماليا عند زاوية العمارة وقطعت الشارع وسارت مئة متر ثم صعدت أربع درجات ودخلت كنيسة. 
كان هناك رجل عجوز يشعل الشموع عند أقدام القديسين المختبئين في محاريب خفرات في الحيطان قائمين كأنهم مومياوات محنطة في توابيتها. 
وضعت أماليا أصابعها في حوض الماء المقدّس وصلّبت بيدها وركعت ثم ذهبت لتركع في آخر صف من المقاعد أمام الهيكل الأكبر. وبقيت هناك تهمس بسرعة فائقة دزينة من "أبانا الذي في السماوات" 
66 

ونصف دزينة من "السلام يا مريم" ومن "السلام يا سيدة" ومجموعة من الدعوات الأخرى. ترنمت قليلاً، هامسة تارة وتارة بين نفسها، وصلّبت مرة أخرى ثم قامت واختفت في ظل كرسي الاعتراف المعتم. أدخلت يدها تحت وشاحها وأخرجت من صدريتها كيشا صغيرًا من القماش قلبته على راحة يدها فخرجت منه ثلاث حبّات من الملح وثلاث حبّات من القمح وثلاث حبّات من البخور. "يا ملح، يا ملح، يا ملوح أدخل إلى بيتي عناية الرب الشموح، يا بخور، يا بخور يا بخور أدخل إلى بيتي عناية الرب الغفور". بعد أن ردّدت دعاءها وضعت الحبّات في الكيس وشدّت على وثاقه واتجهت نحو حوض الماء المقدس وغمرت فيه الكيس ثلاث مرات ثم خرجت مسرعة من الكنيسة. عندما وصلت إلى بيتها وجدت زوجها وابنها بكامل ملابسهما. "عملي لنا قهوة أخرى..."، أمرها جوفاني. خلعت المرأة وشاحها، وذهبت إلى المطبخ وعبأت أداة القهوة ووضعتها على النار. هم ماريو بالجلوس تحت الساعة عندما رأى أمه تقترب منه وقد بدا عليها الانفعال فلم يجلس بل بقي واقفا أصابته الحيرة. أدرك جوفاني أيضا انفعال زوجته وشعر بغصة في حلقه فلم يتحرّك. عانقت السيدة أماليا ابنها وقبلته وهي على وشك البكاء لكنها استطاعت أن تتمالك نفسها. أزاح جوفاني رأسه وصرّ على أسنانه كي يبلع النشيج الذي يندفع من حلقه. كاد ماريو أن يقول شيئا ما لكن أمه لم تمنحه الفرصة فقد فتحت يدها 
67 

فظهر في راحتها الكيس الصغير ما يزال مبلولاً بالماء المقدّس ووضعته في جيب سترته الداخلية. 
"سيجلب لك حظا سعيدًا". 
لم ينبث ماريو ولا جوفاني بنت شفة، أما أماليا فقد رجعت إلى المطبخ لتُحضر القهوة. كان الرجلان يتبادلان نظرات الودّ لا أثر للأحلام فيها بين قرقعة الفناجين وقعقعة الملاعق عندما سمعا أنين المرأة. 
"ما أطيب أمك"، رق قلب جوفاني عندما قالها وقد تقوّست شفتاه إلى أسفل وارتفع حاجباه حتى كادا أن يختفيا تحت شعره. 
أومأ ماريو برأسه إيجابا دون أن يفقد ضبطه لنفسه. 
أحضرت أماليا القهوة وعادت إلى المطبخ ثم خرجت وبيدها ملعقة يتصاعد منها البخار. 
"يا يسوع يا يوسف يا مريم 
باركوا داري 
يا يسوع يا يوسف يا مريم 
أبعدوا الحسود عن داري". 
وهكذا دارت المرأة في أرجاء البيت تبخره وهي تتمتم دعاءها. 
حانت ساعة الخروج. كان جوفاني قد قرّر منذ الليلة الفائتة أن يذهب مع ماريو إلى مبنى الامتحانات بالترام تفاديا لأية مفاجأة وأن يخرجا في ساعة مبكرة زيادة في الحيطة والحذر. 
"سأدعو الله لك"، كانت هذه آخر كلمات السيدة أماليا. 
"إلى اللقاء يا أمي"، هذا آخر ما قاله ماريو. 
"هيا، هيا"، قال جوفاني مؤكدًا على كلماته. 
68 

انتظر الاثنان الترام مدة ربع ساعة. لم ينطقا بكلمة فقد انغلق كل على نفسه فأصبح الرأس كالقرعة قائمة على عصا مكنسة بدل العمود الفقري. وصل الترام وصعدا وهما يكادان أن يمسك الواحد بيد الآخر. "يوم الأحد سنذهب إلى صيد السمك مارأيك ؟" ظن جوفاني أن سؤاله هذا قد يريح أعصاب ماريو. "طبعا. الأحد ستذهب للصيد"، كأنّ الولد أجاب أبيه: "اطمئن. كل شيء على ما يرام". في تلك الساعة من الصباح كان الترام يسير بسرعة بركابه من العمال الفقراء، جلهم من عمّال البناء ما بين عمّار وفعال. كان الأب والابن جالستين قرب باب النزول، الساق على الساق ويداهما منفردتان على زكيهما. أنعسهما اهتزاز الحافلة الرتيب فكانا بين الفينة والأخرى يرفعان أجفانهما وينزلان مقل أعينهما حتى تعود إلى وضعها الطبيعي. حرّك جوفاني نفسه ونظر خارجا كي يعود إلى يقظته. مرّت أمام ناظريه كتائب من النوافذ المغلقة والمفتوحة وفرق من السيارات المركونة وبعض أشجار بدت متفخمة وحافلات شركة النقل تصر كصرير الدبابات. في أحد المواقف صعد صبي ازدان بألف لون ولون يحمل راديو تنبعث منه الموسيقى وبعد أن أبرز بطاقته للسائق تعلق بإحدى يديه بعلائق سقف الحافلة وبدأ يتحرّك بمؤخرته على إيقاع الموسيقى. ألقى جوفاني نظرة على ولده فرآه متناعشا فتركه في حاله وبدأ يجيل نظره بين المساكين المرتمين على مقاعد الحافلة. كانت حالته النفسية حالة الواثق بنفسه وبمعرفته لأمور الدنيا فكان ينظر إلى أولئك الفقراء نظرة أسى وأسف فلم يكن يستطيع أن يعلّمهم شيئا. أولئك كانوا في حالة لن يؤول إليها لا هو ولا ابنه ماريو. 69 

لقد ماتت فزاعة تلك الحالة يوم حصل ابنه ماريو على شهادة المحاسبة. إنه يستطيع الآن أن ينظر إلى أشباح الخوف من العازة والحاجة في أعينها فهاهي أمامه وقد لبست مسوح أولئك الفقراء وقد طبعت عليها علامات الأعمال الحقيرة التي يقومون بها كأنها الحمّى القرمزية باقية إلى الأبد. كان جوفاني غارقا في أفكاره هذه وهو ينظر إلى ذلك الصبي ذي الألوان المتعدّدة والمؤخرة المتراقصة، ذلك الصبي الأجرب الهمجي الذي لن يصبح محاسبا مهما طال الزمن. نظر حواليه نظرة الواثق المتفتح وقد أدهشه ذلك من نفسه وشرّ به. عندما كان يعيش في خوف من مستقبل أسود داهم، كان منقبض النفس لا يتقبل الواقع ولا يرى من الدنيا شيئا أما الآن فقد حل النور محل الظلام وعم كل شيء حاضرًا ومستقبلاً فهاهو يرى العالم واسعًا رحبا يتسع للدهانين كما يتسع للمحاسبين. عادت إلى ذاكرته - وإن كانت الأفكار تنزلق في خدّر عقله انزلاقا - بعض المفاهيم التي أوردها الأخ الأستاذ: "الفرجار، تألف تقدّم كل الأشياء، نقطة المركز والزاوية المنفرجة أو الحادّة تزداد اتِّساعًا أو تنقص". كان جوفاني على وشك الوصول إلى التقاعد ولم ير في حياته أبدًا محاسبا يعمل دهانا. أما الامتحان – فبعد العياذ بالله من الشيطان الرجيم والنقر على الخشب – فلم يعد يشكل عائقا لمستقبل ابنه. "نهار جميل"، فكر جوفاني بينما كان ينظر إلى سطوح العمارات وقد غمرها الضوء، ثم أنزل ناظريه حيث الغداة المبكرون يمشون في طريقهم المعتاد يحيط بهم صمت كئيب يرافقونه في رحلته نحو مبنى الامتحانات، قد ينحرف أحدهم يمينا أو شمالاً وقد تأتي سيارة ترافق الترام خطوة ثم خطوة. كأنّ العالم كلّه قد استيقظ مبكرًا ليرافقه وماريو: موظفو الوزارات 
70 

وشغيلة الدكاكين، أطيب الناس في هذه الدنيا. عند محطة "ترميني" نزل جوفاني وماريو واتجها نحو المقهى ليشربا فناجئين آخرين من القهوة. سأل جوفاني ابنه: "كيف حاللك؟" "بخير"، أجاب ماريو. "هل يمكن أن يستولي عليك الانفعال فتفقد الذاكرة؟" "لا يا أبي. كل شيء هنا في رأسي كالسلام يا مريم" قال ماريو ذلك وهو يشير بإصبعه إلى رأسه كأنه يريد أن يضعه في 
"أحضرت ستة أقلام... كلها جديدة". 
"هل الساعة معلك؟" 
الا، لا تلزمني". 
خلع جوفاني ساعته وأعطاها لولده دون تردّد. 
"تذكر جيدًا: يحجحسب أن لا تسلم الأوراق مبكرًا أو متأخرا. يحجح بسبب أن لا تُثار حولك الشكوك ". 
هرّ ماريو برأسه وربط الساعة على يده. 
"كم الساعة؟"، سأله أبوه. 
"ما زال الوقت باكرا". 
"من الأفضل أن نذهب مشيًا" 
"ميشيما" 
"المكان ليس بعيدًا والمشي خير لك ثم أن حركة السير في روما لعينة". شربا القهوة وخرجا ولساناهما ما زالا ساخنين وباشرا السير نحو مبنى الامتحانات في شارع "تراستيفره". كانت المدينة تمتلى بالحياة شيئا 
71 

فشيئا والسيارات قد تزاحمت عند تقاطع الطرق. لم يعد لجوفاني وماريو شيئا يقولانه لا لبعضهما ولا لنفسيهما ولعل مردَّ ذلك أن الغاية المنشودة قد ازدادت اقترابا أو أن التوتر قد كاد أن يصل بهما إلى أقصاه. أقدامهما فيقتربان من مبنى الامتحان دون هوادة. نسيا كل ما حولهما وسارا ينطقان باسم الشوارع التي يمرّان بها ثم وكما كانت السيارات ترافقهما عندما كانا في الترام أصبح المشاة يرافقونهما نحو مبنى الامتحانات كالأسماك الصغيرة تتبع الحوت نحو هذا شارع "ناتسيوناله" وهذا شارع "4 نوفمبره" وهذه ساحة - 1 . مة التي هو لا أفينيسيا" ثم ساحة "جيزو" بكنيستها ذات الطراز الباروكي وفيها مقر الحزب الديمقراطي المسيحي وقصر الماسونيّة ومعهد الصم والبكم، ثم 
هذه ساحة "أرجنتينا". "الحذاء يؤلمني"، كان ماريو يقول بين الفينة والأخرى لكن أباه كان يسير إلى الأمام بإمعان. من هناك عبرا إلى ساحة صغيرة مربعة حدث فيها ما حدث. دام الحدث رمشة عين ودهرًا كاملاً في ذات الوقت. لم يكمل ماريو نطق كلمة "ماما" ومات. قبل لحظة أو قبل دهر علت صرخة امرأة من تلك الصرخات التي تمزق الحلق. كان الدم ينهمر من سروال الصبي كالشلال. قتلته عيارات نارية. غرف بعد ذلك أنها كانت طلقات بنادق رشاشة من النوع الذي يستخدمه 
72 

مشاة الجيش. كيف حصل ذلك؟ سطو مسلّح على "مصرف الرهونات" في وضح النهار. في ذلك النهار كان دور ماريو ففقد حياته فيه، عين غطست في بركة من الدم والعين الأخرى مفتوحة ما زالت تنظر إلى الأب. وجد جوفاني نفسه على ركبتيه إلى جانب ابنه المسجّى وقد انقطعت الكهرباء عن عقله وعن كل ما فيه. ثلاثة شباب أطلقوا النار عشوائيا كي يبعدوا الناس ويصلوا إلى سيارة كانت بانتظارهم ومحرّكها مشتعل. لو لم يحاول موظف من موظفي المصرف أن يوقف المجرمين لما قتل ماريو. ولكن من كان يفكر بماريو في تلك اللحظات؟ ارتسم كل شيء ولم يرتسم في عقل جوفاني. شيء لا يُصدّق: إنه لم يسمع أزيز الرصاص. بقيت رائحة الدم عالقة به مدة طويلة ولم يبرحه إحساس باللزوجة كلزوجة العسل بين أصابعه. بقيت صرخة المرأة ترنّ طويلاً في صدغيه، وفي مقلتيه انطبعت صورة واحد من المجرمين الثلاثة سقط عنه الثامه فلم يهتم به وهو يصرخ بزميليه أن يركضا. مات ماريو قبل أن يهوي إلى الأرض وعند سقوطه اصطدمت يده بيدي أبيه فأصابتهما بضربة كضربة قطعة من الخشب. كان جوفاني يعيش مباشرة حادثا إجراميًا كتلك الأحداث التي كان يتحدث عنها مع زملائه في المكتب أو في سريره مع السيدة أماليا. مات ماريو. لم يفهم جوفاني هذا في اللحظات الأولى للمأساة وقد يكون لهذا السبب أنه لم يفهمه أبدًا. كانت ركبتا جوفاني غاطستين في دم ابنه وقد انهالت عليه بسرعة الضوء قذائف إحساسات كونية. 
73 

بعد المأساة، مع مرور الزمن، عاد إيقاع حياة جوفاني إلى ما كان عليه وإن كان بشكل متعب. انتهى العويل وانتهى عدم التصديق لهول ما حصل، انتهت الجنازة وانتهت التعازي وشيئا فشيئا عاد كل شيء إلى مكانه وعادت الأيام تسير على سكنها المحدّدة كما يجب أن تسير. زملاء العمل وإخوة الماسونيّة وآخرون أرسلوا برقيات التعزية لجوفاني وزوجته. وبنفس السرعة التي انتشر فيها الخبر فقد قيمته وغابت صور أفراد عائلة فيفالدي عن صفحات الصحف لتحل محلها بين حين وآخر صور آخرين نزلت عليهم مصيبة من المصائب. بين الحين والآخر كان يُنشر خبر مقتضب عن سير التحقيق في عملية السطو على "مصرف الرهونات". مصائب أخرى حلّت محل مصيبة جوفاني وعائلته. "كان أطيب من أن يعيش في هذه الدنيا"، كان الزملاء يقولون له في كل مرة. "هذا قدر محتوم. تطلع إلى المستقبل". "أي مستقبل؟"، كان جواب جوفاني الصامت. ثم اقتنع هو أيضا أنّ ماريو كان ملاكا، والملائكة لا تستطيع الحياة على هذه الأرض. أراد الله أن يأخذه إلى جانبه وفي ذلك اليوم أرسل يستدعيه. 
75 

لكن غمق اقتناعه هذا لم يكن أقل من ألمه، فقد نشأ حوله فراغ لا حدود له. 
آه، لو كان لديه ولدان عوضا عن ولد واحد لبقي له ولد احتياطي يعوّض، جزئيا على الأقل، عن مصابه ويملأ الصحراء القافلة التي تركه فيها ماريو. 
لقد فات الأوان ولن تستطيع أية معجزة أن تعيد ماريو للحياة. 
"تطلع إلى المستقبلا" 
كان جوفاني لا يرى في المستقبل إلا حادثتين أكيدتين بل مصيبتين نهائيتين: 
موته وموت زوجته، ولا شيء آخر. عندما كان كل شيء يبدو على أحسن ما يرام سقطت الدنيا على رأس جوفاني. هذا حق: الدوائر تدور ولا بد أن تدور بك يوما وتسحقك. لقد مرّت في حياة جوفاني أيام سعد وأيام بوس كما في حياة كل البشر لكنه أحنى رأسه باكرًا وإلى الأبد وفقد ابنه اليافع كالغصن الطري. 
أما أماليا، تلك المرأة المسكينة التي داعب الحلم خيالها للمرة الأولى فقد وقع عليها المصاب وقع الصواعق فأصيبت بجلطة دموية بعد شهر من موت ابنها. منذ ذلك الحين بقيت جالسة بلا حراك، بلا عقل، بلا إحساس، على كرسي الخيزران في الممر في كنفة الظلمة فالضوء يوالمها. 
صحيح أنّ الضغط عندها كان دائمًا مرتفعا قليلاً وصحيح أنها كانت تشرب سوائل كثيرة لكن ما هذها هو موت ماريو. 
فكر جوفاني أنه لا حدود لما هو أسوأ ولعلّها كانت تتألم أقل وهي على هذه الحال عديمة الإحساس. لن يتأخر جوفاني عن القيام بواجبه نحوها فسيطعمها وسيقوم بكل احتياجاتها ويفي بمتطلباتها برعاية وحنان. 
76 

هكذا سارت الأمور بعد المصيبة كما سارت. قام الدكتور سباتسياني والإخوة الماسونيّون بكل ما في وسعهم لمواساة جوفاني فكانوا يدعونه هنا وهناك وحاولوا إيقاظه من خدره بنصائحهم وتوبيخاتهم. "لقد أصبحت تهمل المعاملات يا جوفاني. انتبه فإن بقيت على هذه الحال فسأعود إلى مخاطبتك بصيغة الاحترام"، قال له الدكتور سباتسياني على الهاتف عندما اضطرّ إلى تنبيه جوفاني وقد أهمل عمله. أفاق جوفاني إلى نفسه وعاد إلى القيام بعمله بهمة ونشاط لم تعرفهما الأيام الخالية. كان يعود بسرور إلى المكتب بعد الظهر يتفحص ملفاته ثم يضعها بترتيب على الرفوف وكأنه موظف جديد يتطلع إلى الترقية. ذات يوم بينما كان في مكتبه بعد الظهر جاءته مكالمة هاتفية. 
"السيد فيفالدي؟" 
"نعم"، أجاب جوفاني. 
"أنا تشاي، الرقيب في الأمن العام، تعال إلى مركز الشرطة غذا صباحا الساعة عشرة"، ثم أغلق الهاتف. 
اصفر وجه جوفاني فإن صوت الرقيب الناشف قد جمّد الدم في 
"ماذا يريدون مني؟"، فكر جوفاني. 
لم يحصل أبدًا أن استدعته العدالة قبل ذلك. 
77 

وصل إلى مركز الشرطة في الموعد المحدّد بالضبط كعادته في كل شيء دائمًا. أمروه أن يجلس وينتظر الرقيب تشابي الذي لم يكن موجودًا حين ذالك. أطاع جوفاني الأوامر واتجه إلى مقعد رآه بالقرب من سخان التدفئة. بعد نصف ساعة استسلم للأمر الواقع وفهم أن عليه أن ينتظر طيلة ذلك الصباح على الأقل. اعتدال في جلسته وأخرج من جيبه مجلة "الكلمات المتقاطعة" وبدأ لو كان يعرف سبب استدعائه لهدأت خواطره وانتظر براحة بال. كان ينظر بعين إلى لوحة الكلمات المتقاطعة وبالأخرى يتفحص المكان وقد بدا له مشحونا بشحنة كهربائية عالية على أهبة الانفجار بين لحظة وأخرى، ففي ذلك المكان تلتقي الأضداد، في قاعة الانتظار، في الغرف الواسعة، على الدرج وفي كل مكان، يلتقي الأخيار بالأشرار، الشرطة والمجرمون، حماة النظام ودعاة الفوضى. وكل ما يفرق بينهم بزة خضراء وقبعة خضراء ومسدس في غمد يتدلى من الحزام. كم شرطيًا يلبس لباس المجرمين فى ذلك المكان؟ وهل هناك مجرمون يلبسون زي الشرطة ؟ اقشعر بدن جوفاني لهذا الخاطر وانتفض واقفا. نظر إلى ما حوله وقد انفرجت شفتاه. مرّ أمامه مجرمون يقتادهم رجال الشرطة، ورجال شرطة لهم وجوه 
79 

إجرامية، ومجرمون لهم وجوه رجال الشرطة. 
بلع جوفاني ريقه وبدأ يتمشى ذهابًا إيابًا ويحاول أن يفكر بشيء اخر. 
لم تعاوده تلك الأفكار الجنونية وعاد ينتظر مرتاح البال قليلاً ككل رجل نزيه في ذلك الوسط. 
في نهاية المطاف، لم يكن كل أولئك الناس المكلفين بالأمن سوى موظفين مثله بل لا وجود لهم دون وزارته. كم منهم سيحالون إلى التقاعد يومًا؟ كلهما كل رجال الشرطة يعملون من أجل تقاعد استحقوه وليس من أجل تخليد ذكراهم. جميعهم يعملون من أجل هدف واحد وكل واحد يعمل من أجل الجميع. كما في الوزارة، لدائرة الشرطة مصعد كبير وطابق رابع وعدد مجهول من الموظفين المدنيين، بعضهم من الصنف المثقف وبعضهم من الصنف الرديء، وفي الدائرة أيضا رؤساء أقسام ومفتشون ومن كل الدرجات حسب القواعد المعمول بها السارية على كل موظفي الدولة سواء كانوا من وزارة الداخلية أو من وزارة الخزانة. للمصعد الضجيج نفسه ويئز الأزيز نفسه وقد تكون الشركة نفسها التي صنعت المصعدين. 
مرّت ساعتان وأكثر والرقيب تشائي لم يأت بعد، ولم يرد ببال جوفاني أن يذكر أحدًا بوجوده فقد كان قد تأقلم مع تلك البيئة وإن بقيت في أحشائه وخزة. 
في الساعة الثانية عشرة ونصف وقف جوفاني في وسط القاعة وقد أبعد ما بين ساقيه ووضع يده على قلبه. 
قد يمرّ أخ ماسوني، عاجلاً أم آجلاً، ولعلّه يكون دليلاً له وينصحه نصائح مفيدة قد تنقذه من مأزق قد ينجم من لقائه بالرقيب تشاني. 
الناس يمرّون أمامه ولا ينظرون إليه. اثنان أو ثلاثة فقط داروا حوله لكن نقصتهم الشجاعة أن يكلموه. تفحصوه من رأسه حتى سافل قدميه ثم 
80 

ابتعدوا واستداروا ينظرون إليه وساروا نحوه خطوة أو خطوتين ثم عدلوا 
ومشوا في طريقهم. أتاه وهو على هذه الحال الرقيب تشابي فتعجّب منه وأمره أن يتبعه إلى مكتبه. دخل الاثنان إلى حجرة صغيرة جلس فيها شرطي غلبه النعاس خلف الة كاتبة. 
"هل تسمح؟"، قال جوفاني وهو يمدّ يده مصافخا. نظر الرقيب إليه بارتياب وقد فتح عينا وأغلق الأخرى ومدّ له يده. "فيفالدي جوفاني ، موظف ... " شدّ جوفاني على يد الرقيب واضعا إصبعه على رسغه كما يفعل الماسونيّون. انتفض الشرطي وأمره أن يجلس وهو يكاد أن يصرخ. رسم جوفاني على وجهه أمارات الجدّ الذكورية كي يزيل أي التباس وبقي طيلة الوقت شاهرًا إصبعه وكأنه متشنج. بينما كان الرقيب يملي على الشرطي ما يجب أن يكتبه في المحضر كان جوفاني يداعب إصبعه القائم ويأتي بحركات تنم عن الألم. "أنت أبو القتيل، أليس كذلك؟" أوماً جوفاني برأسه إيجابا بعد أن قام بعشر حركات في تقاسيم وجهه. "لقد رأيت وجوه القتلة، أليس كذلك؟" "وجه واحد منهم فقط"، قال جوفاني وهو ينظر إلى الأرض. "هل تستطيع أن تتعرّف عليه؟" نظر جوفاني إلى الرقيب وهو يظن أنه يستطيع أن يبدي في عينيه 81 

كل حقده الدفين، لكن الرقيب كان يحدّق فيه كما يحدّق بائع التذاكر في الباص في الراكب الذي يبحث في جيوبه عن ثمن التذاكرة. 
و . 
نعم . 
سيق جوفاني إلى غرفة وجد فيها خمسة من شهود العيان الذين شهدوا حادثة السطو الشهيرة. 
أطفأت الأنوار، تماما كما يحصل في قاعة السينما عند بدء العرض، وأضيء حائط عليه خطوط رمادية أفقية ثم دخل سبعة أشخاص لهم ملامح المجرمين اصطفوا طوال الحائط كما أشار لهم الرقيب تشابي. 
"نحن متأكدون أن الجنتلمان الذي نبحث عنه هو واحد من هولاء السادة المحترمين. قولوا لي من هو والباقي علي ا" 
بدأ الشهود الستة يحكون جلدهم ويتكئون على ساق ثم على الأخرى. أمّا جوفاني فقد نضح بدنه بالعرق بدءًا من تحت إبطيه ثم صدره فمنبت شعره فأذنيه ثم باقي أنحاء جسده. ولده حاول أن يكتشف عبرها الوجه المطلوب. كانت تتقاطع في مخيلته ثلاث صور لوجوه أوّلها وجه ماريو الأبيض. أما صورة وجه القاتل فكانت تظهر وتغيب وتختلط بصورة وجه الصبي ذي الألوان المتعدّدة والقفا المتراقص المتعلق بمشاكة اليد المعدنية في الحافلة كأنه خرقة بالية. 
لم يتعرف جوفاني على وجه القاتل بين تلك الرؤوس التي كانت تبدو أوّل من هز رأسه نفيا وما لبث أن لحق به الآخرون. 
أشار الرقيب بيده غاضبًا أن يذهب كل في حال سبيله، الممثلون 
82 

في البيت كان في انتظاره جسد أماليا المتهالك على كرسي الخيزران. قبل جبهتها كعادته المستجذة وذهب إلى المطبخ ليقلي البيض. فتح البرّاد فغزت منخريه على الفور هبة من رائحة العفن النتنة. كان البرّاد معطوبا وكانت جدرانه الداخلية تبدو وكأنها تنضح بالعرق كجلد آدمي أصابته الحمّى. 
همهم غاضبا وأخذ البيض وشرع بقليه. بعد أن قلاه جرّ الة الخياطة وقرّبها من كرسي الخيزران وحضرها كطاولة وجلس قبالة زوجته. 
بعد الغذاء اتخذ له مكانا بالقرب من النافذة كما يفعل كل يوم وشرع بحل الكلمات المتقاطعة والقاموس بيده. بعد أن انتهى من حل الجدول نظر إلى الساعة. 
"من الأفضل أن أذهب. السير أقل ازدحاما الآن"، قال موجها كلماته نحو أذني أماليا. 
رتب أمره وخرج. 
وجد مكانا للسيارة أمام كشك مغلق لبائع زهور. نزل من السيارة واتجه نحو المدخل. 
كلما نظر إلى المقبرة عاوده الغضب لأنه خسر معركة الفوز بقبر يضع فيه جثمان ماريو. لا توجد أماكن شاغرة، لذا وضعوا التابوت مؤقتا في المستودع ووعدوا أن يدفنوه في أول مكان شاغر في أقرب فرصة. "عليك أن تصبر". كلما أفرغوا مكانا وضعوا فيه جثة من الجثث القديمة القابعة 
83 

في المستودع تنتظر دورها. لم يستطع أن يعمل شيئا ولم تنفع الوساطة مع إدارة المقبرة. استسلم جوفاني للواقع. "الحصول على مكان في الوزارة أسهل من مكان في المقبرة"، فكر جوفاني وهو يطأ بقدمه أرض المقبرة الخصبة. ازداد عمران المقبرة كثافة، نظرًا لضيق المساحة وكان منظرها لذلك يثير الدهشة. الجثث ملقاة في كل مكان، القبور مكتظة، في كل ناحية وفي كل منعطف مدفن، الصلبان متقاربة حتى يكاد المرء يتساءل إن كانوا يثنون الجثة ثنيتين قبل أن يضعوها في القبر. أشكال القبور الهندسية الفنية توحي بوضعية الجثث المزعجة، ففي بعض المناطق تبدو جالسة في توابيتها فقد وضعت عموديًا وكأنها جنود في عرض عسكري. شعر جوفاني أنه يمشي على منبسط من التوابيت تغطيه حفنات تراب قليلة فراوده إحساس بالانقباض. السهم يدلّه على اتجاه المستودعات. مشى جوفاني طويلاً إلى أن وصل أمام مبنى كبير بدا له ككنيسة مهجورة. عرف المبنى حيث يرقد ماريو بانتظار مدفن لائق. ما أن وضع قدمه داخل المبنى حتى اجتاحته رائحة الزهور فاستهلكت كل الأكسجين في رئتيه وأصابته بالدوار كمن ضرب بمطرقة على رأسه. كانت عشرات الآلاف من الشموع تكاد لا تقوى على البقاء مضاءة في هواء ذلك الجؤ المتصلب وتلك العتمة المقيتة المروعة. أدمعت عينا جوفاني وأحرقتهما أبخرة المطهرات السائلة والمنبعثة من زهرة الخزامي. لم يكن بين آلاف الواقفين في ذلك المكان إلا من ينتحب أو يشدّ شعره أو ينادي بملء فمه اسم فقيده. لم تكن تلك غرفة يوضع فيها الأموات، بل بدت له مكانا عاما 84 

للنحيب، مثله مثل باقي المرافق العامة، بنيت خصيضا لهذا الغرض، مثل الحدائق العامة أو دور الحضانة أو شبل المياه العامة. فمن أراد العويل والبكاء ذهب هناك وقضي حاجته، كمن يريد التبؤل فيدخل مرحاضا عاما ويقضي حاجته. هل كل الحاضرين قد جاؤوا ليبكوا فقيدًا فقدوه؟ لعل بينهم من جاء ليريح أعصابه ويخمد ثورة نفسه !! قد يجوز افتراض الحالتين معا: عندما يبكي الإنسان عزيرًا فقده إنما يبكي أشياء أخرى عديدة. وصل الشمع المنساب من الاحتراق حتى السقف والتصق بكل الزوايا متخذا شكل حمم بركان انتشرت وتيبست تعبرها غدائز جديدة ساخنة حتى الغليان. كانت التوابيت قد ضفت بعضها فوق بعض على مدار الجدران إلى أن وصلت السقف. وعلى التوابيت ألصقت الزهور البلاستيكية والصور ورسوم القديسين وأكاليل من تنك وصلبان من كل حجم ورسم. مرّ جوفاني أمام امرأة نحيلة هزيلة كانت ترتب على نعش مذودًا وضعت فيه تماثيل البقرة وحمار وكوخ المسيح ومن حوله المسلك. توقف رفع رأسه وتفحص بعينيه صفين أو ثلاثة مفتشا عن نعش ماريو في وعليه صليب برونزي وضع عند القدمين. عندما بدا له أنه قد تعرّف عليه توقف تحته وحاول أن يركز فكره لكنه لم يستطع. كان بالقرب منه رافعة وضعت على جرّار شديد الضجيج والقبارون يحاولون حشر ضيف جديد في أحد الصفوف ويصرخون ويتجادلون بأصوات عالية لصداها رجع ثقيل. "ارفع ... ارفع ... لا، لا، خذ إلى اليمين، إلى اليمين ... تحت . 
لتحتمسميا 
85 

وإن لم يكف كل هذا فبالقرب منه امرأة غير عجوز تخاطب زوجها الميت وتعاتبه لأنه تركها وحيدة حزينة بلا سلوى. بينما كان على تلك الحال اضطرّ أن يبتعد قليلاً ليفسح لها المجال لتقذف باقة بنفسج فوق نعش زوجها، لكن النعش كان مرتفعا جدًا ورأى جوفاني أنها لم تكن لتستطيع أن توصل الزهور حيث تريد والزهور تقع المرّة تلو المرّة ويزداد تلفها فتقدّم لمساعدتها. التقط الباقة من على الأرض وبعد محاولتين أو ثلاث استطاع أن يُسقطها فوق التابوت لكن ما وصل منها لم يكن سوى بضعة سيقان وأوراق قليلة بالية. رفعت المرأة كتفيها علامة الشكر وذهبت في حال سبيلها. عاد جوفاني ووجد بعينيه نعش ماريو وعاد يحدّق فيه دون تفكير. كان ذهنه ما انفك عن إرسال همهمة خاوية كجعجعة معدة فارغة. تخشبت جبهته، والتجاعيد التي كانت تعبرها عبور السكة الحديدية بدت كمن نجا من حادث فظيع تشبث بها حاجباه وكشفا عن عينيه العالقتين بمداريهما كسجينين لا فرار لهما. كان ضائعا حائرًا مششت الذهن والروح، ولتقي على حاله تلك زمنا طويلاً لو لم يقع انفجار مدو هرّ كل النعوش المرصوصة في المستودع. صراخ وإغماء ورعب. لحسن الحظ لم يصب الهلع الجميع، وأدرك جوفاني ما حصل عندما توقف الصراخ وساد صمت مرتعد زاد من ذهول الحاضرين. ماذا حصل؟ انفجر تابوت مركون على الطابق الثامن أو التاسع، خلف جوفاني، وخرجت من الشقوق التي أحدثها الانفجار مادة غريبة الشكل، عبارة عن مزيج من الأسمال الرطبة ومن الرغام الكثيف. "لا داعي للخوف"، قالت له سيّدة عجوز لها ملامح العارفين بينما عاد العويل العام يسود المكان: "بين الحين والآخر ينفجر تابوت بسبب الغاز الذي يتشكل داخله. أنا أقول إن الموتى يثورون لأنهم تعبوا من البقاء 
86 

هنا فهم يريدون أن يُدفنوا كالاخرين. صار لي عشر سنوات وأنا اتي هنا. هل ترى ذلك النعش هنا، هناك تحت ذلك؟"، وأشارت له بيدها وهي تشده من كمه حتى استدار بالكامل: "ذلك زوجي. يوما ما سينفجر هو أيضا". "نرجو أن لا يقع ذلك"، قال لها جوفاني ليسايرها: "عاجلاً أم آجلاً لا بدّ أن يجدوا له مكانا". ابتسمت ابتسامة هازئة وقالت له: "أنت واهم"، ثم ابتسمت لنفسها آكل الجثث، والله بودي أن أطلق عليه رصاصة في فمها" استدار جوفاني ورأى مجموعة من عمّال المقابر يدخلون المستودع. ذهبت المرأة برفقة لعناتها واحتجاجها. تسلّق عمّال المقابر جبل التوابيت بخفة وبيدهم المطارق والمسامير هدأ الحضور وعادت السكينة المعتادة تلف المكان، إن كان ذلك الجؤ الجهنمي المفعم بالبكاء والصلوات سكينة. هكذا حان الوقت المناسب كي يبذل جوفاني بعض الدموع المرّة على ولده. رفع رأسه وأجال النظر في صفوف النعوش المرصوصة وحذق في نعش ابنه وقد اشتدت عروق رقبته حتى كادت أن تتقطع. كان النظر إلى الأعلى يخفف من ألمه. لو كان ذلك الحائط المكوّن مرن التوابيت عمارة مرن عمارات -حي "توسكولانو" لكان ماريو يسكن الطابق الأخير منها، ولو كان مبنى الوزارة لكان مكتب ماريو بالقرب من أصغر الأبطال الشهداء سنًا. وأخيرًا إن كان عرش الله حقا في أعلى مكان فلا بدّ أن ماريو هو 
87 

الأقرب إليه. ماريو فيفالدي، المحاسب، أو ما يعادل المحاسب في العالم الآخر. ما الذي يعادله ؟ أهو الشهيدا؟ أو الملاك؟ نعم لقد حانت ساعة الدموع ولم تكن الدموع لتنهمر إن لم يُعد جوفاني ابنه إلى الأرض ولم تتحرك عواطفه في حضرته. ماريو لم يعد في هذا الوجود ومن يؤذي غيابه؟ إنّه يؤذي جوفاني وزوجته. لقد أصاب أماليا شرخ في دماغها بسبب الضغط العالي. وجوفاني؟ ماذا أصابه ؟ أحسن جوفاني بعينيه تنتفخان ثم غطتهما غشاوة. انتظر حتى طفر ومسح به وجهه. بعد ذلك شعر بنعاسي اختلطت فيه الأفكار وارتخت العضلات. كانت العاصفة التي تدور في عقله قد بدأت تهدأ يتلوها سكون مريح. خف وهج الضوء الذي كان ينير أفكاره فجأة ثم انطفأ كالسماء قبل حلول الليل. لم يعد يفقه ما يدور حوله ولم يعرف كم من الوقت مضى وهو مرتخ تحت حائط التوابيت. أيقظه وفاجأه تثاؤبه الذي ضخ في المستودع بقسوة تفوق قسوة كل أولئك الأموات. بحث جوفاني عن منديله الذي كان في يده فوجده ملقى على الأرض قرب قدميه فالتقطه وشدّ عليه في راحته. لم يحاول أن يركز أفكاره مرّة أخرى بل تمتم بصلوات كان يعرفها، وإن كانت غير ذات معنى ولا غلاقة لها بالميت لكنها تمتاز بمعنى عام ويمكن حفظها عن ظهر قلب دون أن يُهمل منها شية مهم، وهذا بالطبع لا يفوت الكنيسة وهي المؤلف النبيل - .لهذه الصلوات 
88 

وخرج سائرًا إلى الخلف، ثم غمرته حركة الشير بأصواتها المُصمّة حتى بلعه تيار النهر التنكي الذي كان في الساعات الأولى للمساء يفيض ليغمر كل شوارع المدينة ثم ينتشر في الأرياف المحيطة حيث كان الليل قد حل. 
كان من الأفضل أن يفكر بأي شيء آخر. لكنه لم يفكر بأي شيء آخر لأنه لم يكن يفكر بأي شيء تقريبًا. في البيت قام بالطقوس المعتادة كل مساء والتي بلغت ذروتها كالعادة بالمنبه الذي قرع في الساعة السادسة والنصف وبإشعال الضوء. 
في الخارج ليل. في غرفة النوم ظلام. تحت جفون جوفاني والسيدة أماليا سواد. 
89 

تمرّ الأيام متشابهة متساوية: المكتب برائحة كريم الشعر ماركة لينتى، وأحيانا المحفل الماسوني ومبتدى جاهل يجب تنويره، مرّتين في الشهر في دائرة الشرطة في محاولة التعرّف على القاتل، بين الحين والأخر الذهاب إلى الكوخ عند البركة ليس لصيد السمك وإنما لالقاء نظرة لئلا يكون قد شب فيه حريق. وكذلك الأمور في البيت تسير كالمعتاد مع تغيّرات بسيطة: مثلاً لم يعد جوفاني يطبخ. عندما يعود من المكتب يمرّ على مطعم ويشتري بعض فطائر الرز وقطعة من الجبن وقليلاً من الخبز. هذه الطريقة أفضل من الطبخ بالإضافة إلى أنه لا يلزم غسل الصحون. البرّاد معطوب منذ زمن بعيد وهذا كان السبب في التغير الطفيف الذي حدث في الحياة المنزلية. تضاعفت رائحة النتن العابقة في الغرفة والمنبعثة من البرّاد المعطوب عندما وقعت على الأرض قارورة حليب مما أثار أعصاب جوفاني إلى درجة أنه قرّر أن لا يلمس أي شيء من ذلك الحين فصاعدًا وترك كل شيء يسير من سيء إلى أسوأ. وبكلمات مقتضبة كانت الأيام تتلاحق كالمعتاد بانتظار اليوم الذي سيرسل فيه إضبارة طلب التقاعد إلى محكمة الحسابات. وفي أثناء ذلك يزداد الراتب قليلاً وهي ليرات قليلة تضاف إلى معاش التقاعد، وكُلَّه دَسَم. أما الدكتور سباتسياني والزملاء في المكتب والإخوة الماسونيين فقد نسوا مصيبة جوفاني وعادوا يعاملونه كما يعاملون أي واحد آخر منهم. من ناحية أخرى لم تكن آثار المصيبة التي لحقت به تظهر عليه بشكل واضح. 91 

لقد تصرّف كرجل، ماضاع رشده بل عاود حياته محتفظا بكرامته. كان جوفاني يعرف أسرار روحه وكانت الطريقة العادية التي عادوا يعاملونه بها تزعجه. هل يعتقدون حقا أنه اليوم كما كان قبل المصيبة؟ هل يمكن لرجل مثله أن يقع في فخ الحياة كما لو لم يكن قد حصل أي شيء في حياته؟ في الأوقات الأولى كان جوفاني يعتقد أنه قد صفى الحساب، لم يكن يُدرك كيف كان ذلك ومتى، لكنه كان يُدرك السبب. هكذا كان ينمو ويكبر في أعماقه شيء يشبه رغوة غريبة تكبر بدورها لتصبح قوّة لا سبيل لضبطها، تحتاج إلى التعبير عن ذاتها. لكن جوفاني لم يكن قوي الارادة كي يسمح لنفسه بالتعبير عن غرائزه التي لم تكن في الواقع نامية في أحشائه بل في رأسه. في المكتب، عندما يتجمهر الموظفون عند طوتي ليشربوا القهوة ويتحدّثوا عن السياسة وعن أحداث الجريمة كان جوفاني يصبح المثل الحي للضحية، وبين الحين والآخر كان يتدخل في الحديث بحكمة تليق بالقدّيسين، وقد أصبح يُعتبر مرجعا يثقون به. هكذا لم يكن زملاؤه يدركون مقدار العنف الذي يكمن في نفس جوفاني ولم يكونوا يُدركون أنه يُدرك ذلك. لكنه، في قرارة نفسه، كان طيبا ويقوم بعمله خير قيام. إذن، كان كل شيء يسير كالسابق في نفس جوفاني ولكنه كان يسير بشكل مغاير في ذات الوقت. قد يلاحظ التفضيل الذي كان يحظى به كتعويض. لا شيء غير ذلك. ومن ناحيته فقد لبس هذا اللبوس بشكل متقن فكان يبدو عايشا بعض الشيء، معتدل القامة تحت سترته المحنية عند الكتفين قليلاً، وقد يئخذ أحيانا سمات الرجل الحالم أو كمن مشة الروح القدس. لكن مع مرور الوقت لم يعد محط اهتمام دائم فشعر باضمحلال دوره. عاد كتفاه للانحناء تحت سترته وعجز وجهه وبهت لونه كما في الزمن الماضي. 92 

في عزز بعد ظهر يوم سبعة وعشرين تشرين الثاني قرع جرس الهاتف في منزل فيفالدي قرغا جنونيًا. كان جوفاني يقوم بتقسيم راتبه الذي أخذه ذلك اليوم: السكن والطعام، البنزين وتصليح السيارة، الكمبياليات. بقيت بيده دراهم قليلة للمصروفات النثرية وبيده الأخرى تناول سماعة الهاتف. الرقيب تشابي يستدعيه إلى دائرة الشرطة فورًا لمحاولة تعرّف أخرى على المجرمين. اقترب جوفاني من السيدة أماليا الناعسة على كرسي الخيزران في ظلام الممرّ وأيقظها برتب كتفها. "يجب أن أذهب"، قال لها. التقط واحدة من المعجنات من صينية الورق المقوّى وقربها من فم زوجته. مضغت أماليا قطعة الحلو بصعوبة وسال الكريم على ذقنها فأخرجت لسانها المدبب ولحست بقايا الكريم حول فمها. تناول زوجها محرمة ورق ونظف ذقنها. ثم جاء دور جوفاني ليبتلع قطعة حلويات ولم تكفه كل أسنانه فاستدعى إصبعة كي يساعدها في التهام القطعة. تناول المعطف والمظلة ومفاتيح السيارة ووضع نقود الراتب في جيبه وبحث عن منديل جديد بين الجوارب، ثم تأكد من وجود مفاتيح البيت معه وقطع التيار الكهربائي وتناول مجلة الكلمات المتقاطعة من فوق المنضدة بجانب السرير وطبع قبلة على جبين زوجته وخرج من البيت. عند باب العمارة، رفع جوفاني رأسه ورأى الغيوم السوداء الكبيرة 93 

تقترب من بعضها لتغلق فتحات السماء الزرقاء. اكفهرت السماء وعم الدنيا جوّ قاتم.
"نحن متأكدون أن السيد المحترم الذي نبحث عنه هو واحد من هؤلاء السادة. أنتم قولوا لي من هو واتركوا الباقي علي"، قال الرقيب تشابي هذا وتنخى جانبا كي يدع المجال للشهود كي يركزوا أفكارهم ويتذكروا. 
تعرّف جوفاني على القاتل فورًا فهو الثالث من اليسار. 
إنه هو بلا أدنى شك. دق قلب جوفاني بعنف. أو لعلهم اعتادوا على الأمر كما لو تلقوا لقاحا ضدّه. 
لكن جوفاني تعرّف على القاتل فورًا لأنه قتل ابنه ولم يقتل أبناء الشهود الآخرين. منذ ذلك الحين كان ذلك الوجه قد ارتسم في أعماقه حتى أصبح كعضو من أعضائه كالطحال أو الكبد أو القلب، أما فى أعماق الشهود الأخرين فلم يرتسم شيء. 
رآه متجهمًا يصرخ في زملائه. إنه الثالث من اليسار، المجرم بعينه 
إنه هو بعينه. إنه شاب، لعلّه في عمر ماريو نفسه، لكن لا بدّ أنه من معدن مختلف، من معدن صدى ومن التفل. كان يضع يديه عند عضوه وكأنه لاعب كرة قدم يشكل مع زملائه حاجزا ضد الفريق المعادي. كان جفناه يرفان تحت نور المصابيح القوي فكان يدير رأسه بين الحين والآخر. الخوف، ولو كان له ذنب للفه بين ساقيه ولخبأه تحت سرواله. 
كان الرقيب تشائى ينظر إلى الشهود الذين يلفهم الظلام بانتظار أن 
94 

تأتي منهم إشارة تدل على أنهم مازالوا على قيد الحياة، فما سمع إلا أنين المقاعد تحت أثقالهم وهم يتقلّبون. كان القاتل بعينه واقفا على خشبة المسرح الصغير بقوم بدور الشرير. لا بدّ انه قد طغى واستبدّ كما شاء، لقد قتل بل إنه قتل رعاياه بالجملة ورمى جثثهم في المقابر الجماعية بعد أن استنزفهم بالضرائب والغرامات، لقد قتل الأمير الصالح واستباح ابنته الرهيفة، لقد استولى على عرش الملك واحتل مكانه، هو، بهذا الفم الفاجر وهاتين اليدين المضرّجتين بالدماء، احتل مكان الملك كي يعربد، كي يتسلى، كي يلهو وكان حياة الناس لعبة مثل سائر الألعاب، لقد قتل ماريو، هكذا، على سبيل اللهو، ثم عاد إلى بيته ثملاً. حان الفصل الأخير الآن. لقد ألقي القبض على المحتل الغاصب وعلى زبانيته وعادت الأمور إلى نصابها واستعاد الملك الصالح عرشه. تتلخص المسرحية كلها في نهايتها المحتومة: ينزل الستار بعد أن ينتصر العدل، والعدل يريد رأس الطاغية الغاصب. الشرطة تبحث عمّن قتل ماريو وتجده وتضعه على مرأى من جوفاني. هذه هي الوقائع. لكن جوفاني لا يرى إلا بعض البقع من الحقيقة، بقعا من الوقائع شفافة كأنها خيالات قدّيسين في الجنة. اعتراه خوف ورجفة كما يعتريانه إذ يشاهد فيلمًا من أفلام الرعب ولكنه لم يكن في السينما هذه المرّة. في الغرفة الصغيرة في دائرة الشرطة أطفئت المصابيح الكاشفة وأضيئت الأنوار واستطاع جوفاني أن يتحلى بالأدب فلم يصفق. ولكن لماذا لم يصفق؟ الجواب بسيط، لأن العرض لم ينته فقد انقطع الشريط قبل المشهد الأخير وحيث أن جميع الحاضرين يستطيعون 95 

أن يتصوّروا كيف تكون النهاية فقد قرّر العارض أن يضب أدواته ويعود إلى بيته. ماذا يريد جوفاني؟ هل يريد أن يستل الشرطي مسدسه في اللحظة التي يتعرف فيها على الجاني ويقتله في الحال ؟ لا، يجب أن تأخذ العدالة مجراها. يجب أن تأخذ العدالة مجراها ويقع على عاتق جوفاني تشغيل الآليات البيروقراطية اللازمة لذلك: رفع الدعوى، التحقق من أدلة الدفاع، التحقيقات، المحاكمة، الاستئناف وإلى كل ما هنالك وصولاً إلى الحكم: السجن المؤبّد. إنه ليس العقاب الأمثل، لكنه بالتأكيد عقاب شديد. لكن في الواقع، بعد أن أضيئت الأنوار، تمامًا كما يحصل في السينما، قام الشهود من مقاعدهم وهم ينظرون إلى ساعاتهم وقد عادوا فورًا إلى عالم مشاغلهم اليومية. أما الرقيب فقد تحوّلت ثقته بشهوده إلى قناعة بعدم جدواهم ولم يوجّه لهم حتى السؤال المعتاد بل خرج فورًا من الغرفة. بقي جوفاني جالسا في مكانه ينظر إلى من يتحرّك حوله ويردّ على السلام والابتسام دون أن يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة. لقد مرّ كل شيء بسرعة كبيرة لم يستطع فيها أن يعيد وضع البراغي التي انفكت في عقله. وهكذا بعد أن ذهب الشهود والمشكوك فيهم والقاتل بقي جوفاني وحده في الغرفة جالسا على مقعد كان يتمنى أن يكون متحرّكا. فجأة اجتاحته طاقة كبيرة فهب واقفا وخرج راكضا إلى الشارع. الثالث من اليسار، وهو لا يعرف حتى اسمه، أحد قتلة ابنه يمشي وتحت قدميه عالم كبير هائل يعبره ماشيًا أو بالسيارة، فيه المروج الخضراء والغابات الواسعة والشواطى البيضاء والسماوات المتغيرة بتغير الفصول. 
96 

رآه عند المنعطف في شارع "ناتسيوناله " ينتظر الباص. ركب سيارته وقد ازداد خفقان قلبه حتى أصبح كالمكوك يصعد ويهبط من رأسه إلى قدميه. سار بالسيارة بضعة أمتار ثم توقف في مكان يستطيع أن يراقب منه تحرّكات القاتل. جاء الباص الأول ثم الثاني ولم يصعد القاتل، ثم وصل الباص الثالث فصعد، فسار جوفاني خلف الباص موقفا بعد موقف. رعد مفاجى شق صمت السماء، دؤى كان عمدان السماء قد انهارت، وهطل مطر غزير فاختفى المارّة وكأنهم سمعوا صفارة الانذار باقتراب القصف الجوي. في لحظة واحدة سالت أنهار من مياه الأمطار على أسفلت الشوارع وعلى العمارات. شغل جوفاني المساحات وانحنى بظهره كي يقترب أكثر من زجاج السيارة فلا يفقد الباص الذي يتعقبه. كان الباص يسير باتجاه منزل جوفاني فقد انعطف في شارع "توسكولانا" والمجرم لم ينزل منه بعد. اضطرّ جوفاني أن يتجاوز عدّة سيارات كي يبقى دائمًا خلف الباص، بينما كانت كميات كبيرة من ماء المطر تنطلق من عجلات الباص وتصطدم بزجاج السيارة، وكان جوفاني لا يستطيع أن يرى بوضوح فيضغط على الكابح كل مرّة يُخيّل له أنه رأى الأضواء الحمراء للباص تشتعل علامة التوقف. كان يقف عند كل موقف وينزل زجاج النافذة ويُطل برأسه غير عابى بالمطر الغزير كي يراقب أي تحرّك للقاتل. وعندما يسمع صوت إغلاق أبواب الباص يعود برأسه داخلاً ويرفع الزجاج ثم ينشف رأسه بمنديله. استمر على هذه الحال حتَّى وصل الباص إلى آخر موقف. نزل كل الركاب ونزل القاتل أيضا. لو لم يكن بينهما ذلك الدم لأوصله جوفاني إلى 97 

بيته فهما يسكنان قريبًا. ركض المجرم الشاب واحتمى من المطر عند مدخل إحدى العمارات قريبًا من موقف الباص. أوقف جوفاني السيارة عند الطرف الآخر من الشارع وأطفأ المحرك كي لا يبقى دون وقود. لم يتوقف المطر بل استمر ينهمر بإيقاع سريع منتظم يضرب بقوّة أسفلت الشارع، كما لو ألقى به بوق تنفخ به رئتان مليئتان. قبع جوفاني في سيارته وقد ألصق وجهه بزجاج النافذة ينظر منه باتجاه هدفه. أخيرًا حسم المجرم أمره وركض محتميا بمداخل العمارات بين فينة وأخرى. شغل جوفاني محرّك السيارة ولحق به. من مدخل إلى مدخل وصل المجرم إلى منزله في عمارة جديدة ما تزال غير مسكونة بالكامل، إلى جانب محلات "أوبيم"، تجاه منزل جوفاني تماما. صعد الشاب الدرج كل ثلاث درجات سوية واختفى. أوقف المقتفي السيارة أمام ذلك المنزل وأطفأ المحرّك وقبع ينتظر. "إنه يسكن مقابل بيتي تماما"، فكر جوفاني: "ما أغرب الحياة". انزلق جوفاني قليلاً على مقعده ونظر إلى أعلى فرأى نوافذ منزله مغلقة والمطر ينقرها بغضب. أماليا داخل المنزل، زوجته الوفيّة، الزهرة التي وضعها في عروته كل السنوات الهامة في حياته. أبذرت الزهرة واشتدّ عودها وهاهي تواجه الموت بحكمة، بحكمتها المعتادة، ثابتة لا تتحرّك. إنها سجينة تلك الصومعة ولسان حالها يقول إنها تركت كل ما تملك إرثا لغيرها وتلقت البركة الأخيرة وصمتت. كان جوفاني ينظر إلى نوافذ بيته المغلقة فيراها تبرق تحت زخات المطر المتموّجة كما لو كانت من مخمل أو كأنها شعر عبثت به الريح. 98 

بعد أن أطفأ المحرّك أصبحت السيارة باردة وعبقت بأنفاس جوفاني، فغبش زجاج السيارة فمسح جزءًا منه على شكل مربع صغير كي ينظر من خلاله ليراقب مدخل العمارة التي يسكن فيها القاتل. حل المساء فجأة بعد أن قفز على صفحة الغروب دون أن يقرأها والغروب نادر في ذلك الحي ومستحيل في ذلك الجؤ العاصف. رفع جوفاني ياقة معطفه وكان بين الحين والآخر يدق بقدمه على أرض السيارة التي تجمّعت فيها مياه المطر نقطة تلو نقطة. تكوّم جوفاني قابعا في سيارته وفكر بالطوفان وبنوح بينما كانت العاصفة تشتد... بدأت عظامه تنقر ظهره وجوانبه. كان يشعر بها كسياج مليء بالشوك. المقعد الخالي المُمرّق بجانبه ولوحة السيارة أمامه ويد الغيار المهترئة كانت تروي له حكاية حياته في السنوات الأخيرة. كانت تلك السيارة بيته الآخر الذي يملكه، لقد اقتناها بعد تضحيات جسام ضحى بها كي تكون مفيدة له. لقد أقلّته على الدوام من المنزل إلى المكتب ومن المكتب إلى المنزل. في السيارة بكى وهو ينتقل من مصيبة إلى أخرى، وفي السيارة ابتسم وضحك في لحظات الفرح والسرور، وفي السيارة حلم وهو ينتقل من مرحلة إلى أخرى خلال رحلة عمره الطويلة التي لم تنته أمام مدخل منزل القاتل. السيارة كلبه الوفي وكالكلاب تعيش وفية لصاحبها وبمعزل عن مشاكله ومصائبه، إنها دائمًا تحت تصرّفه لكنها لا تستطيع أن تقدّم له النصح فهي صامتة ومتواضعة مثل أماليا ومثلها حنون لكنها في عزلة عنه. هذه هي الأشياء القريبة من جوفاني، ومن المقرّبين إليه أشخاص عديدون من ذوي النيّات الحسنة، الدكتور سباتسياني الذي عمل كل ما في وسعه لمساعدته، زملاؤه، الأستاذ الخطيب المستعدّ دائمًا لتقديم النصح وتخفيف المشاكل بوضعها في أطر عامة تتعلق بكل بني الانسان وتبيان حكمة الأشياء. يستطيع كل هؤلاء أن يساعدوه وقد ساعدوه ولكن كان 99 

فيهم شيء يوحي بالعرضية فلا يمكن الاعتماد عليهم بشكل مطلق. السيارة الآن لا تعطيه الكثير ولكنها تعطيه كل ما في وسعها. لقد حملته في رحلته لتعقب القاتل بطاعة واحترام كما أطاعته عندما بقيت مركونة أمام محلات "أوبيم" صباح اطلاق النار أمام مصرف الرهونات. مدّ جوفاني يده إلى مفتاح الضوء الصغير في سقف السيارة وأشعله ثم أخرج من جيب معطفه مجلة الكلمات المتقاطعة ومن جيب جاكيته النظارات وقلم رصاص. بدأ بحل الكلمات المتقاطعة وينظر بين الحين والآخر من فوق نظارتيه صوب المنزل الذي يراقبه. 
100 

عند منتصف الليل خف المطر ثم توقف في الساعات التالية. 
رأى جوفاني شيخا يخرج مسرعا من العمارة فأشعل أضواء السيارة ثم أطفأها على الفور فقد تعرّف على القاتل. أين يذهب في مثل هذه الساعة من الليل؟ 
اقترب الشاب من سيارة "سبور" وبحيث في جيب معطفه عن المفتاح، ركب السيارة وأدار المفتاح. لا شك أن المحرّك كان باردًا ولا بد أن قليلاً من الماء قد دخل إليه. 
جرّب مرّة ثم أخرى دون فائدة. 
كانت محاولات تشغيل السيارة تترك في الصمت المخيم على الحي 
كان جوفاني ينظر من سيارته العتيقة الوفيّة وهو يُعدّد في عقله أسباب ذلك العطل. نزل المجرم الشاب من السيارة وفتح غطاء المحرّك وبدأ العجلات وخبأها تحت معطفه ثم اقترب من القاتل. 
"ماذا حصل؟ هل أستطيع أن أساعدك؟" 
لقد ضرب جوفاني ضربة صائبة بين الجبهة والصدغ. عاد مسرعا إلى 

سيارته وألقى الرافعة فيها وأدار المحرّك وسار بها الأمتار القليلة التي تفصله عن القاتل. أطفأ المحرك والأضواء وأمسك بالشاب من تحت إبطيه وسحبه بقوة لم يكن يعرف أنه يحوزها ورماه على وجهه على المقعد الخلفي فبقي نصفه داخلاً ونصفه خارجا. خلع عنه معطفه ودفعه الدفعة تلو الدفعة حتى أدخله تمامًا ثم غطاه بالمعطف نفسه وأغلق الباب. ركب السيارة وأدار المحرّك الذي تلكاً قليلاً ثم انطلق. تحركت الفيات القديمة وهي تطقطق وتهتز وسارت في طريق فرعي نحو خارج المدينة. مشت السيارة بسرعة إلى أن أضيئت الإشارة الحمراء التي تشير إلى قرب نفاذ الوقود. "بعد قليل توجد كازية مفتوحة"، فكر جوفاني وهو يضع الغيار على الصفر كل مرّة يجد فيها منحدرًا بسيطا في الشارع. بعد قليل لمح من بعيد أنوار محطة وقود مفتوحة بعد منعطف الشارع. كبح السيارة وخرج من الشارع رويدًا رويدًا وأوقفها تحت شجرة. نزل وفتح صندوق السيارة وتناول منه قارورة كبيرة من البلاستيك وهم بالسير نحو المحطة. إلا أنه خطا خطوة واحدة فقط. "وإن استفاق؟"، فكر وبلع ريقه ودارت عيناه في محجريهما. لمزيد من الحيطة والحذر أمسك برافعة العجلات مرة أخرى وهوى بها مجدّدًا على رأس القاتل الذي لم يبد أي ردّ فعل. وضع جوفاني الرافعة جانبًا وقد اطمأنّ ثم مشى. عبأ جوفاني القارورة وعاد إلى السيارة وأفرغ الوقود في الخزان وانطلق بسرعة. مشى بسرعة حتى وصل تقاطع طرق يعرفه فانعطف إلى طريق ترابي 

دون أن يضع الإشارة. كان الطريق موحلاً وعرا وبين الحين والآخر كانت السيارة ترتطم بأحجار الطريق التي تفتح فيها شروخا كبيرة. أخيرًا رأى جوفاني القمر منعكsا في البركة: لقد وصل وسيظهر له كوخه بعد لحظات. وهكذا كان. بان الكوخ فدخل جوفاني دربا معشوشبا سار فيه إلى أن وصل إلى الباب. كان يريد أن يجعل من ذلك الكوخ منزلاً كبيرًا ذات يوم. من يعلم؟ فكل شيء ممكن في هذه الدنيا. حمل جسد القاتل المدمّى ودخل به ثم أضاء بضع شمعات. شعر فجأة بحاجة إلى التبؤل وانتبه حين ذاك أنه أمسك نفسه طويلاً، أزاح الغطاء الذي وضعه، بدل باب الخزانة المهشمة وتنفس الصعداء بين شهيق وزفير وهو يرخي عضلات مثانته ويفرغها حتى آخر قطرة. أحسن برعشة برد في ظهره وخرج وهو ما يزال ينفض قضيبه. كان الحيوان الشاب يتنفس ويطلق أنينا بين الحين والآخر. كان جوفاني قد ألقاه على الأرض بالقرب من الباب، بعد أن أغلقه بالمفتاح. أمسك بكرسي ووضعه في وسط الغرفة إلى جانب العمود الخشبي الذي يحمل السقف ثم أخرج علبة الأدوات من تحت السرير وأخذ منها الكماشة ثم تناول ربطة سلك معدني معلقة بمسار على الحائط. ثم قام بالجهد الأخير وسحب جسم القاتل من ذراعيه، واستطاع بعد مشقة أن يضعه على الكرسي، ثم ربطه بالسلك المعدني وربط يديه وقدميه على ذراعي الكرسي وعلى قوائمه. لف السلك عشرات المرّات وشدّه قدر استطاعته ثم قطعه بالكماشة وعقده. بعد أن انتهى من هذه العملية بدأ عملاً آخر يتطلب مزيدًا من الانتباه. غسل يديه جيدًا ونشفهما بروية ثم أخرج علبة الإسعاف من تحت السرير وأخذ منها زجاجة الكحول والقطن وبدأ يمسح الدم عن وجه القاتل بصبر وترو كأنه يقوم بترميم لوحة فنية. 

نعم إنه هو بعينه. عالج أيضا الجروح في رأسه. كان فيه جرحان كبيران لكنهما غير عميقين فوضع عليهما كمية من الكحول وغطاهما بالشاش واللاصق. أطل الصبح. فتح جوفاني الباب ونظر إلى الطبيعة. لم ير شيئا سوى الضباب الكثيف المتجمّع كله عند البركة. أنعشه هواء الريف الصباحي. نظر خلفه وأدرك أن القاتل الشاب لن يصحو من غيبوبته إلا بأعجوبة. هزّ رأسه ورف بأجفانه ثم خرج وأغلق الباب بالمفتاح. عاد الى السيارة وكان داخلها مايزال دافئا ومحرّكها ساخنا فقد اشتغل من المرّة الأولى. كان "البازار" – هكذا كان يسميه الجميع – قريبًا. يكفي الخروج من الشارع والانعطاف إلى اليسار مرّة أخرى إلى أن تصل إلى كشك هو بيت ودكان بنفس الوقت حيث يمكن شراء أي شيء من أدوات العمل إلى البذور والفواكه والخبز وفيه أيضا منصة تقوم مقام مقهى. كان بمثابة واحة وسط الخلاء يأتي إليها الجميع على دراجاتهم العادية أو النارية. عندما أوقف جوفاني السيارة في الفضاء الصغير أمام الكشك خرج من الباب جماعة من الصبية يجتمعون هناك كل صباح بانتظار الباص الذي يأخذهم إلى روما حيث يفترقون، فمنهم من يعمل في ورشات الميكانيك أو ورشات البناء وفي المحلات أو في الأسواق ينظفون السمك. كادت عصابة الصبية أن تجرفه معها لكنها خلّفته وراءها. وصلت العصابة الطريق العام فانتظم الصبية في صف طويل على طرف الشارع وساروا وهم يغنون بأعلى أصواتهم إحدى أغاني برامج الأطفال التلفزيونية. دخل جوفاني "البازار" وسرّته رائحة القهوة ورائحة النشارة التي تغطي الأرض، فقد كان روّاد المقهى القلائل يسعلون ويبصقون بعد أن 

يستخرجوا جيدا كل مافي حوصلاتهم. طلب جوفاني سندويتشة جبن وفنجان قهوة مع. الحليب وجلس في زاوية بانتظار ما طلبه. تناول الفطور وهو يراقب ما يجري حوله وينظر نظرة تتراوح ما بين نظرة الراهب فاعل الخير ونظرة الفنان الفاطن إلى أمور الدنيا ونظرة الخبير أخرى كان الداخلون والخارجون يشكلون مزيجا إنسانيا يجلب النظر إلى ما هو عليه قلبًا وقالبًا، فهو بعيد كل البعد عن تطوّرات الحضارة المعاصرة. كان يرى في ذلك المزيج البشري أشباح ماض سلف منذ خمسين سنة، نماذج من عرق بشري عاش قرونا طويلة لكنه آل إلى الاندثار. كان جوفاني وهو يراقب الأصناف البشرية في عالم البازار الضيق يعلم أنه قد سبق ذلك العالم بضعة سنتيمترات أو بكلمات أخرى بعدّة تأخر الوقت. يجب أن يذهب. عاد بفكره إلى المكتب وإلى السيدة أماليا المسكينة فقد بقيت دون عشاء ودون فطور. عاد مسرعا إلى الكوخ وفي الطريق لاحظ أن مشهد الطبيعة لا يتغيّر بتغيّر الفصول وتغيّر أحوال والسرعة التي يمرّ بها أمامه. لم يكن جوفاني في حالة تسمح له بالإحساس بالطبيعة فمرّ بها سجينا في سيارته الصغيرة القديمة وعيناه متعلقتان بحفر الطريق الترابي. وجده كما تركه في قسوة الواقع، وليس في وهم الخيال، مربوطا شعر برغبة في لمسه فاقترب منه ومسر شعره. نظر إلى ساعة يده. الوقت متأخر. داهمته اللهفة: المكتب. 

أخرج مرن جيب سرواله منديله الأبيض، طواه وجمعه في قبضته ثم فتح فم المجرم الشاب وأدخله فيه بقوة ودفعه بإبهامه. قطع خمسين نتيمترا من السلك المعدني ولفه حول راسه ومرره في فمه المفتوح ثم ربطه عند رقبته وعقده بالكماشة وأحكم شدّه. 
تلقي - حوله ليرى إن كان كل شيء في مكانه، ثم خرج وأغلق الباب 
وضع المفتاح في جيبه واتجه نحو السيارة. 
"سأصل بسرعة" 

أن يذهب إلى المكتب مرّ على البيت كي يطعم السيدة أماليا. مكتبه مجموعة كبيرة من المعاملات. أمسك جوفاني المعاملة الأولى وتفحص حالة طالب التقاعد وتأكد من وجحود الصور الشخصية وكل الوثائق اللازمة ثم تناول ورقة وقلما وكتب: ينال السيد فلان الفلانى استحقاق التقاعد ويحق له مخصصات المعاش كما هو منصوص عليه في الإضبارة وكما هو مسجّل في محكمة الحسابات في الإشعار رقم ???????? إلى آخره، إلى آخره. كان يعمل ويعود بفكره إلى أيام شبابه عندما بدأ العمل في هذا المكتب ولم يكن يعرف معنى "مخصصات المعاش" فكان اليكتب "مُحضنات المعاش" ظانا أنها جائزة معنوية. لقد مرّ زمان طويل منذ ذلك الحين وحدثت أحداث كثيرة وهو ما يزال هناك يقوم بواجباته الحيوانية وغير الطبيعية تلك، بعزم وتصميم لم عجب من حجم العمل الذي كان يقوم به بعزم الشباب، رغم أنه أمضى الليل دون نوم، واستطاع أن يُسلّم قبل المعتاد كل الملفات إلى الدكتور سباتسياني مع كل المعطيات المطلوبة بعد ضبط كل الحسابات وإنهاء معاملات كل إضبارة. "عزيزي فيفالدي، بعد قليل سيأتي دورك وسيخسر هذا القسم واحدًا 
107 

من أمتن عمدانه. الجيل الكبير يغادر العملا لست أدري ماذا سيحل بنا"، ولمع في عينيه بريق الشماتة الشرير. 
من المكتب إلى المطعم ثم إلى البيت للأكل والإطعام السيدة أماليا. أخذه إلى الريف. لم يكن يعرف ماذا يريد أن يفعل به ولكنه سيفكر بالأمر فلديه متسع من الوقت. أكل بسرعة فهو يريد أن يلحق بفريسته بأقصر وقت. كانت السيدة أماليا حبيسة جسدها المشلول تستمع إليه وتدير عينيها في محجريهما وتتكلم بلغة المورس. لم يكن زوجها ينتظر منها رذا فاستمرّ في سرده دون أن ينظر إليها. لم يعد ينتبه إلى أي شيء في ذلك المنزل فلم يكن ينتظر أن يحصل أي شيء هناك لا خيرًا ولا شرّا، لا منه ولا من زوجته، فقد اعتاد على التغيير الذي وقع في المنزل كما تعتاد القدم على الحذاء الجديد. سار على الطريق الذي سار عليه في الليلة الماضية ذهابا وفي صباح ذلك اليوم إيابا. كانت السيارة تنساب بهدوء على شريط الشارع الأسود الذي اعتاد "بعد قليل حاجز الضرائب القديم، بعد بضعة كيلومترات محطة الوقود، بعد المنعطف إشارة الوقوف، بعد المقبرة الطلوع...". كان يسير هكذا، نقطة ثم نقطة، ويداه مرتخيتان على المقود وكتفه متكئة على النافذة بينما أخذت أشباح الأشجار والتلال تتلوّن بلون الأرض 
108 

وأمسى نور السماء يميل إلى الزرقة. بين الغابات وفي الوديان كان يسير بالسيارة جانب أراض مهجورة هنا وهناك برفقة هدير المحرك. كانت كانت تتقافز أمام عينيه وكأنها تهوي على رأسه، كأطفال يلعبون، إشارات المرور ومقصورات الكهرباء وعوارض ممرّات السكة الحديدية المرفوعة وأغصان الأشجار المتدلية على أطراف الشوارع. من بعيد كانت تبدو الأدوات الزراعية مغروسة في الأرض وقد علاها الصدأ، ثم الدور الزراعية، وهنا وهناك بقرة هزيلة، وكانت كل الأشياء تبدو وكأنها تتجه نحو روما، ينقلها بساط متخرك رويدًا رويدًا. عندما أوقف السيارة أمام ذلك الكوخ الذي يملكه توقف كل شيء أمامه. ترجل وأحس بقلبه يركل قفصه الصدري بعنف ويطلب منه أن يعود 
أدراجه. 
بقي واقفا ينظر إلى باب الكوخ ويتفحص الموقف. 
لم يتردّد، تناول رافعة العجلات من تحت مقعد السيارة وأخرج المفاتيح من جيبه. فتح الباب ودخل واضعا ذراعه أمام عينيه كمن يتقي انهيار جدران الكوخ عليه. 
القاتل مازال هناك، طبعا، ومازال مربوطا بإحكام إلى الكرسي، لكن الكرسي لم يكن في مكانه، فقد استطاع الشاب في لحظة استفاق فيها من غيبوبته أن ينحني إلى الأمام ويقع على الأرض ثم يجرّ نفسه بضعة أمتار والكرسي على ظهره وكأنه بيت السلحفاة، لكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من ذلك، فهاهو ملقى على الأرض تعتريه الحمّى خائر القوى بين علب الدهان الناشف. 
اقترب جوفاني بحذر شديد ولعلّه بالغ بحذره نظرًا للفارق الكبير بين القوى. 
109 

انتفض القاتل فجأة وتحشرج وفتح عينيه ليرى بريقا كذلك البريق الذي رآه وغطى وجهه بالدم وأفقده وعيه. 
لقد خبطه جوفاني خبطة أخرى أصابته ملء وجهه فتدفق الدم غزيرًا أصاب يد جوفاني. لم يهتم جوفاني بالأمر بل أمسك بالكرسي من قوائمه وسحبه عند العمود حيث وضعه في الليلة السابقة ثم رفع الكرسي فتلؤث قميصه وجاكيته. كان الدم ينهار من أنف المجرم المهشم أحمر قانيا. 
قطع جوفاني مترًا آخر من السلك المعدني وأمسك برقبة الشاب وربطها بالعمود وأدار السلك حولهما ثلاث أو أربع دورات ثم عقده بالكماشة بإحكام، وكلما شدّ السلك ازداد وجه القاتل انتفاخا وقد خنق السلك أوردة عنقه. 
أخيرًا توقف جوفاني. 
كاد الشاب أن يختنق فلا يستطيع أن يتنفس إلا بصعوبة من أنفه، فالدم يكاد يخنقه فيخرج من منخريه بفقاعات حمراء، والسعال لا يجد منفذا فيحاول النفاذ من العينين. 
نظف جوفاني أنف الشاب بالقطن والكحول وأرخى من شدّة السلك 
ممير 
تلوّن وجه القاتل بألوان لا إنسانية تتناوب فيه بقع صفراء، بنفسجية، زرقاء بلون البحر العميق تظهر وتغيب، وعند الشهيق يتسع المنخران حتى يصبحا غشاءين رقيقين، وبرزت عروق رأسه حتى بانت كل تفرّعاتها وانفجرت الشعيرات عند عظمتي الوجنتين فشكلت بقعة داكنة واسعة. اعترته فجأة نوبات اختلاج واضطراب وتشنج كمن مشه تيار كهربائي. الانسان . تنفس جوفاني الصعداء ونظر إلى حالته، كانت يداه ملوّنتين بالدماء 
110 
يجع 
عة 

وكذلك قميصه وسترته. سينظف كل شيء بهدوء وعناية. خلع سترته ثم أمسك باسفنجة قديمة، غسلها وفرك بها سترته ثم وضعها على السرير لتنشف، ثم بدأ بتنظيف قميصه دون أن يخلعه. بعد ذلك جعل يرتب مستودع القاذورات ذلك كرية بيت ماهرة. وأصلح قائمة طاولة مكسورة ورجل مقعد كذلك. 
جلس ووضع نظارته على عينيه وأمسك بالقلم الرصاص ومجلة 
ودقات الساعة. كانت تلك دلائل الحياة في ذلك المكان. 
111 

مرّت بضعة أيام وبضع ليال. المكتب ثم البيت والقلق دائم. أيام وليال لا تاريخ لها، فارغة. 
في المرة التالية دخل الكوخ بثقة، أغلق الباب واقترب من القاتل: مازال يتنفس. أمسك بالكماشة ورويدًا رويدًا أدار السلك الحديدي الملتف حول عنق الشاب نصف دورة أخرى. انقطع شخيره لوهلة ثم عاد أكثر حدّة وأقل تسارعا وأثقل وقعًا. 
نظف جوفاني المكان ورتبه ووضع الأشياء التي أحضرها من المنزل في مكانها الجديد، استبدل الفرشة العتيقة بفرشة. جديدة. استلقى على السرير يستريح عشر دقائق ثم غير بطارية ساعة الحائط وألقى نظرة أخيرة - .وانطلق عائدًا إلى بيته 
تتابعت الأيام على هذه الوتيرة لفترة والقاتل لا يموت. 
بعد بضعة أيام أصبح الذهاب إلى الريف عودة منه والعودة منه أصبحت ذهابًا. 
أصبح يكلّم زوجته بشكل أقل دائمًا وبدأ يكلم القاتل بشكل أكثر، والمتكلم دائمًا هو وحده. 
أصبح له معارف جدد في البازار. 
مرّت الأيام باعتياد هادى: المكتب والبيت والدكانا المكتب هو نفسه كما كان دائمًا، البيت أصبح كالدكان، أما الكوخ في الريف فقد أصبح بمثابة البيت. 
1 13 

بضع معاملات في المكتب، غذاء خفيف وعشاء خفيف ونصف دورة لشدّ السلك المعدني حول عنق القاتل. يوم الأحد راحة مع أماليا ومع الكلمات المتقاطعة. ذات يوم بينما كان جوفاني يخطط لترتيب الحديقة حول الكوخ بزراعة أشجار ونباتات خفف تنفس الضحية شيئا فشيئا كلعبة تتوقف شيئا فشيئا عندما يرتخي الزنبرك. كان جوفاني خارج الكوخ يقوم بجولة تفقدية وعندما انتبه إلى حلول الظلام عاد إلى الداخل. نفض الغبار عن ملابسه ولبس سترته وقبل أن يذهب اقترب من القاتل - .ولمسه: كان باردًا كصفيحة معدنية "لقد مات"، قال لنفسه. أن يتحرّك. ثم بدأ بالنشيج، بكى وبكى من رأسه حتى قدميه. انتبه فجأة لدموعه فناح بشكواه وأطفأ في أحقاده الانفعال الذي دفعه إلى البكاء. في الظلام قطع السلك المعدني الذي يربط الجثة إلى الكرسي وإلى العمود. خرج وقد تكوّر حتى أصبح صغيرًا صغيرًا كنملة وذهب إلى جانب البركة ليحفر حفرة. عاد وسحب الميت من رجليه خارجا حتى الحفرة. قبل أن يدفعه إليها نظر إلى وجهه للمرة الأخيرة: كان أشدّ بياضا من القمر الذي يضيئه . "غريب"، فكر: "كل الأموات يبدون عجائز، مهما كانت أعمارهم. كلهم عجائز". ثم أهال التراب عليه وشرع يتقافز ويخبط الأرض بقدميه ويحاول 
114 

تسويتها قليلاً، ثم عاد مسرعا إلى الكوخ. دون وعي منه أعاد الفوضى التي كانت تعم المكان قبل المغامرة. كسر رجل الطاولة التي كان قد أصلحها ورجل المقعد كذلك ونقل الأشياء من أماكنها وقلب العلب الفارغة ونزع البطاريات من الساعة. ركب السيارة العتيقة كمن يريد وداع العالم كله وليس كمن يعود إلى بيته. انطلق دون أن يدع المحرّك يسخن قليلاً وسار بسرعة بين حفر الطريق الترابي وأحجاره. كان الليل مازال مخيمًا لكن حدّة الظلام شابتها بوادر حقيقة الصبح التالي فبدأت رؤوس مداخن المعامل المهجورة، وبعد انعطاف دائري بدت أكواخ قائمة مبعثرة في السهل الذي كشفه بدء انجلاء الظلام وجلاء السماء. عظامه في مكان دافى ولحمه بارد وعيناه مسلوقتان. في الطريق نحو المدينة، بوعي أو دون وعي، بتمعن أو دون تمعن، راغبا أو غير راغب، بدأ يقتنع أنه قد نجا من وضع كان من الممكن أن يسوء إلى أسوأ. لكن الوسواس كان يوسوسه كلّما ابتعد أكثر عن الكوخ واقترب من المدينة: هل قام بالعمل جيدًا عند البركة؟ ألم يدفن الميت قريبًا من السطح ؟ إن مرّ كلب من هناك فيكفي أن ينبش قليلاً حتى تظهر جثة الميت. كاد جوفاني أن يموت عندما عنّت له تلك الفكرة ولكنه لا يستطيع أن يعود أدراجه فهو غير قادر بتاتا على ذلك وليست لديه القوّة لذلك ومن ناحية أخرى يجب أن يذهب إلى المكتب ! "سأعود في الأيام القادمة، في أقرب فرصة، عندما أكون هادى الأعصاب، سأقوم بعمل مرتب مئة بالمئة!" 
115 

ذهب إلى المكتب وهو في اضطراب. في المصعد امتدّت إليه يد برزت عروقها، هزته من كتفه وأعادته إلى أرض الواقع. "مرحبا فيفالدي". كان ذلك صوت زميل يبدو كالجثة لشدة هزاله، وقد تدلى من تحت عينيه كيسان من الدهن ونزلا على خذيه كشرابتين. "مرحبا سوبينو كيف حالك؟" هرّ رأسه ولسان حاله يقول: "حالي مصيبة"، ثم اقترب من أذن جوفاني وهمس له: "علي أن أدفع كمبيالية حان وقت تسديدها"، ونظر إلى زميله يترقب ردّ فعله وهو مفعم بالأمل واليأس معا. كان جوفاني ذلك اليوم مشغول الفكر إلى درجة لا تسمح له أن يعامل الزملاء كالمعتاد. عندما وصل المصعد إلى الطابق الرابع خرج وهو يقول له ألا يهتمّ وأن يداري أحواله الصحية. لم يمرّ ليشرب القهوة عند طوتي فقد كان قلقا على مسألة الدفن، وبين كل أولئك الزملاء يشعر كأنه حبة بطاطا. عندما دخل الغرفة قال له أحدهم بصوت جاد: "الرئيس ينتظرك لأمر عاجل". تلك جوفاني عند باب غرفة الرئيس كعادته في مثل هذه الحاله التي اكتسبها طوال سنوات، شدّ عقدة ربطة عنقه عند القبة وشدّ أطراف سترته كي تبدو أطول مما هي ثم تصنع عدم الاكتراث. قرع الباب وفتحه بما يكفي لإدخال رأسه. "من؟"، قال الدكتور. 
117 

"أنا، فيفالدي!" كان الدكتور سباتسياني جالسا وراء مكتبه الجميل وقد أحنى رأسه حتى لاصق أنفه الغلاف الأسود لدفتر وضعه على طاولة المكتب ويداه في شعره المدهن المبعثر، ينفض القشرة عن رأسه باهتمام. "تعال، تعال هنا"، قال له دون أن يرفع رأسه بل استمر في عملية تنظيف رأسه بإصرار. تقدّم جوفاني بضع خطوات وهو ينظر إلى رأس رئيسه الكبير وشعره المبعثر دون أن يراوده أي إحساس. "أغلق الباب"، أمره. "آ، عفو"، قال جوفاني وأغلق الباب. اقترب من المكتب وجلس أمامه وهو يشعر بالضياع. أما الدكتور سباتسياني فلم يقرّر أن يرفع رأسه. "اعذرني ولكن يجب علي أن أنفض القشرة من حين لآخر. هذا عمل ضروري". "تفضل، تفضل"، أجاب جوفاني وهو يشعر بالفراغ وينظر إلى هطول ذلك الندف الأبيض على الدفتر الأسود وعلى الطاولة خارج الدفتر. "كيف حالك يا جوفاني"، ومد يده المليئة بالزيت نحو مرؤوسه. شدّ جوفاني اليد الممدودة إليه وقد راوده شعور بالارتياح بعد سماع صوت صديقه ورئيسه الودود. "نصف على نصف. هل أرسلت في طلبي؟" أخيرًا رفع الدكتور سباتسياني رأسه. "أخبار طيبة، عزيزي جوفاني"، قال مبتسمًا: "اعتبارًا من الغد تستطيع أن تستمتع بالتقاعد". 
118 

لم يصدر عن جوفاني ردّ الفعل الذي كان ينتظره الدكتور سباتسياني، "أخيرًا... أنا سعيد"، اكتفى بالإجابة. سباتسياني، في أثناء ذلك، حدّد الهدف ووضع إصبعه الوسطى على الطاولة واصطاد قطعة قشرة كبيرة بحجم قطعة نقود. "انظر كم هي كبيرة هذه القطعة"، قال ذلك وحدّق في قطعة القشرة بحب وكراهية. رفع جوفاني مؤخرته عن الكرسي ومدّ رقبته نحو الإصبع الممدودة كي يرى أحسن، رمى الدكتور سباتسياني تلك القاذورة تحت الطاولة. "هنيئا لك يا جوفاني"، قال بحزن وهو ينفض الدفتر مرارًا على حافة سلة المهملات. "تصوّر ما أجمل ذلك. أنت تذهب أين يحلو لك وكل شهر تصلك النقود إلى بيتك، هكذا، مجانا". تنفس جوفاني عاليا بشيء من نفاذ الصبر. أخرج رئيس المكتب من درج الطاولة مشطا مشط به شعره بينما كان يتمعن في صمت مرؤوسه. "إذن ؟ ألست مسرورًا؟" تلكاً جوفاني. "في الواقع يؤسفني أن أترك المكتب. لقد اعتدت عليه". "كلام فارغ"، قال سباتسياني بقوة: "سترى كيف ستكون سعيدًا وأنت مرتاح"، وأخرج من الدرج نفسه علبة من القصدير الأخضر مليئة "أنت محظوظ"، قال له وهو يضع الكريم فوق أذنيه: "أنت لوحدك تقريبًا، مصاريفك قليلة وتستطيع أن تعيش كالأغنياء". "هل يزعجك إن جئت لزيارتك من حين لآخر؟"، سأله جوفاني على استحياء. 
119 

نظر الدكتور سباتسياني إليه بانفعال وقد غمره شعور إنساني عميق. "كلما تريد. جوفاني، أنت تعرف كم أعزك". وقام عن كرسيه وفتح ذراعيه. فز جوفاني واقفا ودار حول المكتب وارتمى على صدر رئيسه. "كان أبي يقول لي"، ناح الدكتور سباتسياني: "أحب من يحك، حتى لو كان كلبا". ابتعد جوفاني عنه واستجمع شجاعته ونظر في عينيه. "شكرا"، قال بصوت متهدج. اتجه نحو الباب وقبل أن يخرج شكره مرّة أخرى. فتح الدكتور سباتسياني ذراعيه كالخوري وقال: "الامتنان هبة من يتلقى... ماذا أعطيتك أنا؟ لا شيء". "شكرا على كل حال"، قال جوفاني المتواضع وخرج. 
عاد إلى غرفته مطأطى الرأس وهناك وجد مجموعة من زملائه المقرّبين ينتظرونه ومعهم زجاجة شامبانيا وكووس من ورق. 
"هل رأيت؟ لقد وصلت أخيرًا إلى التقاعد"، افتتح أحدهم سلسلة عبارات المجاملة. 
"سنشتاق إليك كثيرًا! لقد قدّمت خدمات كبيرة للوزارة ! ستنال مكافأة كبيرة كتعويض لنهاية الخدمة !" 
وهكذا تتوالى عبارات المجاملة والتهنئة ثم العناق والقبلات وإلى ما هنالك من الاحتفاء وشرب الأنخاب. 
"صحة. بصحتك". في النهاية قدّموا له ميدالية ذهبية "ذكرى من الزملاء"، قالوا له. 
120 

ل المقي 
اعتبارًا من ذلك اليوم، كل النقود التي أعطاها للدولة خلال عشرات السنوات والتي اقتطعتها الدولة من راتبه ستعود إلى صاحبها الشرعي. 
لقد بدأت فترة الراحة التي استحقها. كان قد دخل العمل موظفا - .وهاهو يتركه متقاعدًا 
قام برحلته الأخيرة من المكتب إلى البيت وقد تخدّرت حواسه، وكان بين الحين والأخر ينظر إلى نفسه وهو يقود سيارته الفيات العتيقة برعونة المتقاعدين، دون وعي منه. 
مرّت ساعات بعد الظهر بلمح البصر وبصمت شبه كامل وهو جالس أمام جهاز التلفزيون الذي يذكره بالأيام التي قضاها جالسا أمام التلفزيون بهدوء دول أن يفكر بشيء ودون أن يخرج من المنزل وقد اعترته الحمى قليلاً وعلى بطنه قربة الماء الساخن ليخفف من ألم المغص. 
لم يعد حلما أن يعيش من دخل دون عمل، وفي حالته هذه، الدخل أكيد وثابت في موعده بشكل حسابي كما لم يكن أي شيء في حياته. ولكي يتمتع بهذا الدخل ليس لديه ساعات بعد الظهر فقط بل لديه اليوم كلّه صباحا ومساءً. ما عليه إلا أن يختار ماذا يريد أن يفعل وأن ينتشي بالحرية. 
لم يقل لزوجته شيئا. كان يريد أن يفكر بالأمر مليًا، يريد أن يرتب أفكاره فما زالت تدور في رأسه مخاوف الدفن اللعين الذي لم يقم به كما 
"يجب أن أعود هناك"، كان يقول لنفسه: "يجب أن أعود". 
في تلك الليلة أزاح عن كاهله فصل الواجبات المدنية والتضحيات 
والعمل وفتح باب عالم المتقاعدين الهادى. لكنه لم ينم براحة، كان يتقلّب 
من جانب إلى آخر في عالم مبهم، لا هو نوم ولا هو سهاد، تتنازعه أفكار 121 

ملحة وخوف صاحبه كل مرّة عشية حدث هام، مثل الخوف الذي كان يشعر به عندما كان طفلاً عشية عيد الميلاد بانتظار الهدية فلا يستطيع الغوص في عالم الأحلام السعيدة ككل ذي نفس حرّة، من شدّة تلهفه للفجر. كان خائفا من الحلم، كان يخاف أن يرى في حلمه، في عينيه 
المغلقتين، كلبا ينبش قبر القاتل. 
122 

كان ذلك الصباح يوم عيد مرّتين عند جوفاني فقد كان يوم أحد وأول يوم من أيام عطلة طويلة. لم تسمح له هذه المصادفة أن يثمن الهبة التي نالها بعدم الذهاب إلى المكتب. في المطبخ وجد إناء ما زال نظيفا كي يغلي فيه الحليب. خلال خروجه ودخوله من غرفة إلى أخرى كان يشتم تلك الرائحة الحمضية الحادّة التي تميز بيته. الرائحة في الصباح أقوى. تكونت هذه الرائحة خلال السنوات حتى أصبحت رائحة شخصية التصقت بجلده. كانت تفوح من الأقمشة ومن أدراج الخزانات ومن مسام الأثاث ومن الفراش ومن زجاج الأنوار ومن كل شيء: رائحة نفاذة لا تنفد. 
قبل أن يروي كل شيء لزوجته وقبل أن يطعمها طعام الفطور، فتح النوافذ كي يدخل النور والهواء. لم يكن نهارًا جميلاً، لابد أن هناك منطقة من المنخفض الجوي في السماء فوق حي توسكولانو. ترك الحليب يغلي عدّة دقائق للقضاء على الميكروبات. ثم ملأ فنجانا أبيض كبيرًا بالحليب ووضع فيه السكر وقطرات الدواء ثم وضعه على صينية من البلاستيك وتوجه نحو زوجته وعليه سمات الرجل النشيط وضع الطبق على رف خزانة الصحون وفتح درجا من أدراجها وأخذ 
123 

"لقد أحضرت لك الحليب. أماليا، هل تعرفين ما الجديد؟" انحنى فوق زوجته وقبلها على جبينها: "من اليوم فصاعدًا سنعيش من دخل بلا عمل"، استمرّ قائلاً. لكنه أصيب بضربة على دماغه: كانت أماليا باردة كطنجرة. رأى بعينية المتحجرتين جسم المرأة يميل ببطء إلى جهة واحدة كتمثال تحت تأثير القبلة التي طبعها على جبهتها، ثم يتهاوى على يد الكرسي. ثم شاهد الرأس يغلب تصلّب العنق ويتدلى في الفراغ. منذ المرّة الأخيرة التي نظر إليها مرّت قرون طويلة. ماتت أماليا، جالسة على كرسي، بصمت. بقي منها هيكل أخرس مسنود على كرسي الخيزران منذ زمن غير معروف. ماتت. كان وجهها وجه عجوز مسكينة. هطل على جلدها شيء ما بين الضباب والبودرة، وأظافرها أصبحت سوداء كأظافر الحلاقات، ونزلت "أماليا، لا"، صرخ جوفاني. فتح الباب على مصراعيه وخرج الى الدرج وصرخ بكل ما أوتي من قوة : "الحقوني، الحقوني، زوجتي ماتت ؟" اصفر وجهه وغاب عن الوعي وقد تبلّل بعرق بارد. طل كل الأجداد القاطنين في العمارة. بعضهم جاء ليساعد جوفاني، بينما عاد الآخرون إلى بيوتهم بعد أن فهموا ما جرى وآثروا أن يفسحوا المجال لبناتهم. تجمّعت النساء قرب باب الأرمل يرسمن علامة الصليب ويصلين. واحدة منهن، السيدة مرغريتا، تميّزت عن الأخريات لقوّة عزيمتها 124 

ومهارتها، وأعادت النظام إلى مدخل البيت، وبشكيمة الممرضة الخبيرة جعلت جوفاني يتمدّد على السرير وأبعدت كل النسوة الفضوليات. 
اتصلت بالطبيب الشرعي بالهاتف وطلبت منه أن يحضر ليتأكد من موت أماليا ثم اتصلت بالأبرشية وطلبت الخوري. 
أغلقت كل النوافذ. 
ذهبت إلى المطبخ وغرزت يديها في إناء الملح ورشته بسخاء على الأرض. 
جاءت بنصفى شمعتين وصحنين وأشعلت الفتيل وتركت الشمع ينساب على الصحنين عند قدمي الميتة التي مازالت جثتها مرميّة على 
في الحمام وجدت قليلا من العطر، نصف زجاجة ماركة "فلتشه أدزورة"، فحملتها ورشت العطر على جثة الميتة من رأسها حتى قدميها. 
أخيرًا جاءت قرب جوفاني الذي كان يبكي وقد تكوّر على السرير كالجنين. 
كلمات قليلة كما يتطلب الحال وبنبرة مهنية كمن يواسي لأن مهنته تقتضي منه ذلك. بكلمات قليلة، السيدة مرغريتا كانت تعرف كيف تتصرّف وفي ساعة الموت كانت قادرة على مواجهة الأمور. 
كانت مثل جوفاني تعرف أسرار المصائب كلها. لقد مرّت بها كل المصائب فليس هناك مصيبة لا تعرف كيف تواجهها وكيف تخرج منها دون أذى. لقد تجمّعت لديها التجارب المختلفة حتى أصبحت صاحبة خبرة في حالات المرض والموت والجنائز. 
في العمارة كان الجميع يعرفها فهي تعرف غرّ الابر وتغير العصابة وتحضير الحقن واستعمال أدوات التنظير المعوية. 
125 

كانوا يحبّونها ويحترمونها فهم جميعا يعرفون أنهم سيستقبلونها عاجلاً أم آجلاً في بيوتهم كما استقبلها جوفاني اليوم. اقتربت من الأرمل الحزين وحاولت إيقاظه من خدره وإعادته إلى واقع الحال. مرّرت تحت منخريه دخان قطعة قماش حرقتها، ولطمته ثلاث أو أربع مرّات على رأسه وعلى خديه، ووضعت تحت أنفه قارورة مزيل البقع كي يشم رائحتها ثم أعطته ملعقة خلل ليشربها. استفاق الرجل بين تأتأة وأنين وبدأ يستسلم للأمر الواقع وقد وضع رأسه بين يديه. كانت المرأة صلبة في عملها كممرضة ومنتبهة تلتقط بين كل ما يئن به المسكين تلك الكلمات التي تصدر عن النفس اليائسة دفاعا تلقائيا عن ذاتها حسب ما يقتضي قانون الاستمرار في الحياة الطبيعي، فتتلقف ما يقوله ليواسي نفسه وتدعوه أن يفكر بما يقول وماذا يعني بقوله وما لم يقله بعد. كانت تشجعه على إبراز لحظات الحقيقة تلك كي تعيده إلى أرض الواقع وتدخله شيئا فشيئا في حالته الجديدة كأرمل. وجد في نفسه، على غير توقع منه، القوّة كي يلقي نظرة أخرى على 
الميتة. أمسك بيد السيدة مرغريتا وشدّ عليها بقوة وسحبها معه حتى وصلا أمام الجثة. 
ذلك الشيء الذي كان يوما أماليا، كان بلا حراك في الظلام كتمثال السيدة العذراء جالسة بين شمعتين مضيئتين. 
أثارت رائحة العطر المنبعثة من ملابسها شفقة جوفاني فتلك الرائحة ذكرته بها حية وشابة، عندما كانت تذهب معه بكامل هندامها، يوم الأحد الأخير من كل شهر بعد الغذاء، ليأكلا البوظة مع القهوة عند فاسي في ساحة "فيتوريو". 
126 

كم كانت الحياة جميلة آنذاك. ما أجمل تلك الأيام ! 
جاء الطبيب الشرعي أولاً وسجّل موت السيدة فيفالدي ثم جاء الخوري وباركها بسرعة خارقة دون أن يلتقط أنفاسه وقد سدّ منخريه مخافة أن يغمى عليه من رائحة العطر الفائحة منها. مرّت اللحظات العصيبة، وبعد أن شرب جوفاني نصف دزينة من فناجين القهوة ساعد السيدة مرغريتا على نقل الجثمان إلى السرير، هي من القدمين وهو من الإبطين، ثم وضعاها فوق الغطاء. عندما رآها جوفاني ملقاة على السرير بلا حياة تأتاً كلمات بلا معنى وعاود العويل والبكاء وهو واقف لا يتحرّك ويداه إلى جانبيه. تركته السيدة مرغريتا ينفس عن كربه قليلاً ثم قادته بلطف خارج الغرفة وخطوة خطوة وضعته أمام الهاتف. "اتصل بالأهل وبالأصدقاء"، قالت له ووضعت دليل الهاتف أمامه. بحث جوفاني عن نظارتيه ووضعهما على عينيه وبدأ بالدكتور سباتسياني. "كن قويًا! كن قويا"، قال له رئيسه: "مسكينة... ولكن هكذا أحسن... لقد ارتاحت... هكذا أحسن... أحسن من أن تموت تحت عجلات القطار... هكذا أحسن... خذ مني ا" بين نحيب وآخر كان جوفاني يقول "نعم... نعم". بعد الدكتور سباتسياني اتصل جوفاني بزملائه في المكتب حسب ترتيب درجاتهم في العمل وكلهم واسوه وعزوه وحزنوا لأجله. "النفوس الكبيرة تقوى تحت ضربات القدر"، قالوا له. "من كل جرح يخرج القليل من الدم ويدخل الكثير من الحكمة". 127 

في تلك الأثناء كانت السيدة مرغريتا ترتب أماليا المسكينة وتلبسها أحسن ملابسها. وحيث أنه عندما لفظت الرمق الأخير كان ساقاها منفرجتين اضطرت مرغريتا أن تربطهما كي يبدو منظرها محتشمًا فربطتهما بزنار لباس المنزل وجعلت العقدة تحت فخذيها. وضعت الشمعتين على الأرض عند السرير ووضعت يدي الميتة متصالبتين على صدرها ووضعت بين أصابعها مسبحة. مشطت لها شعرها ورتبت لها هندامها ثم جثت على ركبتيها وصلت ثم خرجت على رؤوس أصابع قدميها. وجد لست جوفاني مازال أمام الهاتف متردّدًا: "أعتقد أنه لم يبق أحد"، "لا تشغل بالك"، أجابته: "إن نسيت أحدًا فتستطيع أن ترسل له برقية غذا. الآن يجب أن ترتب أمر الجنازة. يجب أن تذهب إلى وكالة لدفن الموتى. هناك واحدة لا تكلف كثيرًا ويمكن الدفع بالتقسيط، قريبة من هنا، مفتوحة يوم الأحد أيضا !" "شكرا يا سيدتي. إنك خيّرة حقا"، قال جوفاني. هكذا سار الرجل والمرأة نحو وكالة دفن الموتى. 
128 

طويلا. مفاجئة فهي تلي الموت كما يتلو الصبح الليل. "ستمطر"، كان جوفاني متأكدا من ذلك. كانت السماء حزينة مثله والجوّ مناسب للأفكار السيئة وفي ذلك الجوّ راودته ذكرى جثة القاتل... لكن الوقت غير مناسب لذلك فأعاد ذلك التخوّف إلى داخله. 
نزل الخوري أمام النعش الذي حمله جوفاني وثلاثة من رجال وكالة دفن الموتى على أكتافهم. خلف النعش سارت السيدة مرغريتا يتبعها الموظفون. 
"هل ترين يا أماليا؟"، كان جوفاني يقول لنفسه ولزوجته: "يا ليتك ترين كم من الناس يحثونك !" 
عندما خرج النعش من باب العمارة، سمع جوفاني صرير مصاريع الدكاكين القريبة وهي تنزل حدادًا على الميته فراوده شعور بالفخر. 
"من كان يتصوّر كل هذا؟"، قال لنفسه. 
129 

وضع النعش في سيارة نقل الموتى ثم وضعت عليه أكاليل الزهور ومخدّة من ورق الغار كتب عليها "الإخوان في المحفل الماسوني ذي الطقس الاسكتلندي العتيق والمقبول أرتورو طوسكانيني". 
ارتفعت رؤوس كثيرة تراقب السحب، ولكن لم يكن ما يستدعي القلق فالكنيسة قريبة والمسيرة لن تدوم إلا قليلاً. إنها الكنيسة نفسها التي كانت تذهب إليها السيدة أماليا أيام الآحاد ومنها كانت تأخذ الماء المبارك. 
وضع النعش على مسندين واطئين بين أربعة شمعدانات مشتعلة أمام الهيكل ووضعت عليه ملاءة سوداء طرزت على زواياها الأربع بخيط ذهبي 
أربع جماجم. ذهب الخوري ليضع مسوح الطقوس وجلس الأرمل والسيدة مرغريتا وكل الحضور في الصفوف الأولى. 
لم يكن في الكنيسة في تلك الساعة إلا بضع عجائز كن قد قرأن الإعلان الملصق على باب الكنيسة وعلمن بالقدّاس والجناز فحضرن وفيات كعادتهن. قرع الجرس جانب الباب عند الهيكل معلنا وصول الخوري. بدأ الخوري برفقة الخادمين الصغيرين يصعد الدرجات القليلة عند الهيكل وينزل منها ويتمتم عبارات مبهمة غامضة ثم يركع ويضرب على صدره ويصلب ويقبل الدرج وتزيينات مائدة الهيكل وملاءتها ثم يتوجّه نحو المؤمنين ويباركهم باسم الرب. أمسك بجلباب ثوبه الأسود وبيده الأخرى مفتاحا ذهبيًا صغيرًا فتح به نافذة كوّة صغيرة كانت وراء ستار أخرج منها الكأس الثمينة ورفعها فوق رأسه. استدار وفتح ذراعيه مُهدّدًا. كان جوفاني يتابع القدّاس وقد غرز قدميه في الأرض أكثر من شبر 
130 

وغمره شعور بالاغتراب عن نفسه وعن الدنيا. تقدّم الكاهن ووقف أمام النعش ليبدأ الخطبة. "ما أصغر الإنسان..."، بدأ خطبته. كانت السيدة مرغريتا قد قالت لجوفاني إن ذلك الخوري يعرف ما يفعل وأنه خدوم يقوم بكل ما يمكن القيام به للأبرشية وللمؤمنين. إنه إنسان طيب وكريم تقدّره السيدات المحسنات من وليات القدّيس فينتشنسو دي باولي. كانت الاشاعات المفترية تقول إنه يكره البابا حسدًا منه، لذلك كانوا يسامحونه إذا بدر منه بعض الغضب أو بعض الحقد فهو بهذه الخطيئة إنسان مثل غيره. "من الأفضل له أن يصبح قديشا مثل أبينا بيو"، كان يقول 
الشريرون. 
"ما أصغر بني الإنسان... يقضون حاجاتهم الجسدية والجنسية ويعملون كل كبيرة وصغيرة ثم يذهبون إلى العالم الأخر!" 
تحدث عن الضمير، عن الخطايا التي لا يستطيع إلا الله الحكم عليها وعن الظلم الفاضح لبني الإنسان وعن الفضيلة وعن الصلاة. 
لقد كان يعرف السيدة أماليا فقد كانت امرأة مؤمنة كريمة مثالاً للاخلاص للكنيسة والمبادئها. 
وكلما تكلم زاد حماسه ولوّن كلماته بألوان وجهه. 
لم يكن يُحاجج حول الهبات الإلهية بل حول ذنوب الناس وأخطائهم وظلمهم وجبنهم وأطماعهم وتفاهة أمور الدنيا وممالكها ودولها ورجالها. 
131 

كم من الذنوب والخطايا يضطر أن يسمع كل يوم في كرسي 
الاعتراف إ من يستطيع أن يصدر حكما على الناس وعلى ما يجري في بيوتهم سرا خيرا منه. 
لو كان يستطيع أن يصدر حكما شاملاً على خطايا الناس لدعا أن يغمر الطوفان الدنيا، لأصدر حكما نهائيا بالموت الشامل. 
ولكن هذه الأمور يقررها الرب، والرب واسع الرحمة يدعنا نعيش بسلام بانتظار أن نكفر عن خطايانا. 
لقد حانت الساعة، ساعة أماليا، وهاهي عارية أمام الله. ولا يبقى لأهلها وأصحابها إلا أن يصلّوا ويدعوا لها برحمة القاضي الأعظم. 
كان جوفاني كالإسفنجة الناشفة العطشى يتشرّب كل كلمة من كلمات الكاهن، تدخل في مسام جلده كما تدخل كل فواصل تلك الخطبة الحميمة الصادقة وكل نقاطها. 
132 

بعد المقبرة وبعد أن انتهت المرحلة الأخيرة من الطقس الجنائزي وجد جوفاني نفسه وحيدًا في البيت: ودّعته السيدة مرغريتا عند عتبة الباب وذهبت في حال سبيلها. أغلق الباب فكان له صدى كغطاء القدر الفارغة. اعتراه خوف من البقاء وحيدًا، لكنه حاول أن يتغلب على خوفه من ذلك البيت فطاف فيه دون أن يعرف أين يتوقف. رأى أن الطقس قد بدأ يفي بوعيده المكفهر الذي جاء به منذ الصباح الباكر، فقد بدأ بالهطول مطر مُتعب من أوّل قطراته. أخافه أن ليس له ما يعمله إلا أن يُفكر بها، بزوجته المسكينة وبنهاية الحياة. لم يجرو أن يفتح الخزانة مخافة أن يرى ملابس أماليا، لم يجرؤ أن يقترب من الجوارير كي لا يمسى ما مشت يداها الحبيبتان. كل هذا عذاب له: أن يبقى هناك صامتا وراشه محشو بأفكار قاتمة وبشوق أليم. ماالعمل إذن؟ الصلاة وحزن أكبر. في نهاية المطاف يستطيع أن يستخدم الشقة للنوم فقط لكنه بات يظن أنها غير صالحة حتى لذاك. بعد وهلة جاءت السيدة مرغريتا كي تطمئن على أحوال الأرمل الجديد. سألته كيف حاله وكيف حياة العزوبية. 
133 

سألته المرأة تلك الأسئلة بنبرة الخبير في مثل هذه المسائل والذي يعرف الجواب. "ليس بخير. كل شيء يذكرني بأماليا... أراها هنا وأراها هناك وهنالك !" "هذا طبيعي"، قالت وضربت يديها على فخذيها: "هنا ذكريات كثيرة وأشياء كثيرة لا فائدة منها... يجب أن تغير أماكن الأثاث، يجب أن تُعطي كل ما لا يلزم... هكذا يعمل الجميع ا" شمّرت عن ذراعيها وأمرت: "هيا إلى العمل ا" وضعا خزانة الملابس مكان خزانة الملابس الداخلية، أما الكراسي التي كانت تحت الشباك فقد نقلاها إلى جانب الباب، اللوحات التي كانت في غرفة النوم وجدت مكانا لها على حيطان غرفة الطعام، وصور غرفة الطعام ذهبت إلى غرفة النوم. الطاولة التي كانت في وسط غرفة الجلوس أسنداها إلى الحائط ووضعا مكانها سجادة تشبه السجاجيد العجمية، وضعا عليها طاولة خفيضة وثلاثة مقاعد. ثم فصلا أحد السريرين عن الآخر فأصبح السرير المزدوج سريرًا مفردا. وفي آخر المطاف جمّعا جانب الباب كل ما قررت السيدة مرغريتا بسلطة العارف بالأمر أنه لا حاجة له في ذلك البيت. بالطبع ستهتم هي بنقل الأشياء الزائدة بمساعدة ابنها. هكذا أخذت نصف السرير والشراشف المزدوجة وكرسي الخيزران الذي لم يعد جوفاني يستطيع النظر إليه وكل الملابس والأحذية والشالات والألبسة الداخلية للمرحومة أماليا. من المطبخ استولت على الحلل الكبيرة وكل الملاعق والشوك 134 

والسكاكين تقريبًا وأكثر الكؤوس والصحون والمقالي وتركت له فنجانا واحدًا من طقم فناجين القهوة. حمّلت على كتف ابنها الحمل الأخير وودعت جوفاني بعينين مُطمئنتين ولسان حالها يقول: "سترى أنّ كل شيء سيسير على ما يراما!" وهكذا كان، فقد أدّى هذا العلاج إلى نتائج سريعة: كفى تغيير أماكن الأثاث واختفاء آثار الماضي ظاهريًا على الأقل كي يشعر الأرمل بقليل من الراحة. كان ذلك المنزل منزله بلا أدنى شلك، ولكنه لم يكن يبدو كذلك بالمرّة. أدرك الآن، وبخزن أكبر، أنه أصبح بلا عائلة. واكتشف أيضا، في أعماق نفسه، أنه وإن لم يبق له من يحبه فليس لديه أي خوف. لن تصيبه بعد اليوم أية مصيبة. لم يعد لديه أحد يموت. لم يخدش قتامة مشاغله إلا أصوات حي "توسكولانو" تحت وقع المطر الذي انهمر غزيرا فجاة. تفجّرت عاصفة هوجاء حول العمارة. كان المطر ينهمر كالمزراب. شعر جوفاني ببرد مفاجى يعتري ظهره، دعاه صوت الرعد كي يقترب من النافذة. نظر إلى الشارع تحته ورأى الطوفان الذي يعذب المدينة. أنهار طافحة بالمياه تنهمر من الشرفات، كما يقع الماء من الحلل المقلوبة، وتتجه نحو مجار لا تستطيع أن تحتويها كلها وتتدفق على مسار سكة الترام حاملة الطين والنفايات. أصاب جوفاني شك تحول إلى هلع مخيف. "يا إلهيا"، هتف بصوت واطى محدثا نفسه "القاتل ! ... " لقد كان الخطر شديدًا، بل إن الكارثة آتية لا محال، ولن ينقذه منها حتى الرب نفسه. 


كان إذ ينظر إلى الشارع يرى كيف تضرب الماء جذوع الأشجار وتدور حولها كالدوّار. تخيّل حال شاطى البركة حيث يرقد القاتل الذي لم يدفنه جيدًا. كلما أبرقت السماء ارتسمت في حدقتي جوفاني صور مرعبة: يدا الضحية البيضاوان تنبتان كزهرتين دسمتين من تحت الأرض يغسلهما ماء المطر فتوضحان، الجثة تخرّج من الطين بفم مفتوح للغيوم يبصق ماء المطر بصوت هادى كما لو كان حيًا، ثم جماعة من أناس مُصفرّي الوجوه صامتين تحت مظلاتهم يحيطون بالجثة التي لفظتها الأرض. كل هذا نتيجة لغباء من دفنه. يجب التحرّك فورًا، يجب العودة هناك والاستيلاء على الجثة من جديد ودفنها دفئا جديدًا. هذه الضرورة الملحة أعطته القوّة كي يواجه العاصفة. سيعود في أسرع وقت، في تلك الليلة نفسها. وضع حذاءه الثقيل وتدثر جيدا ثم رفع سماعة الهاتف وخرج على رؤوس أصابع قدميه وهو يضع يده فوق جيبه ليطمئن لوجود مفاتيح البيت. أغلق الباب برقة واختفى. 
بينما كان جوفاني يقترب رويدًا رويدًا من الريف أدرك أن العاصفة كانت شديدة في منطقة "توسكولانو" أكثر من غيرها. 
لم تكن الحقول والحفر عائمة فعاودته شجاعته وهدأت نفسه. 
أدار السيارة باتجاه البركة وأوقفها على بعد بضعة أمتار من الحفرة التي دفن فيها القاتل. نزل ودار حول المكان. 
كان كل شيء في مكانه. السكون يعم الأرض، من فوقها ومن تحتها. لا أحد يُرى لمسافة بعيدة، لا إنسان ولا حيوان. 
رجع إلى السيارة وذهب إلى الكوخ حيث أخذ العدّة: المعول والمجرف. 
136 

اختار في حرش من أشجار التين البرية أكبر شجرة وبدأ العمل. كان ينوي خلع الشجرة وزرعها بالقرب من الكوخ. قام بعمله بالمجرف ويداه وقدماه غارقة في الوحل، أما المعول فلم يستخدمه إلا لقص الجذور الطويلة. بعد ساعتين خلعت الشجرة. جلس جوفاني على الجذع كي يسترد أنفاسه ثم سحب الشجرة مترًا بعد متر بصبر وأناة نحو الكوخ. كانت يداه وعنقه مجبولة بالطين وبحليب التين فلم يتوقف عن حكاكها. نظف نفسه بالعشب المبلول واستدعى قوّته وبدأ بالعمل الأشدّ إتعابا. حفر ثم حفر بكل طاقته، كان مطأطى الرأس وقدمه على المجرف وذراعها الخشبي تحت إبطه يُخرج التراب جرفة بعد جرفة، وبيديه الجريحتين ينزع أحجارًا كبيرة من حواف الحفرة ويرميها خارجها ويحفر عميقا وعميقا في الأرض. في هزيع الليل كانت الحفرة قد أصبحت كبيرة إلى درجة يستطيع فيها أن يضع فيها القاتل والسيارة أيضا. توقف، لم يعد يرى الكوخ وراء تلة التراب الذي أزاحه وكؤمه. صعد بصعوبة، وضع المجرف في السيارة وأسرع نحو المدفن عند شاطى البركة. حفر هنا أيضا لكنه أحسن على الفور تقريبًا بملابس الضحية المبللة . تحت يديه. أزاح الطين بأصابعه وبأظافره عن الجثة وأمسكها من القدمين وسحبها. "من هذا العمق"، فكر بينما كان ينظر إلى الجثة المرميّة في قعر 137 

الحفرة: "لن يُخرجه أي شيء ولا حتى الزلزال". ثم بدأ يغطي الحفرة جرفة بعد جرفة ورمى فيها الأحجار والصلصال. الحفرة وركز الجذور بالأحجار ثم طمر الحفرة وجمع حولها التراب. الان يستطيع أن يطمئن. استنمو شجرة التين وستظلل الفسحة أمام الكوخ خلال الصيف في السنوات القادمة. 
138 

عاد إلى البيت وقد قارب الليل نهايته. كان يرتجف من شدّة التعب ولا يقوى على الوقوف على قدميه. لقد كان عملاً مضنيا والآن يدرك أنه قد بالغ في التعب. مر ناحية أخرى، فى مثل هذه الأحوال، يصدق القول المأثور "العمل و اعة 1 وزاد في تفاوله اقتناعه أن أحدًا لم يره لا في ذهابه ولا في إيابه. كل من يعرفه يحسبه في بيته لا ينام تلك الليلة الأولى من الوحشة. وهكذا وكي لا يخاطر البتة بدأ يمشي في الغرفة دون أن يُشعل النور وبيده عود كبريت مشتعل. برقة كبيرة وضع سمّاعة الهاتف في مكانها ثم أوى إلى سريره. وجد صعوبة في العثور عليه فقد أصبح سريرًا مفردًا بعد أن كان مزدوجا ولم يكن فى مكانه الذي اعتاد عليه. أخيرًا لمسه بركبتيه فتنقس الصعداء: كان متعبا حقا. وجد المنامة فخلع ثيابه وهوى على الفور خائر القوى في سبات في الصباح التالي أحسل بحاله أحسن. فتح عينيه الساعة خمسة ونصف، نظر إلى النافذة المعتمة ثم إلى المنبه واستدار على الجانب الأخر 
139 

هكذا نام ساعة أخرى حتى الساعة السادسة والنصف أو السابعة إلا ربع عندما تسلل ضوء النهار عبر الشباك المغلق ليرسم على وجهه ظله. أخيرًا نهض. نظر إلى تلك الجدران الأربعة. جلس على كرسي كما لو كان في بيت شخص اخر. لاحظ أن ورق الجدران قد أصبح باهتا، فحيث كانت الخزانة كان ورق الحائط مزهرا أما حول ذلك المستطيل فكان أصفر مُدخنا. كانت خزانة الملابس الداخلية في مكانها الجديد تبدو شيئا آخر، وبدى له أن المنضدتين على طرفي السرير الصغير قد وضعهما خادم كنيسة فهو قد نام دائمًا على الطرف اليساري من السرير، أما الكرسيين الهزيلين بجانب الباب فكان منظرهما يحزنه. أغلق عينيه وتخيل غرفة نومه كما كانت ثم فتحهما ورأى فجأة أين كان، فى غرفة جديدة غير أنها الغرفة القديمة نفسها. أغلق عينيه وفتحهما مرّات عديدة. قام وذهب إلى المطبخ ليعدّ القهوة. وضع إناء القهوة على النار وأخرج الفنجان الوحيد ووضع فيه ملعقتين من السكر. تُم، بانتظار أن تجهز القهوة أمسك ببقية قلم رصاص وجده في أحد الأدراج وبدأ يجري بعض العمليات الحسابية من الضرب إلى الطرح على سنوات على سبيل الاحتياط وبضع سنوات أخرى للحيطة والحذر وأنقص منها عشرة بالمئة كحساب للخطأ. قد يعيش خمس عشرة سنة أخرى ولا يمكن أن يستثني أن يصل المئة سنة 140 

أما العشر سنوات فكانت أكيدة. 
ب ملأ جوفاني الفنجان ونفخ على حوافه بشفتين مزمومتين. كان ينفخ ويفكر أن صباحات السنوات الخمس عشرة التالية ستمر هكذا.