الفصل الثالث 
وأخيراً خرج بوراو من استغراقه بزفرة وقال: حسناً,لقد فرغنا من دراسة دافع المال . دعنا ننتقل لدراسة نظريات أخرى . أكان للسيد ماغينتي أعداء؟ هل كانت خائفة من أحد؟ 
_لا دلائل تشير إلى ذلك . 
_ ماذا قال جيرانها؟ 
_لم يقولوا الكثير. وما كانوا ليخبروا الشرطة بالكثير , ولكني لا أحسبهم أخفوا شيئاً. قالوا إنها كانت منطوية على نفسها , ولكن هذا يعتبر طبيعاً تماماً . إن قرانا _يا سيد بوارو _ لا تتسم بالود والاجتماعية , وقد لاحظ ذلك اللاجئون الذين تم إخلاؤهم أثناء الحرب. كانت السيدة ماغينتي تقضي سحابة النهار مع الجيران, ولكن العلاقة لم تكن حميمة. 
_كم سنة عاشت هناك؟ 
_ أظنها قضت هناك نحواً من ثمانية عشر عاماً أو عشرين . 
_ وماذا عن سنواتها الأربعين قبل ذلك؟ 
_ما من ألغاز في حياتها . إنها ابنة مزارع من نورث ديفون , وقد عاشت مع زوجها فترة من الزمن في إلفراكوم ثم انتقلا إلى كيلشستر. استأجرا بيتاً في الجانب الآخر من القرية , ولكنه كان رطباً فانتقلا إلى بروديني . ويبدو أن زوجها كان هادئاً ومستقيماً ورقيقاً, ولم يكن من النوع الذي يتردد على الحانات . كل ما في حياتهما محترم وواضح , ما من ألغاز ولا أسرار. 
_ومع ذلك قُتلت؟ 
_ومع ذلك قُتلت ؟ 
_ألا تعرف ابنة أختها أحداً يحمل ضغينة لخالتها؟ 
_قالت إنها لا تعرف . 
فرك بوارو أنفه بغيط وقال: لعلك تدرك_يا صديقي العزيز_ أن من شأن هذه القضية أن تكون أسهل بكثير لو أن السيدة ماغينتي لم تكن السيدة ماغينتي إذا صح التعبير. لو أنها كانت تسمى " المرأة الغامضة" ...لو كانت امرأة ذات تاريخ . 
قال سبنس بعناد: ولكنها لم تكن كذلك , بل كانت السيدة ماغينتي وحسب . امرأة لا تكاد تكون متعلمة , تؤجر الغرف وتخرج للخدمة في البيوت . يوجد الآلاف من أمثالها في طول إنكلترا وعرضها. 
_ولكنهن لا يُقتلن جميعاً. 
_نعم ,أوفقك الرأي . 
_ إذن لماذا تُقتل السيدة ماغينتي ؟ الجواب الواضح غير مقبول لدينا, فماذا يبقى؟ ابنة أخت مبهمة غير محتملة , وغريب أكثر إبهاماً وأبعد احتمالاً . الحقائق؟ دعنا نلزم جانب الحقائق المجردة . ما هي الحقائق ؟ خادمة عجوز تُقتل , وشاب حيي جلف يُعتقل ويدان بجريمة القتل . لماذا اعتقل جيمس بنتلي ؟ 
حدق سبنس إليه وقال: للأدلة التي كانت ضده . لقد أخبرتك.... 
_نعم ,الأدلة . ولكن أخبرني يا صديقي , أكانت أدلة حقيقية أم ملفقة؟ 
_ملفقة؟ 
_ نعم ... إذا سلمنا بفرضية براءة جيمس بنتلي يبقي لدينا احتمالان . إما أن تكون الأدلة ملفقة عمداً لإثارة الشكوك حوله , أو أنه كان مجرد ضحية عاثرة الحظ بسبب الظروف . 
_ليست لدينا أدلة تشير إلى صحة الاحتمال الأول ,ولكم ليست لدينا أيضاً أدلة تنفي صحته . أخذ المال وأخفي خارج البيت في مكان يسهل العثور عليه . إن إقدام القاتل على إخفاء الأموال في غرفة بنتلي سيكون أمراً أوضح من أن يصدقه الشرطة . ارتكبت جريمة القتل في وقت كان فيه بنتلي يتنزه وحيداً خارج البيت كالمعتاد .هل أتت بقعة الدم إلى كمه بالكيفية التي وصفها في المحكمة , أم كان ذلك مدبراً أيضاً؟ هل اصطدم به أحدهم في الظلام ولطخ كمه بدليل موح وحاسم ؟ 
_أظن أن هذا مًستبعد قليلاً يا سيد بوراو. 
_ربما , ربما .ولكن علينا أن نتوسع في افتراضاتنا . أعتقد أن علينا _ في مثل هذه القضية _ أن نذهب أبعد مما يستطيع خيالنا أن يقودنا لرؤية الطريق بوضوح , لأنه إذا كانت السيدة ماغينتي _يا صديقي سبنس _ مجرد خادمة عادية فإن القاتل لا بدأن يكون استثنائياً.نعم ... هذه نتيجة منطقية .إن اهتمامنا في هذه القضية ينصب على القاتل وليس على القتيلة , والحالة لا تكون هكذا في معظم الجرائم ,إذ عادة ما يكمن لب القضية في شخصية القتيل . إن الموتى الصامتين هم الذين أهتم بهم عادة . أهتم بما كانوا يكرهونه, وما كانوا يحبونه , وما كانوا يفعلونه. وعندما تعرف حقاً شخصية الضحية فإنك تجدها تتكلم وتنبس شفتاها الميتتان بالاسم... بالاسم الذي تريد معرفته. 
بدا على سبنس شيء من عدم الارتياح , وبدا وكأنه يقول لنفسه : يا لهؤلاء الغرباء!
مضى بوراو قائلاً: ولكن الصورة معكوسة في هذه القضية . إننا هنا ننطلق تخميناتنا على شخصية مجهولة ... على شخص مازال مختفياً في الظلام . كيف ماتت السيدة ماغينتي ؟ ولماذا ماتت؟ أنت لن تجد الجواب في حياة السيدة ماغينتي , بل ستجده في شخصية القاتل . هل توافقني في هذه النقطة؟ 
قال المفتش سبنس بحذر: أظن ذلك. 
_ما الذي أراده أحدهم ؟ أن يقضي على السيدة ماغينتي ؟ أم أن يقضي على جيمس بنتلي ؟ 
أطلق المفتش سبنس همهمة مرتابة, فيما مضى بوارو قائلاً: نعم ,نعم . هذه واحدة من أولى النقاط التي يجب أن تُحسم . من هو الضحية الحقيقي؟ ومن كان الضحية المقصودة؟ 
قال سبنس غير مصدق : أتظن حقاً أن من شأن امرئ أن يقتل امرأة مسالمة تماماً لمجرد جعل شخص آخر يُعدم بتهمة القتل ؟ 
_ يقال إن المرء لا يستطيع صنع العجة دون أن يكسر بيضاً. ربما كانت السيدة ماغينتي هي البيضة , وكان جيمس بنتلي هو العجة . 
لذلك أخبرني : ماذا تعرف عن جيمس بنتلي ؟ 


_لا أعرف الكثير عنه . كان والده طبيباً , وقد توفي عندما كان جيمس في التاسعة من عمره. والتحق بإحدى المدارس الحكومية الصغيرة , ولم يكن يصلح للخدمة العسكرية لمرض في صدره , وقد عاش مع أم مسيطرة مستحوذة. 
قال بوارو : توجد احتمالات معينة فيما تقوله...... أكثر من الاحتمالات الموجودة في تاريخ حياة السيدة ماغينتي . 
_هل تعتقد جدياً بما تقول؟ 
_ لا. أنا لا أؤمن بشيء حتى الآن , ولكني أقول إن أمامنا خطين منفصلين للبحث والتحري , وإن علينا أن نقرر _ في أقرب وقت _ الخط الصحيح الذي يجب أن تسلكه . 
_كيف ستشرع في هذا الأمر يا سيد بوارو ؟ أيوجد ما أستطيع عمله ؟ 
_ أولا ً , أريد مقابلة جيمس بنتلي . 
_ يمكن ترتيب ذلك, سأتصل بمحاميه. 
_وبعد ذلك, وبناء على نتيجة المقابلة ( إذ خرجنا بنتيجة, وأنا لست متفائلاً) سأذهب وبمساعدة الملاحظات التي سآخذها منك, سأستعرض _بأسرع ما يمكن_ الأمور التي سبق لك استعرضها . 
قال سبنس بابتسامه كئيبة:لعلي أكون قد أغفلت شيئاً. 
_بل أُفضل القول: لعل بعض الأمور تثير انتباهي بطريقة تختلف عما أثارته لديك. إن ردود الفعل البشرية تختلف , وكذلك الخبرة الإنسانية . إن تشابهاً بين رجل مصرفي وآخر صانع صابون كنتُ أعرفه في منطقة ليغ أدى مرة إلى نتيجة مُرضية تماماً, ولكن لا حاجة للدخول في هذا الموضوع . إن ما أريدها لآن هو استبعاد أحد المسارين اللذين ذكرتهما فبل قليل .وإن استبعاد المسار المتعلق بالسيدة ماغينتي (ولنسمه المسار رقم1) سيكون أسرع وأسهل من معالجة المسار رقم 2 و الآن ,أين يمكنني أن أقيم في بروديني ؟ أيوجد فيها فندق يحقق الحد الأدنى من الراحة ؟ 
_ يوجد هناك نُزُل ثري داكس , ولكنه لا يقدم خدمات النوم . 
وفندق لامب في كولافون على بعد ثلاثة أميال , وأيضاً نُزُل في بروديني نفسها . إنه ليس نُزُلاً حقاً , مجرد بيت ريفي بالٍ يملكه زوجان شابان يستضيفان فيه النزلاء , ولا أظنه مريحاً جداً . 
أغمض بوارو عينيه ألماً وقال : إن لم يكن من المعاناة بدُّ فلتكن , فلابد من ذلك. 
تابع سبنس بارتياب وهو ينظر إلى بوارو : لا أدرى بأي صفة ستذهب إلى هناك ؟ بوسعك أن تدعى أنك مغني أوبرا , وقد ذهب صوتك مؤقتاً بحيث اضطررت للاستراحة.قد ينجح ذلك. 
قال بوارو بلهجة ملوكية: سأذهب بصفتي الحقيقة. 
استقبل سبنس هذا التصريح بزمّ شفتيه وقال : أتحسب ذلك تصرفاً محموداً ؟ 
_بل أحسبه جوهرياً .نعم , جوهري .تذكر_ يا صديقي_ أن الوقت هو العامل الحاسم في عملنا . ما الذي نعرفه ؟ لاشيء. ولذلك فالأمل الوحيد والأفضل هو أن أذهب إلى هناك متظاهراً بأنني أعرف الكثير , وعندما سيقال مقتنع إنني أنا( هيركيول بوراو ,هيركيول بوارو العظيم والفريد) غير مقتنع بقرار المحكمة في قضية ماغينتي , وإن لدي أنا( هيركيول بوارو ) حدسٌ يكاد يكون مصيباً بحقيقة ما حدث. وبذلك سيكون ظرف لا يقدر قيمته إلا أنا فقط.هل فهمت؟ 
_ وبعد ذلك؟ 
_وبعد ذلك , بعد أن أثير التأثير المطلوب, سأراقب ردود الأفعال ,إذ ستظهر ردود أفعال بالتأكيد ...... ستظهر ردود أفعال . 
نظر المفتش سبنس بقلق إلى الرجل الضئيل وقال: اسمعني يا سيد بوارو ,لا تذهب إلى هناك وتعرض نفسك للمخاطر . لا أريد أن يمسك مكروه. 
_ولكن إذا مسني مكروه فسيثبت أنك على حق دون أدنى شك, أليس كذلك؟ 
قال المفتش سبنس : لا أريد إثبات ذلك بهذه الطريقة المكلفة 
.............................................. 
الفصل الرابع 
.............................................. 
نظر هيركيول بوارو حوله إلى الغرفة التي يقف فيها بتقزز شديد . كانت غرفة رحبة الأبعاد , ولكن جاذبيتها تنتهي عند هذا الحد , وتجهم وجهه وهو يُجري إصبعاً مرتابة على طول سطح خزانة كتب, فقد وجد شكوكه في محلها ....... تراب! ثم جلس بحذر على أريكة فانخسفت لوالبها المكسور تحته , فأدراك أن الكنبتين باهتتي اللون أفضل نسبياً من الأريكة . زمجر كلب الشرس المنظر يجلس على كرسي رابع مريح قليلاً , وكان بوارو يشك بإصابة الكلب بالجرب. 
كانت الغرفة كبيرة وعلى جدرانها ورق باهت اللون , وعلى الجدران علقت_بشكل مائل_ منقوشات فولاذية ذات موضوعات كريهة,مع لوحة أو لوحتين زيتيتين جيدتين .أما قماش الكراسي فكان قذرا ًوباهتاً في الوقت ذاته , وقد كثرت الثقوب في السجادة التي لم يكن نقشها جميلاً أصلاً ، وتناثرت أشياء كثيرة متنوعة هنا وهناك في الغرفة .وكانت الطاولات تتأرجح على نحو خطير , وقد فتحت إحدى النوافذ ولم يبدُ أن قوة في الأرض تستطيع إغلاقها , أما الباب الذي كان مغلقاً مؤقتاً فلم يكن من المحتمل أن يبقى هكذا طويلاً . المزلاج لا يثبت, ومع كل هبة ريح ينفتح الباب ليدخل الهواء البارد ويلف الغرفة . 
قال بوارو وهو يراثي كثيراً لنفسه :إنني أعاني .نعم , إنني أعاني. 
وفجأة فُتح الباب ودخل الهواء والسيدة سمرهيز معاً . أجالت نظرها في الغرفة ثم صرخت لشخص بعيد:" ماذا؟", وخرجت. 
كان للسيدة سمرهيز شعر أحمر ووجه منمش على نحو جذاب, وكانت دوماً في حالة من الشرود الذي يتوزع بين وضع الأشياء في أي مكان وبين البحث عن تلك الأشياء. 
نهض بوارو مسرعاً وأغلق الباب , وبعد لحظات قصيرة فتح الباب وظهرت السيدة سمرهيز مرة أخرى, وهي تحمل _هذه المرة_ وعاءً معدنياً ضخماً وسكيناً . 
سُمع صوت رجل ينادي من بعيد : مورين ,لقد مرضت تلك القطة مرة أخرى .ماذا أفعل؟ 
نادت السيدة سمرهيز تجيبه: أنا قادمة يا عزيزي ,لا تلمس شيئاً. 
وضعت الوعاء والسكين أرضاً وخرجت مرة أخرى .ونهض بوارو وأغلق الباب من جديد قائلاً: إنني أعاني بكل تأكيد. 
وقفت سيارة خارج البيت , فقفز الكلب الضخم عن الكرسي ورفع نباحه الأجش, ثم قفز على طاولة صغيرة بجانب النافذة فانهارت الطاولة محدثة صوتاً عالياً, فقال بوارو : يا ألهي !شيء لا يحتمل . 
فُتح الباب واندفع الهواء إلى الغرفة , وانطلق الكلب خارجاً وهو ينبح , وجاء صوت مورين عالياً وواضحاً: جوني , لماذا تركت الباب الخلفي مفتوحاً بالله عليك ! لقد دخلت تلك الدجاجات إلى مكان حفظ الأغذية . 
قال بوارو بحزن : أمن أجل هذا أدفع سبعة جنيهات أسبوعياً؟ 
فتح الباب من جديد محدثاً دوياً , وسمع من النافذة صوت قرق الدجاجات الغاضبات .ثم فتح مرة أخرى ودخلت مورين سمرهيز وانكبت فوق الوعاء وهي تصرخ فرحاً: لم أدر أين تركتُه. 
هل سيزعجك كثيراً يا سيد ....... أقصد هل أزعجك إذا قطعت الفاصولية هنا ؟ إن رائحة المطبخ كريهة. 
_سيسعدني ذلك يا سيدتي . 
لعل هذا العبارة لم تكن دقيقة و ولكنها كانت قريبة لما أراده بوراو , فخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية كانت هذه أول مرة تتاح فيها لبوراو فرصة للتحدث مدة تزيد ست ثوان. 
جلست السيدة سمرهيز على أحد الكراسي وبدأت تقطع الفاصولية بنشاط محموم وبكثير من عدم المهارة .قالت : أتمنى أن تشعر بالارتياح . أخبرني إن كنت تريد تبديل شيء. 
كان بوارو قد أصبح مقتنعاً بأن الشيء الوحيد الذي يمكنه احتماله في لونغ ميدوز هو مضيفته .أجاب بأدب : أنت شديدة اللطف يا سيدتي . أتمنى لو كان بوسعي أن أؤمن لك خادمة مناسبة . 
صرخت السيدة سمرهيز : خادمة ؟ يا لها من أمنية ! أنا لا أستطيع حتى تأمين خادمة نهارية. لقد قتلت خادمتنا التي كانت جيدة حقاً , وهذا من سوء حظي . 
قال بوارو : لابد أنها السيدة ماغينتي . 
_ نعم , كانت السيدة ماغينتي .يا ألهي و كم أفتقدها ! لقد كان قتلها حدثاً مثيراً وقتها . إنها أول حالة قتل تحدث في القرية , وكما قلت لجوني فإن ذلك كان من سوء حظنا ,إذ لا أستطيع تدبر ـموري دون السيدة ماغينتي. 
_هل كانت تحبينها؟ 
_ يا سيدي العزيز, لقد كانت امرأة موثوقة . وكانت مواظبة , تأتي مساء الاثنين وصباح الخميس من كل أسبوع .... كالساعة في مواعيدها . والآن تأتيني امرأة تسمى بيرب من مكان بجانب المحطة , ولديها زوج وخمسة أطفال , ولذلك فمن الطبيعي أن لا تأتي إلا لماماً. فإما أن يتوعك زوجها أو تمرض أمها العجوز , أو يقع أطفالها ضحية هذا المرض أو ذاك . أما السيدة ماغينتي فيكفي أنها كانت الوحيدة التي يمكن أن تمرض, والحقيقة أن ذلك لم يكن يحدث إلا نادراً. 


أكنت تجدينها دوماً أمينة موثوقة ؟ أكانت لك ثقة بها؟ 
_آه, لم يسبق لها أبداً أن سرقت شيئاً , ولا حتى الطعام . كانت فضولية قليلاً .بالطبع, تلقي نظرة على الرسائل أحياناً وغير ذلك, ولكن المرء يتوقع مثل هذه الأمور .أقصد أن هؤلاء الناس يعيشون _دون شك_ حياة مملة جداً,أليس كذلك؟ 
_أكانت حياة السيدة ماغينتي مملة؟ 
قالت السيدة سمرهيز بشيء من الغموض: أحسبها كانت حياة كريهة , وهي جاثية دوماً تمسح الأرض , وتجد كلما أتت صباحاً أكواماً من أواني الآخرين تنتظر الجلي في المجلى . ولو أنني اضطررتُ لمواجهة ذلك كل يوم لرأيت في مقتلي راحة بالتأكيد. 
ظهر وجه الميجر سمرهيز بشيء من الغموض من خلال الباب الزجاجي .نهضت السيدة سمرهيز مسرعة ونثرت الفاصولية وانطلقت نحو الباب الزجاجي ففتحته عن آخره . قال الميجر : لقد التهم ذلك الكلب الخبيث علف الدجاج مرة أخرى يا مورين . 
_آه ,تباً .سيمرض الآن هو الآخر . 
عرض جون سمرهيز عليها وعاءً مملوءاً بالخضار وقال: انظري.... هل يكفي هذا القدر من السبانخ؟ 
_كلا بالطبع . 
_يبدو لي أنها كمية كبيرة . 
_ سيصبح قليلاً جداً عندما يطبخ .ألا تعرف طبيعة السبانخ حتى الآن ؟ 
_يا ألهي ! 
_هل وصل السمك؟ 
_ لم يظهر له أثر. 
_ تباً, سنضطر لفتح علبة من شيء آخر .بوسعك أن تفعل ذلك يا جوني ! علبة من تلك العلب في زاوية الخزانة. تلك العلبة التي ظننا أنها منتفخة .أحسب حقاً أنها ما تزال على ما يرام. 
_وماذا عن السبانخ؟ 
_أنا سأحضرها. 
خرجت مسرعة من الباب الزجاجي , وابتعد الزوجان معاً. 
قام بوراو وأغلق الباب الزجاجي بقدر ما يمكن من إحكام , ولكن صوت الميجر سمرهيز بقي يصل إليه عبر الأثير وهو يقول: ماذا عن الرجل الجديد يا مورين ؟ يبدو لي غريب الشكل . ماذا قلت اسمه ؟ 
_لم أستطع تذكر اسمه وأنا أتحدث معه قبل قليل و واضطررت لمخاطبته بكلمة سيد...... آه , بوراو , هذا هو اسمه .إنه فرنسي . 
_يبدو أنني رأيت ذلك الاسم في مكان ما. 
_ربما رأيته بمجلة تسريحات الشعر , يبدو أشبه بحلاق . 
تقبض بوراو فيما مضى الميجر يقول لزوجته :لا, يبدو أنني سمعت اسمه مقروناً بالمخللات .لا أدري , ولكن اسمه مألوف بالتأكيد . يفضل أن تأخذي منه الجنيهات السبع بسرعة . 
ثم ابتعد صوتاهما وتلاشيا. وقام بوارو بالتقاط ما تناثر من الفاصولية على أرض الغرفة , وما أن انتهى من ذلك حتى دخلت عليه السيدة سمرهيز مرة أخرى . أعطاها الفاصولية بأدب وهو يقول : هاك يا سيدتي. 
_آه, أشكرك كثيراً . يبدو أن لون هذه الفاصولية قد اسود قليلاً . إننا نملحها ونخزنها في وعاء فخاري, ولكن يبدو أن هذه الكمية قد فسدت , وأخشى أنها لن تكون لذيذة تماماً. 
_وأنا أخشي ذلك أيضاً. هل تسمحين لي بإغلاق الباب ؟ يوجد تيار هواء قوي. 
_ آه, نعم , أغلقه. أظنني أترك الأبواب مفتوحة دوماً. 
_ هذا ما لاحظته . 
_ولكن هذا الباب لا يبقي مغلقاً أبداً. والحقيقة أن هذا البيت يتداعى .لقد عاش والدا جوني هنا, وكان المسكينان فقرين فلم يصلحا فيه شيئاً . وعندما جئنا من الهند لنسكن هنا لم يكن لدينا ما نصلحه به أيضاً , ومع ذلك فهو ممتع للأطفال أيام العطل , ففيه مجال واسع للعب, بالإضافة إلى الحديقة وغير ذلك. إن استقبال النزلاء هنا يكاد يساعدنا إلا في الاستمرار بالحياة , رغم أننا تلقينا بعض الصدمات الوقحة. 
_أأنا نزيلكم الوحيد حالياً؟ 
_لدينا سيدة عجوز في الطابق العلوي .وقد مرضت فلزمت فراشها منذ يوم قدومها , ومازالت فيه. أنا لا أرى بها علة, ولكنها ترقد طوال الوقت . إنني أقدم لها أربع وجبات يومياً, ولا تشكو شهيتها من شيء. وعلى أية حال فهي ذاهبة غداً لابنة أختٍ لها أو ما شابه ذلك. 
توقفت السيدة سمرهيز لحظة قبل أن تستأنف حديثها بصوت متكلف بعض الشيء: سيأتي بائع السمك بعد قليل . أتساءل إن كنت لا تمانع .... لا تمانع في دفع أجرة أول أسبوع ؟ أنت ستقضي أسبوعاً هنا , أليس كذلك؟ 
_ربما أكثر من أسبوع. 
_أنا آسفة لإزعاجك , ولكن ليست لذي نقود جاهزة في البيت , وأنت تعرف طبيعة هؤلاء الباعة ... دائماً يطالبون بديونهم . 
_أرجوك لا تعتذري يا سيدتي. 
أخرج بوراو سبعة جنيهات وأضاف إليها سبعة شلنات . وأخذت السيدة سمرهيز النقود بجشع وقالت : شكراً جزيلاً. 
_يحسن أن أخبرك بالمزيد عن نفسي يا سيدتي. أنا هيركيول بوراو . 
لم يترك الاسم أثراً لدى السيدة سمرهيز , وقالت بلطف : يا له من اسم جميل !إنه اسم يوناني ,أليس كذلك؟ 
دق بوراو على صدره وقال : لعلك تعرفين أنني رجل تحر, وربما أشهر رجال التحري قاطبة. 
صرخت السيدة سمرهيز اهتماماً وقالت: أرى أنك صاحب ظرف وطرافة يا سيد بوارو . ما الذي تتحرى عنه ؟ وماد لفائف التبغ وآثار الأقدام؟ 
_بل أتحرى مسألة مقتل السيدة ماغينتي , وأنالا أمزح . 
صاحت:" آه .... لقد جرحت يدي ". ورفعت أحد أصابعها وتفحصته ,ثم حملقت في بوراو وقالت: انظر! هل تعني ما قلته ؟ أقصد أن الأمر قد انتهى.لقد اعتقلوا ذلك الأحمق الذي كان ساكناً هناك وحوكم وأدين وانتهى الأمر , ولعله شنق الآن. 
_لا يا سيدتي , إنه لم يشنق بعد , ولم تنته قضية السيدة ماغينتي بعد . سأذكرك ببيت من الشعر قاله أحد شعرائكم :" إن القضايا لا تحل أبداً حتى تحل بالشكل الصحيح ". 
قالت السيدة سمرهيز وقد تحول انتباهها من بوارو إلى الوعاء أمامها : أووه...... إن دمى ينزف على الفاصولية , وهذا ليس جيداً لأننا سنتناولها على الغداء. ومع ذلك فلن يؤثر ذلك حقاً , لأنها ستغلى في الماء , وإذا غليت المواد الغذائية فلا باس عليها ,أليس كذلك؟ حتى المعلبات ؟ 
قال بوارو بهدوء: لا أظنني سأكون هنا لتناول الغذاء.