الفصل الخامس 
.............................................. 
قالت السيدة بيرتش: إنني حقاً لا أدري. 
كانت قد قالت ذلك ثلاث مرات حتى الآن . لم يكن من السهل عليها التغلب على عدم ثقتها الفطرية برجال غرباء المظهر ذوي شوارب سوداء ومعاطف مخططة من الفرو . 
تابعت قائلة : لقد كان أمراً بشعاً جداً........ أن تُقتل خالتي ويأتي الشرطة للتحقيق , فقد أخذوا يعبثون في كل مكان , ويفتشون كل شيء , ويطرحون أسئلة . والجيران متلهفون تأكلهم اللهفة . لم أشعر في البداية أننا سننسى ذلك , وقد تصرفت والدة زوجي بشكل سيء جداً إزاء الموضوع , وبقيت تقول إن أسرتها هي لم تشهد شيئاً من هذا القبيل وتردد طوال الوقت "جو المسكين" وغير ذلك . وماذا عني أنا؟ ألستُ مسكينة ؟ لقد كانت خالتي أنا ,أليس كذلك ؟ ولكني ظننُ حقاً أن الأمر قد انتهى الآن. 
_وماذا لو كان جيمس بنتلي بريئاً في النهاية ؟ 
صاحت السيدة بيرتش: هراء . إنه ليس بريئاً بالطبع , لقد ارتكب الجريمة بالتأكيد . لم تعجبني نظراته أبداً, وقد كان يتجول ويهمهم لنفسه . لقد قلت لخالتي : "ينبغي أن لا تُسكني مثل هذا الرجل في بيتك, فربما فقد صوابه " ولكنها قالت إنه رجل هادئ ولطيف ولا يسبب أية مشكلات . قالت إنه لا يشرب , بل لا يدخن أيضاً .لقد عرفت المسكينة الحقيقة بشكل أفضل الآن . 
نظر بوارو إليها متأملاً .كانت امرأة ضخمة الجسم ممتلئة , يشع منها لون الصحة ويوحي فمها بالمرح . وكان البيت الصغير مرتباً ونظيفاً تنبعث فيه روائح المنظفات الأثاث والنحاس , وقد انبعثت من ناحية المطبخ رائحة تفتح الشهية . 
زوجة صالحة تعنى بنظافة بيتها وتطهو لزوجها , وقد استحسن بوراو ذلك.كانت متحيزة وعنيدة , ولكن لم لا تكون كذلك؟ إنها ليست_ بالتأكيد_ من ذلك النوع من النساء اللاتي يمكن للمرء أن يتخيلهن وهن يستخدمن ساطوراً لضرب خالاتهن أو يتواطأن مع أزواجهن على ذلك . لم ير المفتش سبنس أنها من هذا النوع من النساء , و بشيء من التردد لم ير بوارو بُداً من الاتفاق مع سبنس في رأيه هذا . لقد درس سبنس الخلفية المالية لأسرة بيرتش ولم يجد فيها دافعاً للقتل , وكان سبنس رجلاً دقيقاً جداً. 
تنهد واستمر بمهمته , وهي محاولة تبديد ارتياب السيدة بيرتش بالأجانب . صرف الحديث عن الحادثة القتل ليركزه على الضحية . طرح عدة أسئلة عن "الخالة المسكينة" , عن صحتها , وعاداتها, وما تفضله من طعام وشراب , وعن آرائها السياسية , وعن زوجها المتوفى, ونظرتها للحياة , وعن الأطفال , والحيوانات . 
لم يكن يعلم إن كان سيجد أية فائدة في أي من هذه القضايا غير ذات الصلة . لقد كان يبحث عن إبرة في كومة قش , ولكنه كان يزيد _عرضياً_ حجم معرفته بالسيدة بيسي بيرتش. 
لم تكن بيسي تعرف الكثير عن خالتها. كانت علاقتهما مجرد رابطة أسرية يجري احترمها على هذا الأساس , ولكنها لم تكن علاقة حميمة .كانت تذهب مع زوجها جو لتناول الغداء مع خالتها مرة كل شهر تقريباً, وكانت زيارات الخالة لهما أكثر ندرة , وكانوا يتبادلون الهدايا في عيد الميلاد . وكان الزوجان يعلمان أن خالتهما قد ادخرت بعض المال وأنهما سيرثانه بعد موتها, وقد شرحت السيدة بيرتش ذلك قائلة وقد احمر وجهها : ولكن هذا لا يعني أننا كنا بحاجة إليه, فقد ادخرنا_نحن أيضاً_ بعض المال,وقد جهزنا دفنها بشكل رائع.كانت جنازتها رائعة ..... باقات الأزهار وكل شيء .وقد كانت خالتي مولعة بالحياكة . لم تكن تحب الكلاب لأنا تسبب فوضى في البيت , ولكنها كانت تحتفظ بقطة بنية اللون,وقد ضلت وضاعت, فلم تعد خالتي لتربية غيرها , ولكن موظفة مكتب البريد كانت ستعطيها قطة صغيرة . كانت تحافظ على بيتها نظيفاً وأنيقاً ولم تكن تحب الأشياء المبعثرة. كانت تحافظ على نحاسياتها في أنظف صورة , وتمسح أرض المطبخ كل يوم. وقد جمعت قدراً لا بأس به من المال من عملها خارج البيت . كانت تحصل على شلن وعشرة بنسات في الساعة ...بل تحصل على شلنين في الساعة في منزل هولملي , وهو بيت السيد كاربنتر .كانت أسرة كاربنتر ثرية جداً, وكانوا يحاولون إقناع خالتي بأن تعمل عندهم عدداً أكبر من الأيام , ولكنها لم تشأ خذلان السيدات الأخريات اللاتي بدأت العمل عندهن قبل عملها عند أسرة كاربنتر. 
ذكر بوارو اسم السيدة سمرهيز في منطقة لونغ ميدوز فقالت السيدة بيرتش:آه, نعم. كانت خالتي تذهب إليها يومين في الأسبوع .لقد رجعوا من الهند حيث كان عندهم خدم كثيرون من أهل البلاد , ولم تكن السيدة سمرهيز تعرف شيئاً عن شؤون البيت . وقد حاولوا أن يزرعوا جزء من الحديقة للأغراض التجارية , ولكنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن ذلك أيضاً.وعندما كان الأطفال يأتون إلى البيت لقضاء الإجازة كان البيت يتحول إلى فوضى عارمة . ولكن السيدة سمرهيز كانت سيدة لطيفة , وقد أحبتها خالتي . 
وهكذا اتضحت الصورة تدريجياً عن السيدة ماغينتي .كانت تحوك الملابس وتمسح أرضيات المنازل والنحاس , وتحب القطط ولكنها لا تحب الكلاب ,وتحب الأطفال (ولكن ليس كثيراً) , وكانت انطوائية . وقد كانت تذهب إلى السينما أحياناً , وإن كان نادراً .ولم تكن تقر فساد الأخلاق (وقد تركت العمل لدى فنان وزوجته عندما اكتشفت أنهما غير متزوجين بشكل سليم).لم تكن تقرأ كتباً, ولكنها كانت تحب قراءة صحيفة يوم الأحد وتحب المجلات القديمة التي تعطيها لها السيدات اللاتي تعمل لديهن.ورغم أنها لم تكن ترتاد السينما كثيراً إلا أنها كانت تحب سماع أخبار النجوم السينما. ولم تكن مهتمة بالسياسة ولكنها كانت تصوت للمحافظين كما كان يفعل زوجها دائماً.ولم تكن تنفق الكثير على شراء الملابس لأنها كانت تأخذ معظم ملابسها من سيداتها , وكانت تميل للتوفير والادخار. 
لقد كانت السيدة ماغينتي _ في الحقيقة_ كما توقع بوارو أن تكون , وكانت بيسي بيرتش كما وصفها سبنس في ملاحظاته. 
وقبل أن يغادر بوارو عاد جو بيرتش إلى البيت ليتناول غداءه.رجل ظاهر الذكاء صغير الجسم , يجد المرء من الصعوبة في الجزم بشأنه أكثر مما يجده في حالة زوجته . بدا على سلوكه أثرٌ قليل من الارتباك, ولكنه لم يُبدِ تجاه بوراو ما أبدته زوجته من الريبة والعدوانية , بل إنه بدا متلهفاً على الظهور بمظهر المتعاون . وفكر بوارو بأن ذلك كان غير منسجم _ إلى حد ما_ مع شخصيته . فلماذا يكون جوبيرتش حريصاً على مجاملة شخص غريب مزعج؟ السبب الممكن الوحيد هو أن يكون هذا الغريب قد أحضر معه رسالة من المفتش سبنس من شرطة المنطقة . 
أكان جو بيرتش حريصاً_ إذن_ على تبييض صفحته أمام الشرطة ؟ أيكون ذلك لأن وضعه لا يسمح له بانتقاد الشرطة كما فعلت زوجته ؟ لعله يكون غير مرتاح الضمير .لماذا كان ذلك الضمير مؤرقاً؟ قد توجد أسباب كثيرة ..... ليس لأي منها علاقة بموت السيدة ماغينتي . أيمكن أن يكون غيابه عن مكان الجريمة (ووجوده في السينما وقتها) عذراً ملفقاً بطريقة ذكية ما. ويكون جو بيرتش هو الذي طرق الباب السيدة ماغينتي فأدخلته إلى بيتها ليقوم بضرب العجوز الغافلة ؟ أن من شأنه أن يفتح الأدراج ويفتش الغرف ليعطي الانطباع بأنها حادثة سطو , وربما أخفى النقود خارج البيت بخبث ليدين جيمس بنتلي بالجريمة , إذ أن المال المودع في البنك هو فعلاً ما كان يسعى إليه . مئتا جنية تأتي لزوجته , وهو مبلغ يحتاجه حاجة ماسة لسبب غير معروف الآن . وتذكر بوارو أن سلاح الجريمة لم يعثر عليه أبداً! لماذا لم يعثر على السلاح أيضاً في مسرح الجريمة ؟ إن أي مغفل يعرف ضرورة ارتداء قفازين ومسح بصمات الأصابع .إذن لماذا يؤخذ السلاح وه سلاح ثقيل الوزن حاد الشفرة دون شك؟ ألأن من السهل تمييزه على أنه من أدوات بيرتش المنزلية ؟ أيكون ذلك السلاح نفسه موجوداً هنا في المنزل الآن بعد أن تم غسله وتلميعه؟ لقد قال الطبيب العدلي إنه شيء أشبه بساطور اللحم ...... ولكن بدا أنه لم يكن ساطوراً بالفعل . ربما كان شيئاً غريباً نوعاً ما, شيئاً خارجاً قليلاً عن المألوف ومن السهل تمييزه , وقد بحث عنه رجال الشرطة ولكنهم لم يعثروا عليه . لقد بحثوا عنه بين الأشجار وفي برك الماء .لم يُفقَد شيء من مطبخ السيدة ماغينتي ,ولم يكن بوسع أحد القول إن لدى جيمس بنتلي شيئاً كهذا بحوزته , إذ لم يستطع رجال الشرطة تتبع أي أثر لشراء جيمس بنتلي ساطور لحم أو أي شيء يشبهه . نقطة صغيرة لصالحه , ولكنها نقطة سلبية , وقد تجاهلوها في ضوء الأدلة الوفيرة الأخرى . ولكنها نقطة رغم ذلك........ 
ألقى بوارو نظرة سريعة على غرفة الجلوس الصغيرة المزدحمة بالأثاث التي كان يجلس فيها. أكان السلاح هنا , في مكان ما من هذا البيت ؟ ألهذا السبب كان جوبيرتش مجاملاً وغير مرتاح؟ 
لم يعرف بوارو جواباً لذلك . لم يكن يظن ذلك حقاً , ولكنه لم يكن متأكداً تماماً. 
.................................................. 

الفصل السادس 
............................. 
في مكتب بريذر وسكاتل العقاري , وبعد شيء من الاعتراض , سُمح لبوراو بالدخول إلى غرفة السيد سكاتل نفسه. 
كان السيد سكاتل نشيطاً حيوياً ذا أسلوب منفتح.قال وهو يفرك يديه: صباح الخير ,صباح الخير .ماذا بوسعنا أن نقدم لك؟ 
ثم ألقى نظرة حاذقة إلى بوارو وهو يحاول تصنيفه,كما لو كان يدون سلسلة من الملاحظات الهامشية:أجنبي ,ملابس ذات نوعية جيدة,قد يكون غنياً. أتراه صاحب مطعم ؟أم مدير فندق ؟أم يعمل في صناعة الأفلام؟ 
قال بوارو: أرجو أن لا آخذ من وقتك الكثير. لقد أردت التحدث معك بشأن موظفك السابق ,جيمس بنتلي. 
ارتفع حاجبا السيد سكاتل المعبران مقدار بوصة ثم انخفضا, وقال :" جيمس بنتلي .... جيمس بنتلي ؟" ثم سأل :أأنت صحفي؟ 
_لا. 
_ألست من رجال الشرطة؟ 
_بلى .على الأقل ....... لست من شرطة هذه البلاد . 
_لست من هذه البلاد؟ 
قام السيد سكاتل بالاحتفاظ بهذه المعلومة كمن يريد العودة لها مستقبلاً , ثم قال : ما الأمر؟ 
لم يكن يعيق بوارو أبداً أي احترام لحرفيات الحقيقة, فانطلق قائلاً: إنني أشرع في تحقيق في قضية جيمس بنتلي ..... بناء على طلب بعض أقربائه. 
_لم أكن أعلم أن له أقارب . وعلى أية حال فقد أدين وحُكم عليه بالإعدام. 
_ولكنه لم يعدم بعد. 
قال السيد سكاتل : "الأمل باقٍ ما بقيت الحياة .أليس كذلك؟ " 
ثم هز رأسه وقال: ومع ذلك فإنني أشك في الأمر, فقد كانت الأدلة قوية . من هم أقاربه هؤلاء؟ 
_أستطيع أنأخبرك فقط أنهم أغنياء وأقوياء .أغنياء جداً. 
لم يملك السيد سكاتل أن يخفف من غلوائه قليلاً,فقد كان لعبارة "أغنياء جداً" خاصية رائعة ومهدئة لنفسه, فقال :أنت تدهشني .نعم, أنت تدهشني حقاً. 
أوضح بوارو قائلاً: لقد قامت والدة بنتلي الراحلة بالانفصال مع ابنها عن العائلة تماماً. 
_لعلها كانت واحدة من تلك الخلافات العائلية ,أليس كذلك؟ حسناً .وبقي الشاب بنتلي معدماً لا يملك شيئاً. من المؤسف أن هؤلاء الأقارب لم يتدخلوا لإنقاذه من قبل . 
_ لقد اتضحت لهم الحقائق مؤخراً فقط, وقد استأجروني لآتي بكل سرعة إلى هذا البلد وأقوم بكل ما يسعني عمله . 
اتكأ السيد سكاتل على ظهر كرسيه متخلياً عن أسلوبه العملي الرسمي وقال: لا أدري ماذا بوسعك أن تعمل. أحسب أن لديه عرق جنون ! لقد تأخر الوقت قليلاً الآن على استخدم هذا العذر , ولكن إذا استطعت إقناع أطباء كبار بالأمر .... أنا بالطبع لست خبيراً بمثل هذه الأمور. 
انحنى بوارو إلى الأمام وقال: لقد عمل جيمس بنتلي هنا يا سيدي, وبوسعك أن تحدثني عنه 
_ لا أعرف عنه إلا القليل ,فلقد كان أحد موظفينا الصغار.ولاشيء ضده .بدا شاباً شريفاً تماماً وذا ضمير حي, ولكن لم تكن لديه فكرة عن الفن البيع ,ولم يكن بوسعه أن ينجز مشروعاً يطلب منه .وهذا لا ينفع في مهنتنا هذه , فإذا ما جاءنا زبون يريد بيع بيت له فإن مهمتنا أن نبيعه له , وإذا ما أراد زبون آخر شراء بيتٍ علينا أن نجد له بيتاً . وإذا كان البيت في مكان منعزل وليست له خصائص جيدة فإننا نركز على مسألة كونه تحفة أثرية ولا نذكر شيئاً عن تمديداته الصحية!وإذا كان المنزل يُطل مباشرة على مصانع الغاز فإننا نتحدث عن الخدمات والمرافق ولا نذكر شيئاً عن إطلالته . إن عملنا هنا هو أن ندفع زبوننا دفعاً لإمضاء الصفقة . ولدينا أنواع كثيرة من الحيل الصغيرة للقيام بذلك, كأن نقول للسيدة " ننصحك بأن تقدمي عرضاً سريعاً, فأحد أعضاء البرلمان مهتم جداً بشراء هذا البيت,وسيأتي لمعاينته مرة أخرى هذا المساء" .إنهم ينخدعون دوماً بذلك.إن الإشارة لعضو برلمان تشكل لمسة جيدة دوماً ,لا أدري لماذا.مع أنك لا تجد عضو برلمان يسكن خارج دائرته الانتخابية ! لعله فقط ثقل وتأثير الاسم. 
ضحك فجأة مظهراً طقم أسنانه اللامع وأضاف : إنه علم النفس..... هذا كل ما في المر . مجرد علم النفس. 
التقط بوارو هذه الكلمة وقال : علم النفس, كم أنت مُحق في ذلك .أرى أنك ذو فراسة في الرجال. 
قال السيد سكاتل بتواضع :لست سيئاً في ذلك, لست سيئاً. 
_ولذلك فإنني أسألك مرة أخرى : ماذا كان انطباعك عن جيمس بنتلي ؟ الأمر سري بيننا فقط......... أتظنه قتل العجوز؟ 
_حق سكاتل إليه وقال: بالطبع. 
_وهل تظن أنت أن ذلك كان تصرفاً يُحتمل أن تأتي منه .. أعني من الناحية النفسية؟
_حسناً. إن كنت ستعبر عن المر بهذه الطريقة.....فلا, لا أظن ذلك حقاً.لا أحسب أنه كان يمتلك الجرأة على فعل ذلك. وإذا أردت رأيي بصراحة, لقد كان دوماً ضعيفاً من الناحية العقلية , فإذا أضفنا إلى ذلك بقاءه بلا عمل وقلقه وغير ذلك , أمكننا القول إن الكيل فاض به أخيراً وخرج عن طوره. 
_ أكان لإنهاء خدماته سبب خاص؟ 
هز سكاتل رأسه بالنفي وقال: كان الموسم موسم ركود , ولم يكن لدى الموظفين ما يعملونه, فقمنا بفصل أقلهم كفاءة. وكان هو بنتلي , وأحسبه سيكون دوماً كذلك. وقد أعطيته رسالة تزكية جيدة, ومع ذلك لم يحصل على عمل آخر. ليس لديه اندفاع , وهو يعطي انطباعاً سيئاً للناس . 


فكر بوارو وهو يغادر المكتب بأن الأمور تعود دوماً إلى هذه النقطة , وهي أن جيمس بنتلي أعطى الناس انطباعاً سيئاً عن نفسه . واستغرق بالتفكير في العديد من القتلة الذين عرفهم ممن كان معظم الناس يرونهم شديدي الفتنة والسحر. 
*************** 
_أنا آسفة ,أتمانع في أن أجلس لأتحدث إليك قليلاً؟ 
فوجئ بوارو_ المستقر على طاولة في مطعم بلوكات_ ورفع نظره عن قائمة الأطعمة التي كان يستعرضها .كان الجو مظلماً قليلاً في مطعم بلوكات المشهور بما يعطيه من انطباع بالانتماء للعالم القديم بنوافذه المؤطرة بخشب البلوط المطعم بالرصاص . ولكن المرأة التي جلست قبالته لتوها تميزت بإشراقها على تلك الخلفية المظلمة . كان شعرها ذهبياً تماماً, وكانت ترتدي بذلة زرقاء. وفوق ذلك انتاب بوارو شعور بأنه لاحظ وجودها في مكان ما قبل وقت قصير. 
تابعت حديثها : لم أمللك إلا الاستماع إلى شيء من حديثك مع السيد سكاتل. 
أومأ بوراو برأسه . كان قد أدرك أن الحواجز في مكتب بريذروسكاتل قد وضعت لأعراض وظيفية, وليس لتأمين العزلة والسرية لكل غرفة. ولكن ذلك لم يثر قلقه وقتها, طالما أنه كان يسعى _ أصلاً_ للتعريف بمهمته على أوسع نطاق . قال لها: لقد كنتِ تطبعين إلى يمين النافذة الخلفية. 
أومأت برأسها موافقة, وابتسمت ابتسامة أبدت أسنانها اللامعة . شابة في أتم الصحة ذات جسم ممتلئ , وقدر بوارو أنها في نحو الثالثة والثلاثين من العمر,وأنها قد ولدت أصلاً بشعر أسود , ولكنها لم تكن ممن يستسلمون لأحكام الولادة ! قالت : أريد الحديث عن السيد بنتلي. 
_ماذا عن السيد بنتلي ؟ 
_هل يستأنف الحكم؟ هل يعني ذلك وجود أدلة جديدة ؟ آه, أنا سعيدة جداَ . لم أستطع ..... لم أستطع أن أصدق أنه فعل ذلك. 
ارتفع حاجبا بوارو وقال ببطء: أنت لم تري _ أذن _ أنه ارتكب الجريمة. 
_ في البداية على الأقل . ظننت في الأمر خطأ دون شك, ولكن جاءت الأدلة بعدها ... 
ثم توقفت , فقال بوارو : نعم....... الأدلة . 
_لم يبدُ ممكناً أن يكون أحد غيره ارتكبها. وقلت لعله أصيب بقليل من الجنون. 
_ هل سبق له أبداً أن بدا لك...... غريب الأطوار مثلاً؟ 
_ آه ,لا. لم يكن غريباً بهذا المعنى . كان فقط حيياً لا يُحسن التصرف ببراعة , كما يمكن لأي شخص آخر أن يكون . والحقيقة أنه لم يقدم أفضل ما عنده, إذ لم يكن له ثقة بنفسه. 
نظر بوارو إليها. كانت لديها بالتأكيد ثقة بنفسها , وربما كان لديها من الثقة ما يكفي لاثنين . سألها : أكان يعجبك؟ 
احمر وجهها خجلاً وقالت :نعم . كان يعجبني . كانت أيمي (الفتاة الأخرى في المكتب) تسخر منه وتسميه أخرق, ولكني كنتُ أشفق عليه كثيراً كان لطيفاً ومهذباً, وكان يعرف الكثير حقاً .. وأعني بذلك كثيراً من المعلومات من قراءة الكتب. 
_آه ,نعم . من الكتب. 
_لقد فقد والدته , وكانت مريضة لسنوات طويلة. والأحرى أنها لم تكن مريضة فعلاً . بل لم تكن قوية , وقد قام بكل شيء من أجلها. 
أومأ بوراو برأسه ,فقد كان يعرف ذلك النوع من الأمهات . 
_وهي أيضاً كانت تعتني به طبعاً. أعني أنها كانت تعتني بصحته وبطعامه وغير ذلك. 
أومأ بوارو ثم سأل : أكنتما صديقين؟ 
_لا أدري....... لم نكن كذلك تماماً. كنا نتحدث أحياناً , ولكن بعد أن ترك العمل ولم يعد ...... لم أعد أراه كثيراً .أرسلتُ له رسالة ودية مرة ولكنه لم يجب عليها. 
قال بوارو بلطف: ولكنك تحبينه ؟ 
قالت بشيء من التحدي : نعم , أحبه. 
_هذا رائع . 
تذكر بوارو يوم مقابلته للسجين المدان . رأى جيمس بنتلي يرتسم في مخيلته بوضوح : شعر بلون الفئران , وجسم نحيل غير متناسق ويدان ذواتا سلاميات بارزة وقبضتين ضخمتين , والحنجرة البارزة في عنقه النحيف . رأى النظرة الزائغة المحرجة ....... التي تكاد تكون ماكرة "شاب متكتم ماكر ومخادع يتكلم بطريقة سيئة يرش فيها الكلام رشاً على نحو متقطع"... كان هذا هو الانطباع الذي من شأن جيمس بنتلي أن يعطيه عن نفسه لأغلب المراقبين السطحيين. وهو الانطباع الذي أعطاه عن نفسه في قفص الاتهام , بأنه من ذلك النوع الذي من شأنه أن يكذب ويسرق المال ويضرب امرأة عجوزاً على رأسها. 
ولكنه لم يترك ذلك الانطباع عند المفتش سبنس الذي كان يعرف الرجال. ولا عند بوارو أيضاً........ والآن هاهي هذه الفتاة أيضاً . 
_ما اسمك يا آنسة؟ 
_مود ويليامز . هل يوجد ما يمكنني فعله .... للمساعدة؟ 
_ نعم, أظن ذلك. يوجد أناس _ياآنسة ويليامز_ يظنون أن بنتلي برئ , وهم يعملون لإثبات تلك الحقيقة . وأنا الشخص المكلف بالتحقيق , وبوسعي أن أخبرك أنني حققت تقدماً كبيراً حتى الآن ....... نعم, تقدماً كبيراً . 
تفوه بوارو بتلك الكذبة دون أن يرف له جفن, فقد رأى أنها كذبة ضرورية جداّ , ففي مكان ما شخص ما ينبغي أن يتم دفعه للتململ والقلق . ستتكلم مود ويليامز , والكلام أشبه بحجر يُلقى في بركة ماء فيطلق دوائر تتسع باطراد.قال لها: قلتِ لي إنك و بنتلي كنتما تتحدثان معاً , وقد حدثك عن والدته وحياته في بيته . هل ذكر أمامك أحداً كان هو أو أمه على علاقة سيئة معه؟ 
فكرت مود ويليامز ثم قالت : لا, ليس ما يمكن أن نُطلق عليه عبارة علاقات سيئة , ولكني فهمتُ أن والدته لم تكن تحب الفتيات كثيراً. 
_ أن الأمهات اللاتي يلقين تعلقاً كبيراً من أبنائهن لا يحببن الفتيات أبداً في العادة . كلا , أنا أقصد أكثر من ذلك. أعني شجاراً عائلياً , أو أعداءً ما . شخصاً يحمل ضغينة؟ 


هزت رأسها بالنفي : لم يذكر لي شيئاً من هذا القبيل أبداً. 
_ هل حدثك عن صاحبة البيت , السيدة ماغينتي؟ 
ارتعدت مود قليلاً وقالت: لم يذكر اسمها. قال إنها كانت تُقدم له السمك المدخن ... وقال مرة إنها حزنت لأنها فقدت قطتها. 
_ حسناً ,سأسألك سؤالاً وأرجو أن تكوني صادقة في الإجابة : هل سبق له أن ذكر لك بأنه يعرف أين كانت تحتفظ بأموالها ؟ 
تغير لون وجه الفتاة قليلاً ولكنها رفعت رأسها بتحدً وقالت : نعم, لقد فعل . كنا نتحدث عن عدم الثقة الناس في البنوك , فذكر أن صاحبة البيت تحتفظ بأموالها تحت لوح في أرض الغرفة . وقال: " بوسعي أن آخذ منه ما أشاء عندما تكون السيدة خارج البيت" . لم يقل ذلك على سبيل المزاح تماماً, بل كما لو كان قلقاً حقاً من إهمالها. 
_ آه , هذا جيد . أعني أنه جيد من وجهة نظري , فعندما يفكر جيمس بنتلي بالسرقة فإنه يتخيل هذا التصرف كتصرف يُرتكب في غياب الشخص المعني. ولعله قال :" سيضربها أحدهم على رأسها يوماً ما من أجل هذا المال ". 
_ولكنه _في كلا الحالين_ ما كان ليقصد ذلك. 
_ آه, نعم . ولكن الحديث _مهما كان عرضياً ولاهياً _ يكشف نوعية قائله. ليس من شأن المجرم الحكيم أن يفتح فمه أبداً, ولكن نادراً ما يتصف المجرمون بالحكمة , وهم عادة مغرورون ويثرثرون كثيراً.... ولذلك يلقي القبض على معظم المجرمين. 
قالت مود ويليامز فجأة: ولكن لابد أن أحدهم قد قتل العجوز. 
_بالطبع. 
_ من هو؟ هل تعرفه؟ ألديك فكرة؟ 
قال بوارو كاذباً: نعم .أظن أن لدي فكرة جيدة جداً عنه, ولكننا في بداية الطريق. 
نظرت الفتاة إلى ساعتها : يجب أن أعود . يُفترض أن لا نغيب عن المكتب أكثر من نصف ساعة.إن كيلشستر مكان صغير , وقد كنت أعمل دائماً في لندن فيما مضى . هل سُتبلغني في حال وجود أي شيء أستطيع عمله ؟ أنا جادة فعلاً. 
أخرج بوارو بطاقة له وكتب عليها اسم لونغ ميدوز ورقم الهاتف , وأعطاها لها قائلاً: هذا هو المكان الذي أقيم فيه. 
ولاحظ بوارو _ بانزعاج شديد_ أن اسمه لم يترك أي انطباع لديها, ولم يملك إلا أن يشعر بأن الجيل الجديد يفتقر بشدة لمعرفة الشخصيات البارزة. 
************ 
استقل هيركيول بوارو الحافلة إلى بروديني وهو يشعر ببعض البهجة, فقد وجد- على أية حال_ شخصاً واحداً يوافقه الرأي بأن جيمس بنتلي بريء. لم يكن بنتلي بلا أصدقاء كما جعل الناس يظنون. 
عاد ذهنه_ثانية_ إلى بنتلي في السجن .كم كانت مقابلة مُثبَّطة , لم تتم فيها إثارة أي أمل أو تحريك أي اهتمام . كان بنتلي قد قال بسأم: أشكرك , ولكني لا أظن أنه يوجد شيء يستطيع أحد عمله. 
كان قد قال إنه متأكد من عدم وجود أعداء له, وعلق قائلاً: عندما لا يكاد الناس يلاحظون أنك حي ترزق, فليس من المحتمل أي يكون لك أي أعداء! 
_ وأمك ؟ هل كان لها أعداء؟ 
_كلا بالتأكيد , كان الجميع يحبونها ويحترمونها. 
_ ماذا عن أصدقائك؟ 
و كان جيمس بنتلي قد قال وقتها:" ليس لي أي أصدقاء". ولكن ذلك لم يكن صحيحاً تمامً , لأن مود ويليامز كانت صديقة. 
فكر بوارو قائلاً لنفسه: "يا لها من حكمة إلهية عجيبة أن يكون كل رجل_ بالغاً ما بلغ قبحه الظاهر_ موقع اختيار امرأة ما" فرغم مظهر الآنسة الجذاب ,إلا أن بوارو خمن تخميناً ذكياً بأنها من النوع الذي يحب حب الأم لابنها. كانت لها كل الخصائص التي يفتقر إليها جيمس بنتلي : الحيوية , والطموح , ورفض الهزيمة, والتصميم على النجاح. 
تنهد بوارو . يا للكذبات الفظيعة التي أطلقها في ذلك اليوم! ولكن لا بأس , لقد كانت ضرورية . قال لنفسه وهو ينخرط في سيل من التبريرات : ذلك لأنها توجد _في مكان ما_ إبرة في القش , ومن بين الكلاب النائمة ثمة كلب سأطأ عليه , وعندما أرمي السهام في الهواء سينزل واحد منها ليصيب بيتاً زجاجياً! 

الفصل السابع 
............................. 
كان البيت الصغير الذي عاشت فيه السيدة ماغينتي على بعد خطوات من موقف الحافلات . وعلى عتبة الباب كان صبيان يلعبان , أحدهما يأكل تفاحة وتبدو وقد نخرها الدود , فيما راح الآخر يصرخ ويضرب الباب بطبق معدني . بدا الاثنان سعيدين تماماً , وأضاف بوارو إلى ضجيجهما وضرب الباب بقوة . 
نظرت من زاوية المنزل امرأة ذات شعر أشعث ترتدي سروال عمل ملوناً وقالت :كُفّ عن ذلك يا إيرني . 
قال إيرني دون توقف: لا, لن أتوقف . 
ابتعد بوارو عن عتبة الباب واتجه نحو ركن المنزل . قالت له المرأة : لا يمكنك عمل شيء مع الأطفال ,أليس كذلك؟ 
فكر بوارو بأن بالإمكان فعل شيء , ولكنه امتنع عن قول ذلك. وأشارت له المرأة كي يتبعها إلى الباب الخلفي قائلة : إنني أبقي الباب الأمامي مقفلاً بالمزلاج يا سيدي , تفضل بالدخول. 
عبر بوارو غرفة أطباق قذرة جداً إلى مطبخ يفوقها قذارة وقالت المرأة : لم تُقتل هنا, بل في الردهة. 
رمش بوارو بعينيه قليلاً من الدهشة فقالت المرأة: لهذا أنت هنا,أليس كذلك؟ أنت السيد الأجنبي القادم من بيت سمرهيز! 
قال بوارو : "إذن أنت تعرفين كل شيء عني"؟ , ثم أردف وقد انفرجت أساريره: نعم ,هو كذلك يا سيدة........ 
_كيدل. زوجي يعمل في الجص , وقد انتقلنا للعيش هنا قبل أربعة أشهر, وكنا نقيم مع والدة بيرت قبل ذلك . قال بعض الناس : "لا نحسبكم تسكنون بيتاً وقعت فيه جريمة قتل بالتأكيد؟" , ولكن ما قلته أنا هو أن المنزل يبقى منزلاً, وهو أفضل من العيش في غرفة جلوس خلفية ومن النوم على أريكتين . مُريع هذا النقص في المساكن ,أليس كذلك؟ وعلى العموم لم نواجه أي مشكلات هنا. 
يزعمون أن أرواح القتلى تمشي في بيوتها, ولكن هذا غير صحيح ! أتحب أن ترى أين وقعت الجريمة؟ 
وافقها بوارو وهو يحس وكأنه سائح يسير به دليل يقوده,واقتادته السيدة كيدل إلى غرفة صغيرة يثقلها طقم جلوس من طراز عصر جيمس الأول. وبخلاف بقية البيت , لم يظهر على الغرفة ما يشير إلى أنها كانت مأهولة أبداً. قالت السيدة كيدل: كانت ملقاة على الأرض وقد انفلقت مؤخرة رأسها, وقد خلع ذلك فؤاد السيدة إليوت, فهي التي عثرت عليها....... هي و لاركن الذي يأتي بالخبز من الجمعية . ولكن النقود أخذت من الطابق العلوي .تعال لأريك أين. 
قادت السيدة كيدل الطريق صعوداً على الدرج إلى غرفة نوم كان فيها خزانة كبيرة ذات أدراج, وسرير نحاسي ضخم, وبعض الكراسي , ومجموعة كبيرة من الملابس الأطفال المبتلة والجافة. قالت السيدة كيدل باعتزاز : هنا كانت النقود بالضبط. 
نظر بوارو حوله. من الصعب التصور أن هذا المعقل المفعم بالحيوية والإنجاب العشوائي كان يوماً المملكة النظيفة لامرأة كهلة تعتز بمنزلها . هنا كانت السيدة ماغينتي تعيش وتنام! 
سأل بوارو المرأة : لا أحسب أن هذا أثاثها ,أليس كذلك؟ 
_آه, نعم , إنه أثاثي . لقد جاءت ابنة أختها التي تسكن كولافون وأخذت أثاثها كله.
لم يبق هنا شيء من السيدة ماغينتي .لقد جاءت عائلة كيدل واحتلت المكان . كانت الحياة أقوى من الموت! 
ارتفع عويل شديد لطفل من الطابق السفلي , فقالت السيدة كيدل: " لقد استيقظ الطفل" 
ثم أسرعت إلى الطابق السفلي وتبعها بوراو. 
لم يكن في هذا البيت شيء يهمه,ولذلك ذهب إلى البيت المجاور. 
***************** 
_نعم يا سيدي, أنا عثرت عليها. 
كانت السيدة إليوت تميل للإثارة في حديثها . بيتها مرتب وصغير , ليس فيه من الإثارة إلا السيدة إليوت نفسها, امرأة طويلة نحيلة , سوداء الشعر, تسرد اللحظة المجيدة الوحيدة في حياتها. 
_ جاء لاركن الخباز وطرق الباب , ثم قال: " إنها السيدة ماغينتي , لا تسمعنا. لعلها تعرضت إلى سوء ". وفعلاً رأيتُ إنها ربما تعرضت لسوء , فلم تكن شابة أبداً, وأنا أعرف _تمام المعرفة _ أنها تعرضت لخفقان في القلب فيما مضى. ظننتُ أنها ربما أصيبت بنوبة قلبية , ولذلك أسرعت , إذ لم تكن هناك غير الرجلين , وما كانا ليحبا دخول غرفة نومها بالتأكيد. 
تقبل بوارو هذه التصرف المهذب بتمتمة تنم على الرضا. 
_ أسرعتُ بصعود الدرج , وكان هو على استراحة الدرج شاحباً شحوب الموتى . وهذا لا يعني أنني ارتبتُ به وقتها , فلم أكن أعرف ما لذي حدث بالطبع. قرعت الباب بشدة ولم يأت أي جواب , ولذلك أدرت قبضة الباب ودخلت . كانت الغرفة في فوضى عارمة , وكان لوح من الأرضية مخلوعاً . قلتُ :" إنها عملية سطو. ولكن أين المسكينة نفسها؟". عندها فكرنا أن نبحث في غرفة الجلوس . وكانت هناك ممددة على الأرض ورأسها مهشم. جريمة قتل ! عرفت على الفور ما حدث ..... جريمة قتل! لا يمكن أن تكون أي شيء آخر . سطو وقتل! وهنا في بروديني . صرخت وصرخت! لقد سببتُ لهم مشكلة كبرى, فقد أغمى عليّ تماماً, وقد تعين عليهم أن يحضروا لي شراباً منعشاً , وبقيت بعدها أرتجف لساعات وساعات , وقال لي الرقيب عندما أتى:" لا تخافي هكذا يا خالة, لا تخافي . اذهبي إلى البيت واصنعي لنفسك كوباً من الشاي". وهذا ما فعلته . وعندما جاء إليوت قال وهو يحدق إليّ:"ما لذي حدث ؟", وكنت ما أزال أرتجف . أنني حساسة منذ أن كنتُ طفلة. 
قاطع بوارو _بمهارة_ هذا السرد الشخصي المثير: نعم , نعم , يستطيع المرء أن يرى ذلك. متى كانت آخر مرة رأيت فيها السيدة ماغينتي المسكينة؟ 
_ لابد أن ذلك كان في اليوم السابق , عندما خرجَت إلى الحديقة الخلفية لتقطف بعض النعناع . كنت أقوم بإطعام الدجاجات. 
_ هل قالت لك أي شيء؟ 
_ تحية المساء فقط, وسألتني إن كانت الدجاجات تبيض بشكل أفضل. 
_ هل كانت تلك آخر مرة تشاهدينها فيها؟ هل شاهدتها يوم موتها؟ 
قالت السيدة إليوت :" لا, ولكنني رأيته هو ". ثم خفضت صوتها وأضافت:في نحو الحادية عشرة صباحاً. وكان يمشي في الطريق , ويجر قدميه كعادته دائماً . 
انتظر بوارو ولكن بدا أنها لا تملك ما تضيفه. سألها: هل فوجئت عندما اعتقله الشرطة ؟ 
_ الحقيقة أنني فوجئتُ ولم أفاجأ. لقد رأيتُ دائماً أنه معتوه بعض الشيء , وما من شك أن هؤلاء المعتوهين يصبحون سيئين أحياناً. إن لدى خالي ولداً ضعيف العقل , وهو ينقلب ليصبح سيئاً جداً أحياناً , ولا يعرف أحد مقدار قوته. نعم إن بنتلي هذا كان معتوهاً حقاً, وما كنتُ لأدهش إذا لم يشنقوه عندما يأتي موعده, بل أرسلوه إلى مصحة للمعتوهين عوضاً عن ذلك .انظر أين خبا النقود . لا أحد يضع نقوداً في مكان كهذا إلا إذا أراد أن تُكشف. مجرد شاب سخيف وساذج , وهكذا كان. 
تمتم بوارو قائلاً:إلا إذا أراد لها أن تُكشف ..... هل صدف وفقدتِ ساطوراً أو بلطة؟ 
_لا يا سيدي لم أفقد . لقد سألني الشرطة نفس السؤال , سألوا جميع ساكني البيوت هنا. مازال السلاح الذي قتلها به لغزاً مجهولاً. 
********************** 


.................................................. .................................... 
اتجه هيركيول بوارو صوب البريد . لقد أراد القاتل للنقود أن تُكتشف . ولكن لم يشأ أن يُكتشف سلاح الجريمة , لأن من شأن النقود أن تشير إلى جيمس بنتلي, أما السلاح فمن شأنه أن يشير إلى ........ إلى مَن؟ 
هز بوارو رأسه . كان قد زار البيتين الآخرين اللذين كانا أقل حيوية من بيت السيدة كيدل وأقل إثارة من بيت السيدة إليوت , وقد قال أصحاب البيتين إن السيدة ماغينتي كانت سيدة محترمة وكانت منطوية على نفسها, وإن لها ابنة أخت في كولافون, وإن أحداً لم يكن يأتي لرؤيتها غير ابنة أختها, وإن أحداً_ حسب علمهم _ لم يكن يكرهها أو يحمل لها ضغينة .وقد سألوا إن كانت عريضة التماس تُعدّ لصالح جيمس بنتلي , وهل سيُطلب منهم توقيعها . 
قال بوارو لنفسه: لم أصل إلى شيء ...... أي شيء. لا يوجد أي شيء , ولا طرف خيط بسيط . بإمكاني أن أفهم جيداً يأس المفتش سبنس , ولكن الأمر ينبغي أن يكون مختلفاً في حالتي أنا! إن المفتش سبنس ضابط شرطة جيد ومثابر , أما أنا ,فأنا هيركيول بوارو . أمامي أنا يجب أن يكون كشف ! 
زلق حذاؤه الجلدي اللامع في مخاضة صغيرة فجفل . إنه هيركيول بوارو العظيم, الفريد, ولكنه أيضاً رجل مُسن وحذاؤه ضيق. 
دخل مكتب البريد. كان الجانب الأيمن مخصصاً لخدمات البريد, أما الجانب الأيسر فقد كان معرضاً لخليط منوع من البضائع التي تشمل الحلويات , والمواد الغذائية , الألعاب , الأدوات , و القرطاسية , وبطاقات الأعياد, وصوف الحياكة , وملابس الأطفال الداخلية . 
تقدم بوارو لشراء بعض الطوابع . كانت المرأة التي تقدمت لخدمته في أواسط عمرها 
ذات عينين حادتين لامعتين . قال بوارو لنفسه : هنا يكمن _بلا شك_ عقل قرية بروديني. 
كان اسمها السيدة سويتيمان. قالت وهي تنتزع الطوابع بمهارة من دفتر ضخم: اثنا عشر بنساً أخرى , أي أن المجموع يصبح أربعة شلنات وعشرة بنسات . هل تحتاج شيئاً آخر؟ 
ركزت عليه نظرة دقيقة متلهفة , وظهر من خلال باب خلفها رأس فتاة تستمع بشغف . كان شعرها غير مرتب وبدا أنها تعاني من الزكام. قال بوارو بتجهم : أنا غريب في هذه المنطقة . 
وافقته السيدة سويتيمان قائلة: هذا صحيح يا سيدي. لقد جئت من لندن ,أليس كذلك؟ 
قال بوارو بابتسامة خفيفة : أحسب أنك تعرفين عملي هنا كما أعرفه أنا تماماً. 
قالت السيدة سويتيمان بطريقة آلية تماماً: آه, لا يا سيدي . أنا حقاً لا أعرف. 
_السيدة ماغينتي . 
هزت السيدة سويتيمان رأسها وقالت: كان هذا أمراً مؤسفاً.... بل مفجعاً. 
_ أحسبك كنت تعرفينها جيداً؟ 
_ نعم , يمكنني القول إنني كنتُ أعرفها كما أعرف أي شخص آخر في بروديني . كانت تمضي سحابة النهار معي عندما تجئ لأمر ما.نعم,كانت مأساة مريعة , ولم تنته بعد, أو هذا ما سمعت الناس يقولونه على الأقل. 
_ إن بعض الأوساط تشك في صواب إدانة جيمس بنتلي. 
_ حسناً, لن تكون هذه المرة الأولى التي يُلقي فيها الشرطة القبض على الرجل الخطأ........ رغم أنني لا أحسب أنهم أخطؤوا في هذه الحالة . وهذا لا يعني أنني كنتُ أتوقع منه مثل هذا العمل حقاً. رجل من النوع الحيي المفتقر للبراعة, ولكنه ليس خطيراً , أو أن هذا ما يراه المرء. ولكن أحداً لا يستطيع الجزم ,أليس كذلك؟ 
جازف بوارو وطلب ورقة رسائل . 
_ بالطبع يا سيدي ,هل لك أن تأتي إلى الجانب الآخر. 
استدرت السيدة سويتيمان لتأخذ مكانها خلف الحاجز الخشبي الأيسر, ثم قالت وهي تمد يدها إلى الرف العلى لتجلب الورقة والمغلف : الأمر الذي يصعب تخيله هو: مَن عساه يكون الفاعل إن لم يكن السد بنتلي ؟ إن لدينا بعض المتشردين السيئين هنا أحياناً , ومن الممكن أن يكون أحدهم قد وجد نافذة غير محكمة الإغلاق فدخل منها. 
ولكنه ما كان ليذهب تاركاً النقود وراءه ,أليس كذلك؟ ليس بعد ارتكابه جريمة قتل من اجلها. وهي أوراق من فئة الجنية الواحد على أية حال , ولا يمكن أن تكون أرقامها مُسجلة أو تكون مُعلمة . تفضل يا سيدي . هذه أوراق فخمة زرقاء, وهذه مغلفات تناسبها. 
دفع بوارو الثمن ثم سألها: ألم تتحدث السيدة ماغينتي أبداً عن قلقها أو خوفها من أحد؟ 
_لم تتحدث معي أنا بشيء كهذا , وهي لم تكن امرأة كثيرة القلق .كانت تتأخر_أحياناً_ عند عائلة كاربنتر في هولملي على قمة التلة,إذ غالباً ما يكون لديهم ضيوف على العشاء, فكانت تذهب في المساء لتساعد في غسل الأطباق , وكانت تهبط التلة في الظلام, وهذا أفظع من أقوم به , الهبوط عن التلة في الظلام الدامس! 
_هل تعرفين ابنة أختها ,السيدة بيرتش؟ 
_معرفة عادية فقط. إنها تأتي هي وزوجها من حين لآخر. 
_ لقد ورثا بعض المال عند وفاة السيدة ماغينتي. 
نظرت إليه بعينيها السوداوين النفاذتين بشدة وقالت:هذا أمر طبيعي تماماً, أليس كذلك يا سيدي؟ لا تستطيع أخذ المال معك , وإنه امن الطبيعي تماماً أن يحصل عليه أقاربك الأقربون. 
_ آه ,بلى ,بلى ,أتفق معك كلياً. أكانت السيدة ماغينتي تحب ابنة أختها؟ 
_ أظنها كانت تحبها كثيراً, على نحو هادئ. 
_ وكانت تحب زوج ابنة أختها؟ 
بدت نظرة مراوغة على وجه السيدة سويتيمان وقالت: على ما أعلم. 
_ متى رأيت السيدة ماغينتي آخر مرة ؟ 
فكرت السيدة سويتيمان , عائدة بذاكرتها إلى الوراء وقالت: دعني أتذكر , متى كان ذلك يا إدنا؟ 
نشقت إدنا وهي تقف في المدخل دون أن تجيب, ومضت السيدة سويتيمان قائلة : أكان ذلك يوم موتها؟ لا,بل اليوم الذي سبقه ..... أو اليوم الذي سبق ذلك أيضاً؟ نعم ,كان يوم الاثنين . هذا صحيح ... لقد قُتلت يوم الأربعاء.نعم , كان يوم الاثنين ,حين جاءت لتشتري زجاجة حبر. 
_ زجاجة حبر؟ 
قالت السيدة سويتيمان بزهو: أحسبها أرادت أن تكتب رسالة . 
_ يبدو هذا محتملاً . هل كانت على طبيعتها تماماً وقتها؟ هل بدت مختلفة بأي شكل؟ 
_كـ.... كلا , لا أظن ذلك. 
عبرت إدنا من الباب بسرعة إلى الركن المستخدم كدكان واشتركت فجأة في الحديث مؤكدة : لقد كانت مختلفة , كانت مسرورة لأمر ما. ليست مسرورة تماماً......... بل منفعلة. 
قالت السيدة سويتيمان : ربما كنت على حق , مع أني لم ألاحظ ذلك في حينه. أما وقد ذكرت ذلك الآن ,فقد تذكرت .... كان بها شيء من الحيوية والنشاط. 
_ هل تذكرين أي شيء قالته في ذلك اليوم ؟ 
_ ما كُنت لأذكر في الأحوال العادية . ولكن مقتلها و مجئ الشرطة وغير ذلك قد جعل الأشياء تبرز إلى ذاكرتي. لم تقل شيئاً عن جيمس بنتلي , هذا ما أنا متأكدة منه تماماً, بل تكلمت قليلاً عن عائلة كاربنتر وعن السيدة أبورد .... عن الأماكن التي اشتغلت بها. 
_ آه, نعم. كنت سأسأل من هم الذين اشتغلت عندهم بالضبط؟ 
أجابت السيدة سويتيمان بسرعة : أيام الاثنين والخميس كانت تذهب إلى السيدة سمرهيز في لونغ ميدوز.هذا حيث تقيم أنت, أليس كذلك؟ 
تنهد بوارو وقال : بلى,لا أحسب أنه يوجد مكان آخر للإقامة. 
_ نعم, لا يوجد في بروديني نفسها مكان آخر. أظن أنك لست مرتاحاً تماماً في لونغ ميدوز, أليس كذلك؟ إن السيدة سمرهيز سيدة لطيفة ولكنها لا تعرف أبسط الأشياء عن شؤون المنزل.هؤلاء السيدات القادمات من بلاد أجنبية لا يعرفن هذه الأمور! وأنت تجد هناك دوماً فوضى مريعة بحاجة إلى ترتيب وتنظيف , أو هذا ما كانت تقوله السيدة ماغينتي . نعم, كانت تعمل مساء كل ثلاثاء وصباح كل خميس عند السيدة سمرهيز, وصباح كل ثلاثاء عند الدكتور رندل, وبعد الظهر لدى السيدة أبورد في منزلها المدعو ليبرنامز,أما الأربعاء فكان للسيدة و ذربي في هنتركلوز 
وأيام الجمعة للسيدة سيلكيرك.... وهي الآن السيدة كاربنتر .إن السيدة أبورد سيدة كهلة تقطن مع ابنها,ولديها خادمة ولكنها متقدمة في السن, وقد اعتادت السيدة ماغينتي أن تذهب مرة في الأسبوع لتقوم بتنظيف شامل للبيت . أما السيد والسيدة وذربي فيبدو أنهما لا يحتفظان بأية خادمة طويلاً, والسيدة وذربي مقعدة بعض الشيء . السيد والسيدة كاربنتر لديهما بيت جميل ويستضيفان الكثير من الناس ... إن هؤلاء الناس لطفاء جميعهم . 
ومع آخر تصريح عن سكان بروديني خرج بوارو إلى الشارع مرة أخرى,ومشى ببطء إلى أعلى التلة باتجاه لونغ ميدوز. كان يأمل أن تكون محتويات علبة الفاصوليا المنتفخة والفاصوليا التي تلوثت بالدم قد أُكلت على الغذاء ولم يُحتفظ بشيء منها لإقامة مأدبة عشاء له. ولكن يمكن أن تكون هناك علب أخرى مشكوك بها. إن للحياة في لونغ ميدوز مخاطرها بالتأكيد! 
لقد كان_على العموم_ يوماً مخيباً للآمال. فما الذي علمه؟ علم أن جيمس بنتلي صديقة, وأنه ليس له ولا للسيدة ماغينتي أي أعداء , وأن السيدة ماغينتي بدت منفعلة قبل يومين من موتها,وأنها اشترت زجاجة حبر. 
توقف بوارو متجمداً في مكانه . أكانت تلك الحقيقة , حقيقة صغيرة حصل عليها أخيراً؟ كان قد سأل _دون اهتمام_ عما يمكن أن يدفع السيدة ماغينتي لشراء زجاجة حبر, وكانت السيدة سويتيمان قد أجابت بشكل جاد تماماً بأنها تفترض أن السيدة ماغينتي أرادت أن تكتب رسالة . 
كانت في هذه النقطة أهمية .... أهمية كادت تفوته , لأن كتابة رسالة بالنسبة له(كما هي بالنسبة لمعظم الناس) إنما هي حدث يومي اعتيادي. ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة للسيدة ماغينتي .كانت كتابة رسالة _ بالنسبة للسيدة ماغينتي _ حدثاً غير عادي بحيث أنها تضطر للخروج وشراء زجاجة حبر إن هي أرادت فعل ذلك. 
إذن فإن السيدة ماغينتي لم تكد تكتب رسائل أبداً , وقد كانت السيدة سويتيمان (وهي مأمورة البريد) مدركة تماماً لهذه الحقيقة .ولكن السيدة ماغينتي كتبت رسالة قبل يومين من وفاتها , فلمن كتبت تلك الرسالة ؟ولماذا ؟ 
قد تكون النقطة غير مهمة أبداً و فلعلها كتبت الرسالة لابنة أختها أو لصديقة غائبة . من السخف أن نضع كل هذه الأهمية على أمر بسيط مثل زجاجة حبر. ولكن هذا هو كل ما استطاع الحصول عليه , وهو عازم على متابعته. 
زجاجة الحبر.... 


الفصل الثامن 
........................... 
_ رسالة ؟ 
هزت السيدة بيرتش رأسها بالنفي وأضافت:لا لم أتلق أية رسالة من خالتي .وعن ماذا عساها تكتب لي؟ 
اقترح بوارو قائلاً: ربما كان لديها شيء رغبت بقوله لك. 
_ لم تكن خالتي تتقن الكتابة كثيراً . لقد كانت تقترب من السبعين , وفي صباها لم تكن الفتيات يتلقين قسطاً وافراً من التعليم. 
_ ولكنها كانت تستطيع القراءة والكتابة ,أليس كذلك؟ 
_ بالطبع. ولكنها لم تكن تميل كثيراً للقراءة , رغم أنها كانت تحب قراءة صحيفة الصندي كوميت . ولكن الكتابة تكون أصعب دائماً, ولو كان لديها شيء أرادت أن تخبرني به, كتأجيل موعد زيارتي لها أو لتخبرني بأنها لا تستطيع زيارتي, فإنها كانت تتصل عادة بالسيد بنسون , الصيدلي الذي يسكن في البيت المجاور لنا , ويقوم هو بإيصال الرسالة لي . وهو رجل بالغ اللطف في هذا الأمر. إننا نسكن في منطقة واحدة, ولذلك فالمكالمة لا تكلف سوى بنسين, وفي مكتب البريد في بروديني هاتف عمومي. 
أومأ بوارو برأسه ,فقد قدر حقيقة أن بنسين أفضل من بنسين ونصف , وكان قد تمكن من تكوين صورة عن السيدة ماغينتي كسيدة من النوع المقتصد الموفر. رأى أنها كانت مغرمة جداً بالمال . 
ولكنه تابع إصراره برفق: ولكن أحسب أن عمتك كانت تراسلك في بعض الأحيان ,أليس كذلك؟ 
_ كنا نتبادل البطاقات في الأعياد. 
_وربما كان لها أصدقاء في أجزاء أخرى من إنكلترا كانت تراسلهم؟ 
_لا علم لي بذلك . كانت عندها أخت زوجها, ولكنها توفيت منذ سنتين, وامرأة تدعى السيدة بيردليب, ولكنها متوفاة أيضاً. 
_فلو كتبت إذن لأحد , لكان ذلك_على الأرجح_ رداً على رسالة تلقتها؟ 
مرة أخرى بدت بيسي بيرتش مرتابة بذلك وقالت: "لا أعلم من يمكنه أن يرسلها".ثم أردفت وقد تهلل وجهها: باستثناء معاملات الحكومة بالطبع! 
وافق بوارو على أن المراسلات القادمة في هذه الأيام مما أسمته بيسي_ تعميماً_ "الحكومة" كانت هي القاعدة وليس الاستثناء. 
قالت السيدة بيرتش:وعادة ما يكون معظمها سخيفاً :استمارات للتعبئة , وكثير من الأسئلة الوقحة التي يجب أن لا تُطرح على أي إنسان محترم. 
_ إذن ربما كانت السيدة ماغينتي قد تلقت بعض الرسائل الحكومية التي اضطرت للرد عليها؟ 
_ لو كان ذلك صحيحاً لأحضرت الرسالة إلى جو ليساعدها بها. هذه الأشياء كانت تربكها وكانت دائماً تحضرها لجو. 
_ هل تذكرين وجود أية رسائل بين ممتلكاتها الخاصة. 
_ لا يمكنني الجزم بدقة . لا أذكر شيئاً, ولكن رغم ذلك فإن الشرطة وقد وضعوا أيديهم على كل شيء في البداية , وقد مر وقت طويل قبل أن يأذنوا لي بجزم أشيائها وأخذها معي. 
_ وماذا حدث لهذه الأشياء ؟ 
_ ذلك الصندوق التي تراه هناك لها, وهو مصنوع من خشب الماهوغاني القوي الجيد, وتوجد أيضاً خزانة في الطابق العلوي , بالإضافة إلى بعض أجهزة المطبخ الجيدة. أما بقية الأشياء فقد قمنا ببيعها لعدم وجود متسع لها. 
_ قصدت أشياءها الخاصة , كا لفراشي والأمشاط والصور,وأدوات الزينة , والملابس........ 
_ آه, هذه الأشياء! سأكون صادقة معك , لقد وضعتها في حقيبة ولازالت في الطابق العلوي . لم أعرف ماذا أفعل بها, فكرت بأن آخذها إلى السوق الخرداوات قبل عيد الميلاد, ولكني نسيت . ولم يبد لي لائقاً أن آخذها لأولئك المتاجرين بالثياب المستعملة. 
_ إني لأتساءل ......هل بإمكاني رؤية محتويات تلك الحقيبة ؟ 
_ على الرحب والسعة بالتأكيد . رغم أنب لا أحسب انك ستجد ما يساعدك , فقد قام الشرطة بذلك من قبل . 
_ أعلم هذا , ولكن مع ذلك........ 
قادته السيدة بيرتش بخفة إلى غرفة نوم خلفية صغيرة لاحظ بوارو أنها تُستخدم _بشكل رئيس_ لخياطة الملابس البيتية.سحبت حقيبة من تحت السرير وقالت: حسناً, هاك الحقيبة , وأرجوا أن تعذرني ولكن علي أن أهتم بالطعام. 
عذرها بوارو بامتنان , وعاد ليسمع صوت خطواتها الثقيلة في الطابق الأسفل . سحب الحقيبة نحوه وقام بفتحها . وهبت رائحة النفتالين من الحقيبة لتحييه . أخرج المحتويات وقد تملكه شعور من الشفقة ,فقد كانت فصيحة في تعبيرها عن امرأة ماتت. 
كان في الحقيبة معطف أسود طويل لحقه البلى , وسترتان من الصوف, وتنوره ,وجوارب (لم يجد ملابس داخلية , على الأغلب أن بيسي بيرتش قد أخذتها لاستخدامها), وزوجان من الأحذية ملفوفان بصحيفة , وفرشاة ومشط كلاهما عتيق ولكنه نظيف , ومرآة قديمة ذات خلفية فضية وتقعر يشوه الصورة فيها, وصورة داخل إطار جلدي لعروسين يرتديان ثياباً تعود في طرازها لثلاثين سنة خلت ( ويفترض أن تكون للسيدة ماغينتي وزوجها), وبطاقتان بريديتان على شكل صورتين لمدينة مارغيت , وكلب من خزف, وقصاصة من صحيفة لوصفة لصنع مربى الخضار,وقصاصة أخرى تتناول موضوع " الصحون الطائرة "بطريقة مثيرة . 
لم يكن هنا حقائب يد أو قفازات. يُفترض أن يكون بيسي بيرتش قد أخذت هذه الأشياء 
أو أعطتها لأحد ما. وخمن بوارو أن الملابس الموجودة هنا أصغر من أن تناسب بيسي ذات الجسم الممتلئ , لقد كانت السيدة ماغينتي امرأة نحيلة وصغيرة الحجم. 
نزع بوارو الصحيفة عن أحد زوجي الأحذية . كان الحذاء ذا نوعية جيدة ولم تكن بالياً كثيراً, وكان_ بالتأكيد_ أصغر من قياس قدم بيسي بيرتش . وكان على وشك أن يعيد لف الحذاء مرة أخرى عندما لفت نظره عنوان على قصاصة الصحيفة. 
كانت صحيفة صندي كوميت , وكان التاريخ هو التاسع عشر من شهر تشرين ثاني(نوفمبر), ولقد قُتلت السيدة ماغينتي في الثاني والعشرين من ذلك الشهر! 
هذه_إذن _ الصحيفة التي اشترتها يوم الأحد الذي سبق وفاتها. وكانت ملقاة في غرفتها, وقد استخدمتها بيسي بيرتش فيما بعد لتلف بها بعض أغراض خالتها. 
الأحد 19 تشرين ثاني . ويوم الإثنين ذهبت السيدة ماغينتي إلى مكتب البريد لشراء زجاجة من الحبر ...أيمكن أن يكون ذلك بسبب شيء رأته في الصحيفة يوم الأحد؟ 
نزع بوارو عن زوج الأحذية الآخر , ومسد الصحيفتين ثم أخذهما إلى كرسي حيث جلس وشرع في قراءتهما. واكتشف شيئاً عل الفور , فعلى إحدى صفحات الصندي كوميت كان شيء مقصوص. كانت قصاصة مستطيلة منزوعة من الصفحة الوسطى, وكانت المساحة أكبر بكثير من أن تناسب أياً من القصاصات التي وجدها! 
تفحص كلا الصحيفتين ولكن لم يجد ما يثير الاهتمام فقام بلفهما حول الأحذية مرة أخرى وحزم الحقيبة بشكل مرتب, ثم نزل إلى الطابق الأرضي. 
كانت السيدة بيرتش مشغولة في المطبخ .قالت:لا أظنك وجدت شيئاً؟ 
قال بوارو :"نعم, لك أجد شيئاً للأسف". ثم أضاف بأسلوب عرضي غير مكترث : أتذكرين إن كانت في محفظة خالتك أو حقيبة يدها قصاصة من صحيفة؟ 
_ لا أذكر وجود أية قصاصة . لعل الشرطة أخذوها . 
ولكن الشرطة لم يأخذوها . كان بوارو يعرف ذلك من دراسته لملاحظات سبنس , فقد دُوَّنت محتويات حقيبة المرأة المتوفاة في قائمة, ولم تكن بينها قصاصة صحيفة. 
قال بوارو مخاطباً نفسه: حسناً, الخطوة التالية سهلة . إما أن ينتهي المر بفشل ذريع..... أو أنني_ أخيراً_ أحرز تقدماً. 

جلس بوارو جامداً تماماً والملفات المغبرة للصحيفة أمامه, وقال لنفسه إن إدراكه لأهمية زجاجة الحبر لم يذهب عبثاً. 
كانت صحيفة الصندي كوميت تميل لسرد قصص رومانسية لأحداث خلت . كان العدد الذي ينظر إليه بوارو من صحيفة صندي كوميت عدد يوم الأحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) , وفي أعلى الصفحة الوسطى كانت هذه الكلمات مطبوعة بخط كبير: النساء من ضحايا المآسي القديمة ....... أين هؤلاء النساء الآن؟ 
وتحت هذا العنوان وُضعت أربع صور غير واضحة أبداً أخذت منذ سنوات عديدة كما هو واضح. 
لم تبدُ صاحبات الصور مأساويات الشكل , بل ظهرن _ في الواقع_ سخيفات إلى حد ما , ذلك أنهن كن يرتدين جميعاً ملابس ذات طراز قديم, ولاشيء يبدو أسخف من طرازات الأمس ... رغم أنها قد تستعيد سحرها بعد مضى ثلاثين سنة أخرى ! 
كان تحت كل صورة اسم. 

إيفا كين ," المرأة الأخرى" في قضية كريغ الشهيرة . 
جانس كورتلاند, " الزوجة المأساوية " التي كان زوجها 
شيطاناً على هيئة إنسان. 
ليلي غامبول الصغيرة , طفلة مأساوية من نتاج عصرنا 
المزدحم. 
فيرا بليك , الزوجة الغافلة لقاتل . 
أين هؤلاء النساء الآن؟ 
رمش بوارو بعينية , واستعد ليقرأ بدقة متناهية النثر الرومانسي الذي يروي قصة حياة هؤلاء البطلات الغائمات غير الواضحات . 
كان يذكر اسم إيفا كين , ذلك لأن القصة كريغ كانت مشهورة جداً . كان ألفرد كريغ موظف البلدية في بارمينستر, وكان رجلاً ضئيل الجسم حي الضمير , عادياً لا يوجد ما يميزه, دقيقاً ولطيفاً في سلوكه. وكان من سوء حظه أن تزوج امرأة متعبة مزاجية , وقد جعلته زوجته يغرق في الديوان وجعلت حياته جحيماً, وكانت تعاني من أمراض عصبية وصفها أصدقاء خبثاء بأنها كانت متخيلة كلها وكانت إيفا كين مربية الأطفال الشابة في البيت . كانت في التاسعة عشر من عمرها, جميلة , بسيطة, مغلوبة على أمرها. وقعت في حب السيد كريغ وبادلها الحب. و بعدئذ , وفي أحد الأيام , سمع الجيران بأن السيدة كريغ قد" نُصحت بالسفر إلى الخارج" من أجل صحتها. كانت تلك هي قصة كريغ , وقد أخذها إلى لندن في المرحلة الأولى من الرحلة بسيارة في وقت متأخر من أحد الأمسيات , وقام "بتوديعها" إلى جنوب فرنسا, ومن ثم عاد أدراجه إلى بارمينستر,وكان يشيع _ بين فترة وأخرى_ كيف كانت صحة زوجته تتدهور حسبما كانت تذكر في رسائلها . وبقيت إيفا كين لتدبر له أمور المنزل , وسرعان ما بدأت الألسن تتحدث . وفي النهاية , تلقى كريغ خبراً يفيد بأن زوجته توفيت في الخارج , فسافر لمدة أسبوع ثم عاد بخبر عن الجنازة. 
كان كريغ رجلاً بسيطاً من بعض الجوانب , فقد ارتكب خطأ إذ ذكر المكان الذي توفيت فيه زوجته , وهو منتجع معروف _ نوعاً ما_ في الريفيرا الفرنسية . وبذلك لم يعد الأمر يتطلب إلا أن يقوم أحدهم (ممن له قريب أو صديق يعيش هناك) بكتابة رسالة لذلك القريب أو الصديق , بحيث يكتشف عدم وجود وفاة أو جنازة لشخص بهذا الاسم , ثم يقوم _ بعد فترة من الشائعات البشعة_ بالاتصال بالشرطة . 
أما الأحداث اللاحقة فيمكن تلخيصها : لم تذهب السيدة كريغ إلى الريفيرا, فقد تم تقطيعها إلى قطع صغيرة ودفنها في قبو المنزل , وأظهر تشريح البقايا بأنها قد سُممت عن طريق قلويات نباتية. تم القبض على كريغ وتقديمه للمحاكمة. أما إيفا كين فقد اتهمت في البداية بالتواطؤ كشريكة له, ولكن تم إسقاط التهمة لأنه ظهر جلياً بأنها كانت طوال الوقت جاهلة تماماً بما حدث . وفي النهاية أدلى كريغ باعتراف كامل ومن ثم حوكم وأعدم. 
وغادرت إيفا كين (التي كانت تنتظر طفلاً) مدينة بارمينستر. وقد مضت صحيفة صندي كوميت لتقول: 
أقرباء طيبون في العالم الجديد قدموا لها مأوى .وبعد 
أن غيرت اسمها ,قامت الفتاة المسكينة _ التي أغواها 
في شبابها الساذج مجرم عاتٍ _ بمغادرة تلك الشواطئ 
إلى الأبد , لتبدأ حياة جديدة ولتخفي عن ابنتها اسم أبيها 
وتبقيه في قلبها إلى الأبد. 
"ستكبر ابنتي سعيدة بريئة ,ولن تُلطخ حياتها قسوة الماضي. 
هذا ما أقسمت عليه ,وسأحتفظ بذكرياتي المأساوية لنفسي" 
يا لإيفا كين المسكينة الساذجة! وقد عرفت _منذ الصغر_ 
وضاعة ودناءة الإنسان .أين هي الآن ؟ أتراها في إحدى 
مدن الغرب الأوسط, امرأة كهلة , هادئة محترمة من 
قبل جيرانها , وفي عينيها سحابة حزن؟ وهل تأتي إليها 
شابة سعيدة مرحة _ لعل لها أطفالاً _ لتزور "ماما" و 
ترى لها مصاعب ومشكلات الحياة اليومية دون أن 
يكون لديها أدنى علم عما كابدنه أمها من الآم الماضي؟ 
قال هيركيول بوارو مع نفسه : "آه ,لا,لا!" .ثم انتقل إلى الضحية المأساوية التالية : 
لقد كانت جانس كورتلاند( الزوجة المأساوية )سيئة الحظ مع زوجها بالتأكيد ,فقد عانت لثماني سنوات من تصرفاته العربية التي أشارت لها صحيفة بطريقة خفية تثير الفضول فوراً. ثماني سنوات من التضحية , كما أكدت الصندي كوميت . وبعد ذلك وجدت جانس صديقاً , شاباً مثالياً متفانياً , ذُعر إذ رأى _بالمصادفة_ مشادة بين الزوج والزوجة بمهاجمة الزوج بقوة كبيرة جداً لدرجة أن جمجمة الزوج تهشمت على الحافة الرخامية الحادة للموقد . وقد وجدت هيئة المحلفين أن ما تعرض له الشاب من استفزاز كان شديداً, وأن المثالي الشاب لم يكن ينوي القتل , وحكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة القتل غير العمد . 
وقد أفزعت جانس المتألمة الضجة والفضيحة التي أحدثتها القضية , فرحلت إلى الخارج "لتنسى" . وتساءلت الصندي كوميت: 
" هل استطاعت النسيان ؟ نأمل ذلك. ربما كانت هناك 
_في مكان ما_ زوجة وأم سعيدة تبدو لها الآن تلك 
السنوات من الكوابيس والمعاناة التي تحملتها أشبه بحلم " 
قال بوارو :" حسناً, حسناً ". ثم انتقل إلى ليلي كامبول, الطفلة المأساوية من نتاج عصرنا المزدحم . 
وقد بدا أن ليلي كامبول كانت قد نُقلت من بيتها المزدحم , فقامت برعايتها عمة لها. رغبت ليلي أن تذهب إلى السينما , ولكم العمة قالت لها :"لا", فالتقطت ليلي ساطور اللحم المُلقى على الطاولة في متناول اليد وعاجلت عمتها بضربة به, ورغم أن العمة كانت استبدادية إلا أنها كانت صغيرة الحجم ضعيفة,فقتلتها الضربة . 
لقد كانت ليلي كاملة النمو قوية البنية بالنسبة لسنها الذي لم يتجاوز الثانية عشرة . وقد فتحت دار للأحداث أبوابها لتختفي ليلي من الحياة العامة . 
ولكنها لآن امرأة,وقد عادت حرة لتأخذ مكاناً 
لها في حياتنا, ويقال إن سلوكها خلال فترة 
الاحتجاز والمراقبة كان مثالياً. ألا يثبت ذلك 
بأن علينا أن نلقي اللوم على النظام وليس على 
الطفلة ؟ لقد كانت ليلي الصغيرة (التي تربت في 
بيئة جاهلة ) ضحية بيئتها . 
والآن وقد كفرت عن زلتها المأساوية , نأمل 
أنها تعيش في مكان ما موطنة سعيدة ,وزوجة 
وأماً صالحة .يا للمسكينة الصغيرة ليلي كامبول! 
هز بوارو رأسه عجباً, إذ كان يرى أن طفلة في الثانية عشرة تهاجم عمتها بساطور اللحم وتوجه لها ضربة قوية بحيث تقتلها لا يمكن أن تكون طفلة لطيفة . كانت عواطفه في هذه القضية مع العمة . 
انتقل إلى فيرا بليك . 
بدا واضحاً أن فيرا بليك كانت واحدة من أولئك النساء اللاتي يعاكسهن الحظ دائماً, 
ففي البداية اتخذت لها صديقاً تبين أنه من رجال العصابات يسعى القانون في أثره لقتله حارس بنك, ومن ثم تزوجت تاجراً محترماً تبين_ فيما بعد _ أنه كان يشتري بضائع مسروقة . وبالمثل فإن طفليها لفتا بعد أنظار الشرطة إليهما, فقد كانا يذهبان مع أمهما إلى المحلات التجارية الكبرى فيسرقان منها البضائع . ولكن ظهر في نهاية المطاف "رجل صالح" على الساحة, وقدم لفيرا التعسة بيتاً في إحدى المستعمرات , وغادرت مع طفليها هذا البلد المُنهك. 
ومنذ ذلك الحين كانت بانتظارهم حياة جديدة. 
وأخيراً _وبعد سنوات طويلة من صفحات الحياة 
المتكررة _ انتهت متاعب فيرا. 
قال بوارو مشككاً: أشك في ذلك ,فمن المرجح كثيراً أن تكتشف أنها قد تزوجت مخادعاً أفاكاً بمارس الأعاجيب . 
استند بوارو إلى مسند كرسيه وتفحص الصور الأربع .إيفا كين ذات القبعة الضخمة والشعر المموج والأشعث المتدلي على أذنيها , وهي تمسك بباقة أزهار تقربها إلى أذنيها وكأنها سماعة هاتف. وجانس كورتلاند التي ترتدي قبعة تتدلى إلى أذنيها وحزاماً يلتف حول ردفيها . أما ليلي كامبول فقد بدت طفلة دميمة يعطي فمها المفتوح انطباعاً بإصابتها بالجيوب وتضع نظارات سميكة .أما فيرا بليك فكانت صورتها بالأبيض والأسود غائمة إلى حد لا تظهر معه أي من قسماتها . 
ولسبب ما, قامت السيدة ماغينتي بنزع كل هذه المقال والصور وكل شيء . لماذا؟ لمجرد الاحتفاظ بها لأن القصص أثارت اهتمامها؟ لم يظن بوارو ذلك , فقليلة جداً هي الأشياء التي احتفظت بها السيدة ماغينتي طوال السنوات التي تزيد عن الستين من حياتها . كان بوارو يعرف ذلك من تقارير الشرطة عن مقتنياتها . 
لقد نزعت هذه المقال يوم الأحد, وفي اليوم التالي قامت بشراء زجاجة الحبر , والاستنتاج هو أنها_ وهي التي لم تكتب رسالة قط_ كانت على وشك أن تكتب رسالة.فلو كانت تلك الرسالة تخص أموراً عملية لقامت _على الأغلب_ بطلب المساعدة من جوبيرتش . ولذلك فإن تلك الرسالة لم تكن تتعلق بأمور عملية . لقد كانت........ ماذا؟ 
استعرضت عينا بوارو الصور مرة أخرى . لقد تساءلت جريدة الصندي كوميت :"أين هؤلاء النساء؟" ...... وخطر لبوارو أن واحدة منهن ربما كانت في بروديني في تشرين الثاني ! 
***************** 
لم يستطع بوارو تأمين مقابلة شخصية خاصة مع الآنسة باميلا هورسفول إلا في اليوم التالي . ولم تستطع الآنسة هورسفول أن تعطيه الكثير من وقتها, إذ أوضحت أن عليها لأن تسرع إلى شيفيلد. 
كانت الآنسة هورسفول طويلة رجولية المظهر , ولم يكن من شأن الذي يراها أن يتصور أن يكون قلمها هو الذي خط تلك العواطف الساذجة المبتذلة في الصندي كوميت .إلا أن ذلك كان صحيحاً. 
قالت الآنسة هورسفول لبوارو بصبر نافد: هيا, قل ما عندك؟ فعلي أن أذهب. 
_ الأمر يتعلق بمقالك في تشرين الثاني الماضي . تلك السلسلة حول النساء المأساويات . 
_ آه, تلك السلسلة .إنها مقرفة جداً, أليس كذلك؟ 
لم يعط بوارو رأيه حول هذه النقطة ,بل قال :أنا أشير_ بشكل خاص_ إلى تلك المقالة التي نُشرت في التاسع عشر من تشرين ثاني حول"نساء ارتبطن بجرائم". وقد تناولَتْ إيفا كين ,وفيرا بليك, وجانس كورتلاند , وليلي غامبول. 
ابتسمت الآنسة هورسفول وقالت:" أين هؤلاء المأساويات الآن؟".....نعم ,أذكر ذلك. 
_ أحسب أنك تتلقين أحياناً رسائل بعد ظهور هذه المقالات ,أليس كذلك؟ 
_ آه , بالتأكيد! إذ يبدو أن بعض الناس لا يفعلون شيئاً سوى كتابة الرسائل ,فهذا "شاهد المجرم كريغ يمشي في الشارع", وتلك تود لو تخبرني "بقصة حياتها الأكثر مأساوية من أي شيء يمكنني تخيلة". 
هل تلقيت رسالة بعد ظهور تلم المقالة من امرأة تدعى السيدة ماغينتي من منطقة بروديني؟ 
_ يا سيدي العزيز,كيف لي أن أعرف ذلك بربك؟ إنني أتلقى أكوماً من الرسائل .كيف لي أن أتذكر اسماً بعينه؟ 
_ظننت أنك ربما تذكرين ,لأن السيدة ماغينتي قُتلت بعد ذلك بأيام قليلة . 
نسيت الآنسة هورسفول نفاد صبرها للذهاب إلى شيفيلد وجلست على كرسي وقالت: أما وقد ذكرت ذلك, فانتظر. ماغينتي....... أنا أذكر الاسم . ضُربت على رأسها من قبل المستأجر .ليست بالجريمة المثيرة من وجهة نظر الرأي العام. أتقول إن المرأة كتبت لي؟ 
_أحسبها كتبت لجريدة الصندي كوميت . 
_ نفس الشيء , فستصل الرسالة لي . ومع وقوع جريمة القتل ... وبظهور اسمها في الصحف ... يجب أن أتذكر بالتأكيد. 
توقفت الآنسة هورسفول لبرهة ثم تابعت: اسمع ,لم تكن الرسالة من بروديني, بل من برودوي. 
_إذن فأنت تذكرين؟ 
_لست متأكدة .ولكن الاسم ... إنه اسم مضحك ,أليس كذلك؟ ماغينتي! نعم, كانت كتبتها فظيعة , وأمية تماماً.لو أنني أدركت فقط .... ولكني متأكدة أن الرسالة جاءت من برودوي. 
_ أنت نفسك تقولين إن كتابتها كانت سيئة , ويمكن لبرودوي وبروديني , أن ابدوا متشابهتين . 
_ نعم..... يمكن أن تكون الأمر كذلك ,إذ لا يحتمل _ في النهاية الأمر_ أن يعرف المرء تلك الأسماء الريفية الغربية . ماغينتي .... نعم أذكر ذلك .ربما ساعدت الجريمة في بقاء الاسم عالقاً في ذهني. 
_ هل يمكنك تذكر ما قالت في رسالتها؟ 
_ شيئاً ما عن صورة . قالت إنها تعرف مكان صورة مثل تلك التي نشرت في الصحيفة . وسألت إن كنا مستعدين أن ندفع شيئاً مقابل هذه المعلومة , وكم ندفع؟ 
_ وهل أجبت على الرسالة؟ 
_يا سيدي العزيز, إننا لا نريد شيئاً من هذا القبيل . أرسلنا لها الإجابة المتعارف عليها: اعتذاراً مؤدباً ليس أكثر.ولكن بما أننا أرسلنا الجواب إلى برودوي, فلا أحسب أنه وصلها أبداً. 
_ كانت تعرف مكان وجود صورة ....... 
عادت إلى ذهن بوارو ذكرى سابقة .صوت مورين سمرهيز اللامبالي وهو يقول: "كانت بالطبع فضولية قليلاً". 
كانت السيدة ماغينتي تحشر أنفها.كانت شريفة نزيهة , ولكنها كانت تحب أنتعرف الأمور. وكان الناس يحتفظون بأشياء.... أشياء سخيفة لا معنى لها من الماضي,يحتفظون بها لأسباب عاطفية ,أو أنهم يغفلون عنها فقط ولا يذكرون وجودها . وقد رأت السيدة ماغينتي صورة قديمة , وفيما عليها عندما أعيد نشرها في الصندي كوميت .وقد تساءلت عما إذا كان في الأمر مال تجنيه. 
نهض بوارو بخفة قائلاً: شكراً لم آنسة هورسفول. أرجو أن تعذرين, ولكن هل كانت تلك الملاحظات عن القضايا التي كتبت عنها دقيقة؟ فقد لاحظت _مثلاً_ أنك قد أخطأت في تحديد السنة التي تمت فيها محاكمة كريغ ,فقد كانت عملياً بعد سنة من التاريخ الذي ذكرته. وفي قضية كورتلاند كان اسم الزوج_فيما أذكر_ هيربرت وليس هوبرت . وقد عاشت عمة ليلي غامبول في بكينغها مشير وليس بيركشير. 
لوحت الآنسة هورسفول بيدها وقالت: يا سيدي العزيز! لا جدوى من الدقة . لقد كان الأمر برمته مجرد خلطة رومانسية من البداية حتى النهاية . لقد درست الحقائق قليلاً , ثم شطحت بها عالياً. 
_ ما أحاول قوله هو أن شخصيات بطلاتك ربما لم تكن كما وصفتها تماماً. 
أصدرت باميلا صوت صهيل كصوت حصان: بالطبع لم تكن كذلك , فماذا تحسب أنت؟ أنا لا أشك بأن إيفا كين كانت سيئة بكل معنى الكلمة , لا مجرد فتاة بريئة مجروحة. أما بالنسبة لكورتلاند ,فلماذا عانت بصمت لثماني سنوات مع رجل سادي؟ لأنه كان يتقلب في الثروة , ولم يكن حبيبها الرومانسي يملك شيئا من هذا. 
_ والطفلة المأساوية ,ليلي غامبول؟ 
_ ما كنتُ لأحب أن تلعب تلك الفتاة حولي ومعها ساطور. 
نقر بوارو بأصابعه و قال: لقد غادرن البلد وذهبن إلى العالم الجديد, إلى الخارج ,"إلى المستعمرات..... ليبدأن حياة جديدة" على حد تعبيرك. ولكن ليس لدينا ما يشي إلى عدم عودتهن إلى البلد مرة أخرى,أليس كذلك ؟ 
وافقته الآنسة هورسفول قائلة: بلى, بالتأكيد. والآن..... يجب فعلاً أن أسرع بالخروج.
في وقت لاحق من تلك الليلة اتصل بوارو بالمفتش سبنس الذي بادره قائلاً:لقد كنت أنساءل عما جرى يا بوارو ,هل توصلت إلى شيء ؟أي شيء؟ 
قال بوارو متجهماً: لقد أجريت تحرياتي. 
_ وماذا وجدت؟ 
_نتيجة هذه التحريات هي مايلي: إن جميع الناس الذين يعيشون في بروديني لطفاء جداً. 
_ ماذاتقصد بذلك سيد بوارو؟ 
_ آه, يا صديقي ,فكر." أناس لطفاء جداً" وقد سبق لهذا أن كان دافعاً للقتل.