خرج هيركيول بوارو من مطعم فييل غراندمير إلى سوهر ,ورفع ياقة معطفه إلى عنقه من قبيل الحذر لا من قبيل الحاجة, إذ أن الطقس لم يكن بارداً تلك الليلة . وكأن لسان حاله يقول :"ولكن المرء _في مثل سني_ لا يجازف" 
كانت في عينيه سعادة ناعسة متأملة وكانت وجبة المأكولات البحرية في مطعم فييل غراندمير شهية . ذلك المطعم الصغير البسيط كان كسباً بالنسبة لبوارو الذي راح يمرر لسانه على شفتيه متأملا كالكلب الشبعان ثم أخرج منديله من جيبه ومسح به شاربيه . 
نعم , لقد تناول عشاء جيداً , فماذا يفعل الآن ؟ تبأطات سيارة أجرة كانت تمر بجانبه كأنها تدعوه للركوب .تردد بوارو قليلاً ولكنه لم يصدر أي أشارة ,فلماذا يستأجر سيارة ؟ إنه سيصل إلى بيته _على أيه حال_ في وقت مبكر عن موعد نومه. 
تمتم مخاطباً :" من المؤسف أن لا يستطيع المرء أن يأكل أكثر من ثلاث مرات في اليوم " ذلك أن الوجبة التي يتناولها الإنكليز مع الشاي عصراً كانت وجبة لم يستطيع بوارو التأقلم معها ,وكان ويشرح ذلك قائلاً:" إن تناول أي شئ عند الساعة الخامسة سيفقد المرء شهيته للعشاء , ويجب أن ننسى أن وجبة العشاء هي وجبة اليوم الفاخر" ولم يكن أيضاً معتاداً على شراب قهوة الضحى . لا , بل كان يفضل مشروب الشُكلاتة مع بعض المعجنات في وجبة الفطور , ثم يتناول الغداء في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف إن أمكنه ذلك , بشرط أن لا يتجاوز موعد الغذاء الساعة الواحدة .وأخيراً تأتي وجبة التتويج : العشاء. 
كانت تلك المواعيد هي لحظات الذروة في يوم هيركيول بوارو . كان رجلاً يأخذ حاجة معدته دائماً على محمل الجد , وها هو ذا يجني ثمار ذلك في شيخوخته . لم يعد الطعام متعة جسدية فحسب بل أصبح عملية بحث عقلية, لأنه كان _ بين الوجبات _ يبحث ويفتش عن مصادر جديدة للطعام الشهي . وكان مطعم فييل غرابدمير نتيجة إحدى عمليات البحث التي قام بها, وقد حظي هذا المطعم لتوه بقبول بوارو ورضاه. والآن بقي عليه _مع الأسف _ أن يقضي فترة المساء . 
تنهد هيركيول بوارو ,وفكر قائلاً لنفسه : لو أن هيستنغز كان موجوداً فقط! 
استغرق بسرور في ذكرياته مع صديقه القديم "إنه أول صديق لي في هذه البلاد ...ومازال أعز أصدقائي .صحيح أنه كان يغضبني أحياناً ,ولكن هل أتذكر ذلك الآن ؟ لا. إنني لا أذكر إلا تعجبه الساذج وتقديره_بفم مفتوح_لقدرتي ....البساطة التي كنت أضلله بها دون أن أنطق بكلمة واحدة غير صحيحة , وحيرته , ودهشته الهائلة وهو يدرك_في النهاية _ الحقيقة التي كانت واضحة جلية لي منذ البداية 
آه ياصديقي العزيز !إن نقطة ضعفي كانت دوماً حبي للمباهاة. تلك الصفة التي لم يفهمها هيستنغز أبداً. ولكن من الضروري جداً _ في الحقيقة أن يعجب رجل له مثل قدراتي بنفسه ... ومن أجل ذلك لابد له من محفز خارجي .إنني لاأستطيع ، لاأستطيع حقاً , الجلوس على كرسي طوال اليوم وأنا أفكر كم أنا مثير للإعجاب , فالمرء يحتاج إلى لمسة إنسانية . يحتاج _كما يقولون في هذه ا لأيام_ إلى التابع الذي تظهر بالنقيض معه عبقرية المرء. 
تنهد هيركيول بوارو وانعطف إلى شارع شافتسبري . أيقطع الشارع ويذهب إلى ساحة ليستر ليقضي مساءه في إحدى دور السينما؟ هز رأسه بالنفي وهو متجهم قليلاً,إذ غالباً ماكنت السينما تثير غضبه بسب ضعف حبكة أفلامها وقلة الترابط المنطقي في حواراتها . وحتى التصوير_الذي كان الكثيرون يسهبون في امتداحه _
لم يبدُ في نظر هيركيول بوارو إلا مجرد رسم لمشاهد وأشياء بحيث تبدو مخافة تماماً لحقيقتها في الواقع . 
رأى بوارو أن كل شئ غدا صناعياً هذه الأيام. لم يبق َ في أي مكان حب النظام والمنهجية اللذين يقدرهما بوارو عالياً, وكان نادراً ما يجد تقديراً للرقة والذوق الحساس الدقيق. كانت مشاهد العنف والوحشية الفظة هي الموضة السائدة , ولأن بوارو كان ضابط شرطة سابقاً فإنه سئم الوحشية . لقد شاهد الكثير من الوحشية الفظة في شبابه , إذ كانت تلك هي القاعدة وليست الاستثناء . وقد وجدها مرهقة وسخيفة . 
وعندما اتجه بوارو إلى بيته فكر قائلاً لنفسه:" الحقيقة هي أنني غير منسجم مع هذه العصر,وأنني (وإن بطريقة متفوقة ) عبد كغيري من الناس .لقد استعبدني عملي كما استعبدت الناس أعمالهم , فعندما تتوفر لديهم ساعة فراغ لايدرون ماذا يفعلون بها , 
فتجد المصرفي المتقاعد يمارس الغولف ,والتاجر الصغير يزرع الورود في حديقة منزله, أما أنا فإنني آكل . ولكن ها أنا ذا أعود إلى نفس المشكلة : إن المرء لايستطيع أن يأكل أكثر من ثلاث مرات في اليوم,وبين هذه الوجبات تكون الثغرات. 
مر بوراو بجانب بائع صحف ووقف قليلاً يستعرض العناوين :" نتيجة محاكمة ماغينتي . الحكم النهائي " . 
لم يثر ذلك اهتمامه , وتذكر _بشكل مبهم _ فقرة صغيرة قرأها في الصحف . لم تكن حالة قتل مثيرة , فقد قتلت امرأة عجوز بائسة بضربة على رأسها من أجل جنيهات قليلة , وكل ذلك جزء من الوحشية الفظة القاسية لهذه الأيام. 
دخل بوارو إلى ساحة المجمع الذي توجد به شقته . كعادته , امتلأ قلبه بالاستحسان للمجمع . وكان فخوراً ببيته , ذلك البناء الرائع المتناسق . وحمله المصعد إلى الطابق الثالث حيث توجد شقته الفاخرة المفروشة كنبات مربعة الشكل وتحفيات مستطيلة بشكل صارم تمام .يمكن القول _ بالفعل_ إن البيت يخلو من أي شكل منحن . 
وفيما هو يفتح الباب ويدخل الصالة المربعة البيضاء , تقدم خادمة جورج لاستقباله قائلاً: " مساء الخير يا سيدي .يوجد... سيد ينتظر مقابلتك " .ثم قام بمساعدة بوارو على خلع معطفه برفق. 
انتبه بوارو لتلك الوقفة الخفيفة جداً قبل كلمة سيد . لقد كان جورج خبيراً باعتباره ممن يكنون تقديراً مبالغاً به للمكانة الاجتماعية . 
سأله بوراو : حقاً؟ما اسمه؟ 
_رجل يدعى السيد سبنس يا سيدس. 
_سبنس. 
لم يعن هذا الاسم شيئاً بالنسبة لبوارو لأول وهلة , ومع ذلك أدرك أنه يجب أن يعنى شيئاً. 


وقف قليلاً أمام المرآة ليعدل شاربيه على درجة الكمال , ثم فتح باب غرفة الجلوس ودخل . ونهض الرجل الذي كان يجلس في إحدى الكنبات الربعة الكبيرة وقال: مرحباً يا سيد بوارو .أرجوا أنك تتذكرني ,لقد مضى وقت طويا .أنا المفتش سبنس. _بالطبع ! 
صافحه بوارو بحرارة .المفتش سبنس من شرطة كيلشستر. كانت تلك القضية مثيرة جداً.... قبل زمن طويل كما قال سبنس . 
عرض بوارو على ضيفه أنواعاً مختلفة من المرطبات , عصير الرمان , أو شراب النعناع ,أو الكاكاو الحار؟ وفي تلك اللحظة دخل جورج يحمل طبقاً عليه إبريق الشاي وقال: لعلك تفضل الشاي يا سيدي. 
تهلل وجه المفتش سبنس الأحمر الضخم وقال : نعم , هذا ما أفضله . 
وعندما قدم لسبنس كوب شاي سكب بوارو لنفسه كأساً من شراب النعنع الأخضر اللامع وقال : كم هو رائع منك أن تأتي لزيارتي !رائع .من أين جئت؟ 
جئت من كيلشستر . سأتقاعد خلال ستة أشهر, وقد استحق موعد تقاعدي عملياً قبل سنة ونصف , ولكنهم طلبوا مني البقاء في الخدمة ففعلت . 
قال بوارو بحرارة: لقد كان قراراً حكيماً ........... حكيماً جداً . 
_أحقاً ؟أشك في ذلك .لست متأكداً من صحة قراي . 
أصر بوارو قائلاً: بلى, لقد كانت حكيماً في قرارك. إنك لا تتصور الساعات الطويلة التي ستقضيها بملل وسام . 
_آه ,سيكون لدي الكثير من الأعمال عندما أتقاعد , فقد انتقلنا إلى بيت جديد في العام الماضي وفيه حديقة لا بأس بها ولكنها مهملة إلى حد معيب ,ولم يسعفني الوقت _بعد _ لأعتني بها بالشكل المناسب . 
_ آه ,نعم , أنت ممن يحبون ترتيب الحائق . أما أنا فقد قررت _مرة_ أن أعيش في الريف وأزرع الكوسا, ولكن محاولتي لم تنجح , ليس لدي الميل لذلك. 
قال سبنس متحمساً: كان يجب أن ترى ثمار الكوسا التي أنتجتها العام الماضي ,كانت عملاقة ! والأزهار أيضاً ... أنا مغرم بزراعتها , وسأحصل على ..... 
ثم توقف عن الحديث فجأة وقال : ليس هذا ما جئت للحديث عنه . 
_نعم, نعم, لقد جئت لترى صديقاً قديماً لك, وهذا لطف منك .إنني أقدر ذلك. 
_ أظن أن الأمر أكبر من ذلك يا سيد بوارو . سأكون صادقاً معك . إني أريد شيئاً. 
همهم بوارو بحذر: لعل بيتك مرهون ؟ وأنت تريد قرضاً..... 
قاطعة سبنس بصوت مرتعب: يا ألهي ! ليست المسألة مسألة مال ! لا شئ من هذا القبيل . 
_لوح بوراو بيديه معتذراً وقال: أرجوا المعذرة . 
_سأخبرك مباشرة . إن مجيئي إلى هنا وقاحة , ولن أستغرب إذا ما أخرجتني مذموماً.
_لن يكون ذم.أكمل . 
_إنها قضية ماغينتي .لعلك قرأت عنها؟ 
هز بوارو برأسه بالنفي وقال: لم أقرأ عنها باهتمام .السيدة ماغينتي .... امرأة عجوز في بيت أو دكان . وقد ماتت, نعم . كيف ماتت؟ 
حملق سبنس في بوارو وقال: يا ألهي !إن هذا يذكرني بالماضي .أمر غريب ,ولم أفكر به حتى هذه اللحظة . 
_ عفواً ,ماذا تقول؟ 
_لا شئ.مجرد لعبة .... لعبة للأطفال كنا نمارسها ونحن أطفال .كنا نقف معاً في صف واحد ويجيب الآخر , وهكذا نستمر إلى النهاية ."ماتت السيدة ماغينتي " "كيف ماتت؟" " متكئة على ركبة واحدة كما أتكئ أنا "ثم يسأل السؤال الثاني : "السيدة ماغينتي ماتت" ....." كيف ماتت؟" .. "مادة يدها كما أمدها أنا" .ثم نركع جميعاً رافعين أيادينا اليمنى .ثم يأتي السؤال: " السيدة ماغينتي ماتت" ..كيف ماتت؟" .وهوب... يسقط منَ في رأس الصف جانباً فنسقط جميعاً معه كحزمة من العيدان! 
ضحك سبنس بصوت عالٍ على هذه الذكرى وقال: لقد رجعتنى إلى الأيام الخوالي فعلاً. 
انتظر بوارو بأدب . كانت تلك لحظة من اللحظات إلي وجد فيها الانكليز غير مفهومين رغم أنه أمضى نصف حياته في إنكلترا. لقد كان يلعب ألعاباً كثيرة في طفولته , ولكنه لم يشعر برغبة في التحدث عنها, ولا حتى بالتفكير فيها. 
وعندما سيطر سبنس على انفعاله أعاد بوراو السؤال بأثر بسيط من السأم : كيف ماتت؟ 
زالت آثار الضحك عن وجه سبنس وعاد إلى طبيعته فجأة وقال : لقد ضربت على مؤخرة رأسها بأداة ثقيلة حادة, وقد أخدت مدخراتها التي تبلغ ثلاثين جنيهاً بعد أن تم تفتيش غرفتها . كانت تعيش وحيدة في بيت صغير , باستثناء مستأجر اسمه جيمس بنتلي . 
_ آه , نعم , بنتلي . 
_ لم يقتحم البيت بالكسر والخلع ، ولا آثار للعبث بالنوافذ والإقفال . كان بنتلي مفلساً, 
إذ فقد عمله , وتراكمت عليه أجرة شهرين . وقد عثر على الأموال مخبأة تحت حجر خلف المنزل , ووجدت على كم سترة بنتلي بعض الدماء والشعر . وكان الدم من نفس زمرة دم القتيلة , وكذلك الشعر من شعرها , ووفقاً لما قاله بنتلي في أول إفادة له فإنه لم يقترب أبداً من الجثة , ولذلك لا يمكن أن يكون الدم والشعر قد جاء إلى كمه بالمصادفة. 
_من الذي عثر عليها؟ 
_جاء الخباز إليها بالخبز في اليوم الذي يتقاضي فيه حسابه . وفتح له الباب جيمس بنتلي وقال إنه طرق باب غرفة نوم السيدة ماغينتي فلم يرد عليه أحد اقترح الخباز أنها قد تكون أصيبت بسوء,فطلبا من صاحبة البيت المجاور أن تصعد وترى. لم تكن السيدة ماغينتي في غرفة نومها , ولم تكن قد نامت في الفراش , ولكن الغرفة قد فتشت وتم خلع الألواح الخشبية عن أرضيتها . ثم فكروا بالنظر في صالة الاستقبال 
و فوجدوها هناك ممددة على الأرض ,وانفجرت جارتها بالصراخ بأعلى صوتها .ثم استدعى الشرطة بالطبع . 
_وهكذا ألقي القبض على بنتلي وقدم للمحاكمة , أليس كذلك؟ 
_بلى , وقد انتهت القضية في المحكمة العليا بالأمس , وكانت قضية مباشرة لا خلاف حولها . اجتمعت هيئة المحلفين لمدة عشرين دقيقة فقط , وكان الحكم أنه مذنب , وحكم عليه بالإعدام . 
أومأ بوارو برأسه وقال : وبعد ذلك , بعد صدور الحكم ,ركبتَ القطار وجئت إلى لندن لتقابلني .لماذا؟ 
كان المفتش سبنس جالساً يتأمل كوب الشاي .مرر إصبعه على حافة الكوب ببطء وقال: لأنني لا أحسب أنه ارتكب الجريمة ! 


الفصل الثاني 

.................................................. ........................... 
سادت لحظات صمت , ثم قال بوارو : لقد جئت إلي ........ 
لم يكمل بوارو الجملة . رفع المفتش سبنس بنظرة إلي الأعلى , وكان وجهه قد احمر أكثر من ذي قبل . أصبح وجهاً نموذجياً لرجل ريفي ,وجهاً متحفظاً خالياً من التعبير , ذا عينين حادتين ولكنهما صادقتان . كان وجه رجل ذي معايير ثابتة محددة ليس من شأنه أبداً أن تزعجه شكوك بنفسه أو شكوك في ماهية الصواب والخطأ. 
قال: لقد قضيت ُ زمناً طويلة في سلك الشرطة , ولدي خبرات طويلة ومتنوعة في مختلف الموضوعات , وأستطيع أن أحكم على الرجال كأي شخص آخر . وقد تعاملت مع حالات قتل أثناء خدمتي. كان بعضها مباشراً سهلاً, وبعضها الآخر لم يكن مباشراً بنفس الدرجة .وأذكر حالة تعرفها أنت يا سيد بوارو . 
أومأ بوارو برأسه موافقاً , ومضى سبنس يقول: كانت قضية معقدة , ولعلنا ما كنا 
لنرى الأمور بوضوح , ولم يكن في الموضوع أي شك . وينطبق الأمر على القضايا الأخرى التي لا تعرفها : ويسلر الذي قتل (وكان يستحق ذلك) , وأولئك الرجال الذين قتلوا العجوز غوترمان ,وفيرال وزرنيخه,ةترانتر الذي تمكن من أن ينجو من العقاب .... ولكنه قام بعمله بشكل جيد, والسيدة كورتلاند التي كانت محظوظة , فقد كان زوجها ضالا ً منحرفاً مما جعل هيئة المحلفين تبرئها ,ليس بدافع العدالة ... بل بسبب العاطفة . لابد للمرء أن يضع في الحسبان ورود مثل هذا الأمر بيت الحين والآخر . أحياناً لا تتوفر أدلة كافية , وأحياناً تتدخل العواطف ,وقد يستطيع قاتل أحياناً أن يوهم المحلفين ببراءته .... وهذه الحالة الأخيرة لا تحدث كثيرا , ولكنها يمكن أن تحدث. أحياناً يكون السبب التصرف ذكياً من الدفاع , أو بسبب استخدام الادعاء العام أسلوباً خاطئاً . نعم , لقد شاهدت حالات كثيرة من هذه النوع .ولكن ....ولكن........ 
لوح سبنس بسبابة ثقيلة وقال: أنا لم أشهد _طوال فترة خبرتي _ رجلاً بريئاً يُعدم لشيء لم يرتكبه, وهذا أمر لا أريد أن أراه يا سيد بوارو .ليس في هذا البلد. 
نظر بوارو إليه وقال: وأنت تظن أنك ستراه الآن ؟ ولكن لماذا؟ 
قاطعه سبنس قائلاً: أعرف بعضاً مما ستقوله , وسأجيبك عنه قبل أن تسأل . لقد كلفت بهذه القضية , وطُلب مني جمع الأدلة على ما حدث . استعرضتُ القضية كلها بكل دقة , وتوصلت إلى الحقائق ....جميع الحقائق التي استطعت التوصل إليها .وقد أشارت كل الحقائق إلى اتجاه واحد ..... إلى شخص واحد . وبعد أن جمعت الحقائق رفعتها إلى رئيسي , وبعد ذلك خرج الأمر من يدي, فقد رُفعت القضية إلى المدعي العام وأصبح القرار قراره , وقد قرر ملاحظة الرجل قضائياً . لم يكن بوسعه اختيار شيء آخر بعد كل تلك الأدلة .وهكذا اعتقل جيمس بنتلي وقدم للمحاكمة وتقررت إدانته , ولم يكن بالإمكان إصدار حكم آخر في ضوء الأدلة المتوفرة . وهيئة المحلفين لا تعتمد غلا على الأدلة , ولا أحسب أنهم قد شعروا بأي تردد أيضاً .نعم , أحسب أنهم كانوا جميعاً مقتنعين بأنه مذنب. 
_ولكنك ....... لست مقتنعاً؟ 
_نعم , غير مقتنع . 
_لماذا؟ 
تنهد المفتش سبنس وفرك ذقنه بيده الكبيرة متأملا ً وقال: لا أدري .ما أقصد هو أنني لا أستطيع إعطاء سبب ذلك...... سبب ملموس . لقد بدا لهيئة المحلفين وكأنه قاتل ,أما بالنسبة لي فلم يبدُ كذلك , وأنا أعرف عن القتلة أكثر بكثير مما يعرفون. 
_نعم ,نعن, أنت خبير . 
_أحد أسباب ذلك أنه لم يكن مختالاً .لم يكن مختالاً الإطلاق , ومن خبرتي فقد لاحظت أن القتلة عادة ما يكونون كذلك , يكونون دائماً مسرورين بأنفسهم , ويظنون أنهم يخدعونك , وهم متأكدون دائماً من أنهم أذكياء في كل ما فعلوه . وحتى عندما يكونون في قفص الاتهام حيث يجب أن تعلموا أنهم وقعوا , تجدهم ما يزالون يحسون بشيء من الإثارة الغريبة من الأمر كله .فا لأضواء مسلطة عليهم , وهم الشخصيات الرئيسة .......يلعبون دور البطولة,ربما لأول مرة في حياتهم .إنهم ... إنهم مختالون! 
قال سبنس كلمته الأخيرة بشيء من الحسم النهائي ,ثم قال : أنت تدرك ما أعنيه بذلك يا سيد بوارو . 
_أدرك ذلك جيداً. وهذا الرجل ,جيمس بنتلي .... ألم يكن على هذا النحو؟ 
_بل كان ...... خائفاً جداً فقط , خائفاً جداً منذ البداية . ومن شأن ذلك أن يدل _في رأي بعض الناس _ على أنه مذنب , أما أنا فلا أتخدع لذلك . 
_نعم , أوفقك الرأي .كيف هو , هذا السيد بنتلي ؟ 
_ إنه في الثالثة والثلاثين من عمره. وهو متوسط الطول , وشاحب البشرة , ويلبس نظارات ........ 
تدخل بوراو ليوقف استرسال محدثه قائلاً: لا ,لا أقصد صفاته الجسدية . ما نوع شخصيته ؟ 
_ آه شخصيته . 
فكر المفتش سبنس ثم قال: شخص غير جذاب , مرتبك التصرف , ولا يمكنه أن ينظر مباشرة في وجهك , وله طريقة جانبية ماكرة في النظر إليك . وهذا أسوأ نمط يمكن عرضُه على هيئة المحلفين . تجده أحياناً متذللاً متملقاً ,وأحياناً مشاكشاً متحدياً ويتوعد بطريقة لا يتقنها تماماً. 
سكت قليلاً ثم أضاف بأسلوب عرضي : إنه من النوع الخجول حقاً .لي ابن عم يشبهه في هذه الصفة , فإذا ما أفسد أمرا جاءك بكذبة سخيفة لا يمكن لأحد أن يصدقها. 
_لا يبدو صاحبك جيمس بنتلي جذاباً. 
_ آه , أبداً. لا يمكن لأحد أن يحبه , ولكني لا أريد أن أراه يعدم لأنه كذلك. 
_أو تظن أنه سيعدم ؟ 
_لا أرى ما يمكن أن يمنع ذلك. لعل محاميه يقدم استئنافاً , ولكن إذا حدث ذلك فستكون المبررات واهية جداً .... اعتماداً على نقطة فنية ما, ولا أرى لها فرصة النجاح . 


هل توفر له محامٍ جيد؟ 
_ لقد عين له المحامي يونغ غريبروك بموجب " قانون الدفاع عن الفقراء" .أحسبه كان حيّ الضمير وبذل قصارى جهده. 
_إذن فقد نال الرجل محاكمة عادلة و أدانته هيئة المحلفين من مواطنيه. 
_ هذا صحيح .كانت هيئة المحلفين ذات مستوى جيد , سبعة رجال وخمس نساء , وكلهم شخصيات شريفة معقولة .وكان القاضي هو العجوز ستانسديل. وهو شديد التحرز في إنصافه وليس ذا هوى . 
_أليس لدى بنتلي _إذن_ ما يشكو منه وفق القوانين . 
_إذا ما شنق لجريمة لم يرتكبها فسيكون له ما يشكو منه . 
_ملاحظة منصفة جداً. 
_وقد كانت قضية إدانته قضيتي أنا , أنا الذي جمعت الحقائق وقدمتها , وقد أدين بموجب تلك الأدلة والحقائق . وأنا غير مرتاح لذلك يا سيد بوراو... غير مرتاح . 
أطال بوراو النظر إلى وجه المفتش سبنس الأحمر المنفعل ثم قال: حسناً .ماذا تقترح؟ 
_ بدا سبنس محرجاً بشدة وقال: أحسب أنك قد عرفت تماماً الآن ما سيحدث. لقد أغلقت قضية بنتلي , وأنا الآن أعمل في قضية أخرى , قضية اختلاس .وعليّ أن أذهب إلى اسكتلندا هذه الليلة. لست رجلاً حر التصرف. 
_وهل أنا ..... كذلك ؟ 
و أومأ سبنس برأسه بخجل وقال: لقد غلبتني .ستظن أنها وقاحة بالغة مني , ولكني لا أستطيع أن أفكر بأي تصرف آخر... بأية طريقة أخرى.فعلت كل ما بوسعي في ذلك الوقت , درست كل احتمال ممكن ,ولم أصل إلى شيء , ولا أظن أنني سأصل إلى شيء أبداً . ولكن من يعلم ,ربما كان الأمر مختلفاً معك أنت, فأنت تنظر إلى الأشياء بطريقة غريبة ,وأرجوا المعذرة على هذا التعبير .ولعل تلك هي الطريقة التي ينبغي النظر بها إلى الأمور في هذه القضية , فإن لم يكن جيمس بنتلي قد قتلها . 
لا يمكن أن تهشم مؤخرة رأسها بنفسها . ولعلك تستطيع العثور على شيء لم أجده ليس من سبب يدفعك للعمل في ه1ه القضية , ومن الوقاحة البالغة أن اقترح عليك ذلك, ولكن هذا ما حصل , لقد جئت إليك لأن ذلك كان الشيء الوحيد الذي استطعت التفكير فيه , ولكن إذا كنت لا تريد إزعاج نفسك .....ولماذا عساك ترغب بذلك...... 
قاطعه بوارو قائلاً: ولكن في الحقيقة عندي أسباب. لديّ وقت فراغ ,وقت فراغ طويل , وقد أثرت َ اهتمامي .نعم , لقد أثرت اهتمامي كثيراً .إنه تحدًّ ....تحدًّ لخلايا الدماغي الرمادية الصغيرة . وبعد ذلك فأنا أكن لك احترماً , وبوسعي أن أتصورك وأنت تعمل في حديقتك بعد ستة أشهر ,مشغولاً ربما بزراعة الأزهار , وفيما أنت تزرعها لن تكون سعيداً كما يجب , لأن في خلفية عقلك ألماً أو ذكرى تحاول التخلص منها, ولن أحصل هذا الشعور ينتابك يا صديقي.أخيراً..... 
جلس بوارو منتصباً وأومأ برأسه بقوة وقال: " وأخيراً يوجد مبدأ في هذا الأمر. إذا لم يرتكب الإنسان جريمة قتل فلا يجب أ يشنق" وتوقف قليلاً ثم أضاف قائلاً : ولكن ماذا لو تبين في نهاية الأمر أنه هو الذي قتلها؟ 
_ في تلك الحالة سأكون شاكراً لك لاقتناعي بالأمر. 
_ ورأي اثنين خير من رأي واحد .أليس كذلك؟حسناً, انتهى الأمر. سأكرس نفسي للعمل في هذه القضية . من الواضح عدم وجود وقت نضيعه, فقد بهتت آثار الجريمة أصلاً. متى قُتلت السيدة ماغينتي ؟ 
_ في الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. 
_إذن دعنا ندخل فوراً في حقائق القضية . 
_ لدي ملاحظاتي الخاصة عن القضية وسأضعها بين يديك. 
_ حسناً! نحن الآن بحاجة إلى الصور العامة فقط . إذا لم يقتل جيمس بنتلي السيدة ماغينتي فمن الذي قتلها ؟ 
رفع سبنس كتفه حيرة وقال بحزن : لا أحد بقدر ما أرى. 
_ ولكننا لا نقبل هذه الإجابة .بما أن دافعاً يقف خلف كل جريمة قتل , فما هو الدافع في حالة السيدة ماغينتي ؟ الحسد , الانتقام , الغيرة , الخوف ,المال ؟ أنبدأ بالدافع الأخير والأسهل ؟ من الذي استفاد من موتها؟ 
_لم يستفد أحدٌ كثيراً. كان لديها مئتا جنيه في بنك الادخار وقد آلت إلى ابنة أختها.
_إن مبلغ مئتي جنيه ليس كبيراً , ولكنه قد يكون كافياً في ظروف معينة , لذلك دعنا نفكر في أمر ابنة أختها.أعتذر _يا صديقي _ لأنني أتبع نفس خطاك ,فأنا أعرف أنك قد فكرت بكل هذه الأمور , ولكني مضطرٌ لأن أراجع معك ما سبق تمهيده في هذا الحقل. 
أومأ سبنس برأسه الكبير وقال: لقد درسنا وضع ابنة الأخت طبعاً .إنها امرأة متزوجة في الثامنة والثلاثين من عمرها. زوجها يعمل رساماً في مهنة البناء والديكور , وهو رجل ذكي ليس بالحمق المغفل وذو شخصية جيدة وعمله مستقر . وهي شابة مرحة ,تميل للثرثرة قليلاً, وتبدو محبة لخالتها باعتدال. ولم يكن لأي منهما حاجة ماسة لمئتي جنية , رغم أنهما فرحا تماماً بالحصول عليها كما أظن. 
_ماذا بشأن البيت الصغير ؟ هل يحصلان عليه؟ 
_لقد كانت القتيلة مستأجرة لا غير , وبموجب " قانون محددات الإيجار" لم يكن بوسع صاحب العقار إخراج العجوز منه .أما الآن فقد ماتت ,ولا أظن أن بمقدور ابنة أختها السكن فيه. وعلى أية حال فإنها وزوجها لا يريدان ذلك, فلديهما بيت صغير حديث من البيوت التي توزعها البلدية , وهما فخوران جداً به . 
ثم تنهد سبنس وأضاف : لقد درستُ حالة ابنة أخت وزوجها عن كثب , فقد بدا أنهما أفضل مرشحين كما سترى ,ولكني لم أستطيع العثور على شيء ضدهما. 
_حسناً ,دعنا نتحدث الآن عن السيدة ماغينتي نفسها. صفها لي ..... ليس من الناحية الجسمية فقط إذا سمحت . 
ابتسم سبنس و قال:ليس وصف الشرطة هو ما تريده , أليس كذلك؟ حسناً , كانت في الرابعة والستين من العمر , وكان زوجها يعمل في قسم الخياطة في محلات هودجيز في كيلشستر ومات قبل سبع سنوات على أثر إصابته بذات الرئة, ومنذ ذلك الحين اعتادت السيدة ماغينتي أن تخرج يومياً للعديد من البيوت في المنطقة للقيام ببعض الأعمال البيتية .إن بروديني قرية صغيرة أصبحت مؤخراً منطقة سكنية . يسكن فيها 

واحد أو اثنان من المتقاعدين , وأحد الشركاء في ورشة هندسية , وطبيب, وغير ذلك . وتوجد خدمة حافلات وقطارات جيدة بينها وبين كيلشستر , وعلى بعد ثمانية أميال منها تقع كولينكيه التي تعتبر مصيفاً كبيراً, ولكن بروديني نفسها مازالت ريفية وجميلة , وهي تبعد نحو ربع ميل عن الطريق العام المؤدي إلى درايماوث وكيلشستر . 
أومأ بوراو برأسه ,فيما مضى سبنس قائلاً: كان منزل السيدة ماغينتي أحد البيوت الربعة التي تشكل مجمل القرية .ويوجد مكتب بريد ومحل للقرية , ويسكن عمال الزراعة في البيوت الأخرى. 
_ وقد أسكنت عندها مستأجراً؟ 
_نعم. قبل موت زوجها كانت تستقبل نزلاء لفترة الصيف فقط, وبعد وفاته أخذت تكتفي بنزيل واحد دائم , وكان قد مر على إقامة جيمس بنتلي عندها بضعة أشهر. 
_وهكذا نصل إلى........ جيمس بنتلي ؟ 
_كان آخر عمل جيمس بنتلي مع أحد المكاتب العقارية في كيلشستر , وقبل ذلك كان يعيش مع والدته في كولينكيه . كانت والدته مقعدة وكان يقوم على رعايتها ولا يخرج كثيراً .ثم توفيت , وتوفي بوفاتها الرتب السنوي الذي كانت تتقاضاه . ولذلك باع ابنها البيت الصغير ووجد له عملاً .إنه رجل ذو تعليم جيد , ولكن ليست لديه مؤهلات أو قابليات خاصة. وكما قلت لك , فإنه ذو سمت مُنفّر. وجد صعوبة في الحصول على عمل . ولكن شركة بريثر أند سكاتل منحته عملاً , وهي شركة من الدرجة الثانية تقريباً.لا أحسبه كان متميزاً أو ناجحاً بشكل خاص، وعندما قامت الشركة بتخفيض عدد موظفيها كان هو ممن فقدوا أعمالهم , ولم يستطع العثور على عمل آخر , ونفدت أمواله . اعتاد أن يدفع للسيدة ماغينتي أجرة غرفته كل شهر , وكانت تقدم له وجبتي الإفطار والعشاء لقاء ثلاثة جنيهات أسبوعياً , وهو سعر معقول عموماً. كان قد تأخر عن دفع الأجرة مدة شهرين , ولم يجد عملاً آخر, وكانت السيدة ماغينتي تطالبه بما استحق عليه من أجور. 
_ وهل كان يعرف أن لديها ثلاثين جنيهاً في البيت ؟ لماذا كانت تحتفظ بثلاثين جنيهاً في البيت بالمناسبة , طالما أن لها حساباً في بنك الادخار؟ 
_ لأنها لم تثق في الحكومة . قالت إن الحكومة حصلت على مئتي جنية من أموالها , 
ولكنها لن تحصل على المزيد و وإنها ستحتفظ بذلك المبلغ حيث يكون في متناول يدها عندما تشاء . أخبرت بذلك شخصاً أو شخصين , وكان المبلغ تحت لوح خشبي مخلوع في أرضية غرفة نومها .... مكان واضح جداً . وقد اعترف جيمس بنتلي بأنه كان يعرف بوجود المبلغ هناك. 
_ هذا فضل بالغ ٌ منه . هل كانت ابنة أختها وزوجها يعلمان بذلك أيضاً؟ 
_ نعم. 
_ ها قد عدنا إلى أول سؤال طرحته عليك. كيف ماتت السيدة ماغينتي ؟ 
_ ماتت في ليلة الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) , وقدر الطبيب الشرعي وقت وقوع بين الساعة السابعة والعاشرة مساءً .كانت فقد تناولت عشاءها المكون من سمكة وخبز و زبده, وتشير جميع المعلومات إلى أنها كانت تتناول عشاءها نحو الساعة السادسة والنصف .ولئن كانت قد التزمت بذلك تلك الليلة , فإن الدليل الطبي المتعلق بمستوى الهضم يشير إلى أنها قُتلت مابين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة .أما جيمس بنتلي فقد أفاد بأنه كان خارجاً يتمشى مابين الساعة السابعة والربع والتاسعة. كان يخرج للمشي كل مساء تقريباً بعد حلول الظلام , ووفقاً لروايته هو, فقد رجع إلى البيت في نحو التاسعة (وكان لديه مفتاح خاص به) وصعد فوراً إلى غرفته ( وكانت السيدة ماغينتي قد ركبت مغاسل في غرف النوم لاستخدام زوار الصيف ) . قرأ لمدة نصف ساعة ثن أوى إلى فراشه, ولم يسمع أو يلاحظ شيئاً 
خارجاً عمن المألوف . وفي صباح اليوم التالي نزل إلى الطابق الأول ونظر إلى المطبخ فلم يرَ فيه أحداً, ولم يرَ ما يدل على إعداد الإفطار . قال إنه تردد قليلاً ثم طرق باب السيدة ماغينتي فلم يحصل على إجابة , فظن أنها ما تزال مستغرقة في نومها , ولم يشأ الاستمرار في طرق الباب. ثم جاء الخباز فذهب بنتلي وطرق الباب مرة أخرى , وبعد ذلك ذهب الخباز_ كما قلت لك _ إلى البيت المجاور وأحضر سيدة تُدعى السيدة إليوت , وهي التي عثرت أخيراً على الجثة فكادت تفقد عقلها. كانت السيدة ماغينتي ممدة على أرض الصالة , وكانت قد ضُربت على مؤخرة رأسها بأداة تكاد تشبه ساطور اللحم ذات حافة حادة جداً .وقد قتلت على الفور . وكانت الأدراج قد فتحت , والأشياء قد بعثرت , واللوح المرتخي في الأرضية قد خلع , وكان المخبأ تحته فارغاً. كانت النوافذ كلها مغلقة من الداخل , ولم توجد آثار لعبت بأقفالها أو كسر أو اقتحام من الخارج. 
قال بوراو : لذلك إما أن يكون جيمس بنتلي هو القاتل ,وإما أنها قد أدخلت قاتلها بنفسها إلى البيت أثناء غيابه. 
_بالضبط . لم تكن عملية سرقة أو سطو .والآن :من هو _ يا ترى_ الذي يمكن أن تدخله إلى بيتها؟ أحد جيرانها أو ابنة أختها أو زوج ابنة أختها ؟ هذه هي النقطة الرئيسة. لقد استبعدنا الجيران , وكانت ابنة أختها وزوجها في إحدى دور السينما في تلك الليلة . من الممكن..... من الممكن فقط أن يكون أحدهما قد غادر السينما خلسة وركب دراجة لمسافة ثلاثة أميال وقتل العجوز ثم خبأ الأموال خارج البيت وعاد إلى السينما دون أن يلاحظه أحد .لقد درسنا هذا الاحتمال ولم نجد ما يؤكده , وإن كان الأمر كذلك فلماذا يخبئ المال خارج بيت ماغينتي ؟ سيكون من الصعب عليه أن يأخذه فيما بعد. لماذا لم يخبئه في مكان آخر على الطريق الممتد ثلاثة أميال . لا, إن السبب الوحيد لإخفاء الأموال في المكان الذي كانت فيه هو......... 
أكمل بوارو الجملة عنه: هو أن القاتل يعيش في البيت , ولم يشأ أن يخبئها في غرفته أو في أي مكان داخل البيت . أي أننا نعود في الحقيقة إلى جيمس بنتلي . 
_ هذا صحيح . أينما ذهبت وكيفما حللتَ تجد نفسك أمام بنتلي. وأخيراً كان الدم على كمه. 
_كيف فسر ذلك؟ 
_ قال إنه تذكر احتكاكه بمحل جزرا لدى مروره أمامه في اليوم السابق .مجرد هراء , فلم يكن الدم دم حيوان . 
_ وهل تمسك بهذا التفسير؟ 
_لا, بل روى في المحكمة قصة مختلفة تماماً. فقد كانت على كم معطفه شعرة أيضاً.... شعرة ملطخة بالدم , وكانت الشعرة مطابقة تماماً لشعر السيدة ماغينتي , وكان عليه تفسير ذلك. اعترف _وقتها_ أنه دخل إلى الغرفة في الليلة السابقة عندما رجع من نزهته. قال إنه دخل بعد أن طرق الباب فوجد السيدة ماغينتي هناك ممددة على الأرض ,ميتة. وقد انحنى ولمسها ليتأكد من حالتها . ثم فقد صوابه , فقد كان دوماً يتأثر لرؤية الدم , فذهب إلى غرفته منهاراً يكاد يغمى عليه . وفي الصباح لم يستطع حمل نفسه على الاعتراف بأنه يعرف ما حدث. 
علق بوارو قائلاً: قصة مريبة جداً. 
قال سبنس : " أنها كذلك بالفعل" . ثم أضاف متأملاً: ومع ذلك فقد تكون صحيحة . إنها ليست مما يمكن للإنسان العادي (أو حتى لهيئة المحلفين) تصديقه, ولكني أناساً على هذا النحو . أنا لا أقصد قصة الانهيار ,بل أقصد أولئك الذين يواجهون موقفاً يتطلب منهم عملاً مسؤولاً فلا يستطيعون مواجهته .فلنقل إنه دخل فعثر عليها ميتة . 
إنه يعرف أن عليه أن يفعل شيئاً : أن يتصل بالشرطة,أو يذهب إلى أحد الجيران , أو يقوم بالتصرف الصحيح كائناً ما كان . ولكنه جبُنَ وترك المر , قال لنفسه: لست بحاجة لمعرفة شيء عن الأمر , وما كان ينبغي لي أن آتي إلى هنا الليلة . سأذهب إلى فراشي وكأنني لم أدخل إلى هنا أبداً " وبالطبع فإن خلف ذلك كله الخوف, الخوف من الاشتباه في تورطه في العملية . لقد ظن أنه سيُبعد نفسه عن القضية أطول وقت ممكن , وهكذا تورط هذا الساذج الغبي في المر حتى أذنيه . من الممكن أن يكون هذا ما حدث. 
قال بوارو متأملاً: ممكن. 
_أو أنها لا تعدو أن تكون أفضل قصة فكر له بها محاميه! تقول النادلة في مقهى كيلشستر_ حيث كان يتناول غداءه عادة_ إنه كان دائماً يجلس على مائدة بحيث يكون نظره متجهاً إلى حائط أو زاوية, بحيث لا يرى الناس . لقد كان من هذا النوع من الرجال , فيه شيء من غرابة الأطوار, ولكن لايبلغ به ذلك درجة القتل . ليست لديه عقدة اضطهاد أو شيء من هذا القبيل . 
نظر سبنس إلى بوارو بشيء من الأمل ,ولكن بوراو لم يستجب له, فقد كان متجهماً,
وجلس الرجلان صامتين لبعض الوقت.