الفصل التاسع 
تمتم بوارو مع نفسه وهو يستدير ليدخل بوابة كروسويز قرب المحطة :جميعهم لطفاء جداً! 
أظهرت لافته نحاسية مثبتة قرب الباب أن الدكتور ريندل يسكن في ذلك المكان .كان الدكتور ريندل رجلا ضخماً مرحاً في الأربعين من عمره ,وقد رحب بضيفة بحفاوة خاصة قائلاً: لقد تشرفت قريتنا الصغيرة الهادئة بوجود هيركيول بوارو العظيم. 
رد بوارو وقد طرب لهذا المديح :آه, أوقد سمعتم بي أذن؟ 
_بالطبع سمعنا بك , ومن لم يسمع بك؟ 
كان من شأن الإجابة على هذا السؤال أن تكون مدمرة لاحترام بوارو لنفسه , ولذا اكتفى بالقول بأدب :من حسن حظي أني وجدتك في البيت . 
لم يكن ذلك من باب الحظ تحديداً, وبل كان_على العكس من ذلك _ توقيتاً حاذقاً ,ولكن الدكتور ريندل أجاب بمرح :نعم.لقد أمسكت بي بصعوبة , فلم يبق على موعد الالتحاق بالعيادة سوى ربع ساعة .والآن :ماذا بوسعي أن أفعل لك؟ إن الفضول ينهشني لمعرفة ماتفعله هنا. أهي راحة استجمامية ؟أم أن بين ظهرانينا جريمة؟ 
_يمكنك قول ذلك , ولكن بصيغة الماضي وليس الحاضر. 
_الماضي ؟لا أذكر........ 
_السيدة ماغينتي . 
_بالطبع , بالطبع ,كدت أن أنسى .ولكن لاتقل لي إنك مهتم بذلك.... بعد مرور كل هذا الوقت؟ 
_سوف أبوح لك بسر: لقد قامت هيئة الدفاع باستخدامي لظهور دليل جديد يمكننا من تقديم استئناف . 
قال الدكتور ريندل بحدة: ولكن أي دليل جديد يمكن أن يكون قد ظهر؟ 
_هذا _للأسف_ما يمكن أن أبوح به. 
_آه , تماماً.أرجو أن تعذرني. 
_ولكني صادفت أموراً معنية يمكن القول أنها ....... غريبة جداً.كيف يمكنني أن أعبر عن ذلك؟ أأقول إنها أمور شديدة الدلالة؟ وقد جئتك_دكتور_ريندل لأنني أعرف أن السيدة ماغينتي كانت تعمل هنا أحياناً. 
_آه.نعم, نعم ,كانت تعمل هنا. هل لك بشرب شئ؟شاي؟أي عصير؟ هل تفضل العصير؟ حسناً, وأنا كذلك. 
أحضر كأسين وجلس بجانب بوارو ثم تابع قائلاً: لقد اعتادت أن تأتي مرة في الأسبوع لتقوم بأعمال تنظيف إضافية.لدي مدبرة منزل جيدة جداً, بل ممتازة. ولكن مدبرة منزلي _السيدة سكوت_ لاتستطيع تلميع النحاسيات ومسح أرضية المطبخ لأنها تجد صعوبة في الانحناء على ركبتها,وقد كانت السيدة ماغينتي عاملة ممتازة . 
_أتظن أنها كانت صادقة؟ 
_صادقة؟هذا السؤال غريب .لا أحسبني أستطيع الجزم ,فلم أجد فرصة لمعرفة ذلك.لقد كانت صادقة تماماً وفق ماأعلمه . 
_إذن فأنت تظن أنها إذا ما أدلت بقول لأحد,فإن قولها يُرجح أن يكون صحيحاً؟ 
بدا الدكتور ريندل مضطرباً قليلاً وقال: آه, ما كنتُ لأذهب إلى هذا الحد ,فأنا لا أعرف عنها_حقاً_سوى القليل .بإمكاني أن أسال السيدة سكوت ,فمن شأنها أن تعرف أفضل مني. 
_لا, لا. من الأفضل أن لا تفعل ذلك. 
قال الدكتور ريندل بمودة :أنت تثير فضولي ,فما هو ذلك الشيء الذي كانت تدور وتتحدث به؟ أهو شيء تشهيري قليلاً؟ أعني:أهو قذف أو تشهير بالآخرين . 
اكتفى بوارو بهز رأسه بالنفي , ثم قال : أنت تدرك أن الأمر كله سري للغاية في الوقت الحاضر,فأنا مازلت في بداية تحقيقاتي. 
فقال الدكتور ريندل بشيء من الجفاء:سيتعين عليك أن تسرع قليلاً,أليس كذلك؟ 
_أنت على حق,فالوقت المتاح لي قصير . 
_إنك تثير دهشتي .لقد كنا هنا متأكدين جميعاً من أن بنتلي هو الذي فعل ذلك ,ولم يبد في ذلك أي شك. 
_لقد بدت جريمة قذرة عادية ليس فيها الكثير من الإثارة .أهذا ما تريد قوله؟ 
_نعم,نعم ,هذا ما يجُمل الموضوع بشكل حسن . 
_أكنت تعرف جيمس بنتلي؟ 
_لقد جاء لمراجعتي طبياً مرة أو مرتين , وكان قلقاً بشأن صحته . يُخيل إلي أن أمه بالغت في حمايته . كثيراً ما يصادف المرء مثل هذه الأمور,ولدينا حالة مشابهة هنا.
_آه,حقاً؟ 
_نعم السيدة أبورد, لورا أبورد. إنها شغوفة بابنها روبن إلى حد سخيف , وتبقيه مرتبطاً بها دائماً.إنه شاب ذكي , وإن لم يكن بذلك الذكاء الذي يراه في نفسه(وهذا الكلام بيننا بالطبع ). ولكنه _مع ذلك_ موهوب بالتأكيد. إن روبن هذا كاتب مسرحي واعد. 
_هل يعيشون هنا منذ مدة طويلة؟ 
_منذ ثلاث سنوات أو أربع.لا أحد يسكن في بروديني منذ مدة طويلة ,فالقرية الأصلية كانت مجموعة من البيوت الصغيرة تتجمع حول لونغ ميدوز .لقد فهمت أنك تنزل هناك؟أليس كذلك؟ 
رد بوارو دون حماسة زائدة:بلى. 
بدا الدكتور ريندل مسروراً,وقال: يا له من نُزُل! إن تلك الشابة لا تعرف شيئاً عن إدارة فندق أو نُزُل.لقد عاشت في الهند طوال حياتها الزوجية والخدمُ يطوفون حولها من كل جانب. أراهن على أنك على أنك غير مرتاح, فلا أحد يمكث فترة طويلة هناك. أما المسكين سمرهيز فإنه لن يجني شيئاً من محاولته الانكباب على زراعة حديقته بالخضار بقصد تسويقها. إنه رجل لطيف, ولكن لا فكرة لديه عن الحياة التجارية , وعلى المرء أن يتقن فهم الحياة التجارية إذا ما أراد أن ينجح .ومع ذلك فأنا أحب عائلة سمرهيز, فالزوجة سيدة رائعة, ورغم أن الزوج ذو طبع حاد ويميل إلى المزجية إلا إنه واحد من الحرس القديم , إنسان ممتاز تماماً. ليتك كنت تعرف الكولونيل العجوز سمرهيز ,فقد كان عنيف الطبع شديد الفخر بنفسه. 
_أهو والد الميجر سمرهيز؟ 
_نعم. لم تملك العائلة الكثير من المال عندما مات الأب , وقد عانى أفرادها _بالطبع_ من تكاليف الوفاة, ولكنهم كانوا مصرين على البقاء في القرية. ولا تعرف المرء هل يعجب بهم أم ينعتهم "بالحمقى السخفاء". 
نظر الدكتور ريندل إلى ساعته, فقال بوارو : يجب أن لا أؤخرك. 
_مازالت أمامي بضع دقائق , كما أنني أود أن تقابل زوجتي.لا أعرف أين هي, لقد اهتمت شديد الاهتمام عندما علمت أنك جئت إلى القرية,فكلانا مهتم جداً بالجرائم ونقرأ كثيراً عن هذا الأمر. 
سأل بوارو مبتسماً: عن علم الجريمة, أم القصص, أم صحيفة الصندي كوميت؟ 
_الثلاثة معاً. 
_هل تتنازل إلى مستوى الصندي كوميت؟ 
رد ريندل ضاحكاً:وما طعم يوم الأحد من دونها؟ 
_لقد نشروا بعض المقالات المثيرة للاهتمام منذ خمسة أشهر . كانت إحداها_تحديداً_ تتحدث عن نساء متورطات في جرائم قتل وعن مآسي حياتهن. 
_نعم ,أذكر تلك المقالة التي تتحدث عنها, رغم الكثير من السخف الذي ورد فيها. 
_آه , أتظن ذلك؟ 
_أنا _بالطبع_ لم أعلم بقضية كريغ إلا من خلال قراءتي عنها, ولكن في واحدة من القضايا الأخرى (هي قضية كورتلاند)أستطيع أن أؤكد لك بأن تلك المرأة لم تكن بالبريئة العاثرة الحظ, بل كانت شريرة تماماً. أعرف ذلك لأن عماً لي كان يشرف على علاج الزوج. صحيح أن الزوج لم يكن بالرجل الصالح, ولكن زوجته لم تكن أفضل منه. لقد سيطرت على ذلك الشاب اليافع وأغواته لارتكاب الجريمة, ومن ثم دخل هو السجن بتهمة القتل غير المتعمد ,فيما سافرت أرملة غنية وتزوجت برجل آخر. 
_لم تذكر الصندي كوميت ذلك.هل تذكر بمن تزوجت؟ 
هز ريندل رأسه بالنفي وقال: لا أظنني سمعت اسم زوجها أبداً, ولكن أحدهم أخبرني بأنها نجحت وازدهرت أيما أزدهار. 
قال بوارو متأملاً :لقد تساءل المرء _هل يقرأ تلك المقالة_ عن أماكن أولئك النساء الأربع؟ 
_أعرف. ربما كان المرء قد صادف إحداهن في حفلة في الأسبوع الماضي.أراهنُ لأنهن يخفين جميعاً ماضيهن بشكل جيد ,وما كان المرء ليعرف_قطعاً_ أياً منهن من تلك الصور ,فقد ظهرن فيها دميمات تماماً. 
دقت الساعة فنهض بوارو قائلاً: عليّ أن لا أؤخرك أكثر من ذلك, لقد كنت بالغ اللطف معي. 
_أخشى أنني لم أساعدك كثيراً. إن الرجل العادي لا يكاد يعرف كيف تبدو عاملة التنظيف التي تعمل عنده. ولكن انتظر لحظة ,يجب أن تقابل زوجتي,وإلا فإنها لن تغفر لي أبدا. 
تقدم ريندل ضيفه إلى القاعة منادياً بصوت عالٍ: شيلا... 
جاء رد خافت من الطابق العلوي,فقال: انزلي إلى هنا ,عندي لك شيء. 
نزلت امرأة نحيلة شاحبة ذات شعر جميل تركض على الدرج . 
_أقدم لك السيد هيركيول بوارو يا شيلا. ما رأيك بهذا ؟ 
_آه. 
بدا وكأن السيدة ريندل قد صعقت بحيث خانها الكلام ,وحدقت عيناها الزرواقاوان الشاحبتان إلى بوارو بشيء من الخوف.قال بوارو:منحنياً بطريقة الأجنبية : سيدتي. 
قالت شيلا ريندل :لقد سمعنا أنك هنا, ولكن لم نعلم ... 
وقطعت جملتها قبل أن تكلمها , ثم تحولت عيناها الفاتحتان بسرعة إلى وجه زوجها. 
فقال بوارو لنفسه:"لا بد أنها تتلقى توقيت غرينتش من زوجها " .ثم تكلم ببعض عبارات المجاملة واستأذن خارجاً. 
بقى لديه انطباع عن الدكتور ريندل كرجل ودود,وعن السيدة ريندل كامرأة مربوطة اللسان خائفة.هذا ما يتعلق بعائلة ريندل ,حيث كانت السيدة ماغينتي تعمل صباح كل خميس. 

كانت بناية هنتر عبارة عن منزل بُني على الطراز الفكتوري متصل بشارع طويل مهلهل تنامت عليه الأعشاب , ولم يكن في الأصل يُعتبر منزلاً كبيراً, ولكنه أصبح الآن منزلاً واسعاً بحيث يتسع لعائلة . 
سأل بوارو الشابة الأجنبية التي فتحت الباب عن السيدة ويذربي.حدقت الشابة إليه ثم قالت:لا أعلم , أرجوا أن تدخل .لعلها الآنسة هندرسُن؟ 
تركته وافقاً في القاعة التي كانت "كاملة الفرش" بلغة مكاتب العقارات و بها كثيراً من التحف من مختلف أنحاء العالم , ولم يبدُ فيها شيء حسن التنظيف .وسرعان ما ظهرت الفتاة الأجنبية مرة أخرى قائلة:أرجو أن تدخل. 
ثم أدخلته إلى غرفة صغيرة باردة فيها مكتب كبير. وكان على رف الموقد إبريق قهوة نحاسي كبير يوحي شكله بالشر, وله فوهة كبيرة معقوفة مثل أنف ضخم معقوف. 
فُتح الباب خلف بوارو ودخلت فتاة إلى الغرفة, ثم قالت : إن أمي تأخذ قسطاً من الراحة, هل بوسعي عمل شيء لك؟ 
_أأنت الآنسة ويذربي؟ 
_بل هندرسُن . السيد ويذربي هو زوج أمي . 
كانت فتاة لا جمال فيها ,في العقد الثالث من عمرها ,ذات جسم ضخم مرتبك التقسيم وعينين محترستين . 
_كنتُ أود أن أسمع ما يمكنك قوله لي عن السيدة ماغينتي التي اعتادت أ ن تعمل هنا. 
حدقت الآنسة هندرسُن إليه وقالت: السيدة ماغينتي؟ ولكنها ... 
رد بوارو بلطف : أعرف ذلك , ومع ذلك أود أن أعرف عنها. 
_آه, أمن أجل التأمين أو ما يشبه هذا ؟ 
_ليس بشأن التأمين , ولكنها مسألة دليل جديد. 
_ دليل جديد.أتقصد .... موتها؟ 
_ لقد كلفني محامو الدفاع بأن أجري تحقيقاً لصالح جيمس بنتلي. 
سألته وهي تحدق إليه : ولكن ألم يكن هو مرتكب الجريمة؟ 
_ لقد رأت هيئة المحلفين ذلك, ولكن المعروف عن هيئات المحلفين أنها ترتكب الأخطاء. 
_إذن فإن من قتلها كان في حقيقة شخصاً آخر؟ 
_ربما كان الأمر كذلك. 
سألت فجأة: من؟ 
رد بوارو برفق : ذلك هو السؤال. 
_ إنني لا أفهم شيئاً. 
_حقاً؟ ولكن يمكنك أن تخبريني شيئاً عن السيدة ماغينتي , أليس كذلك؟ 
قالت بشيء من التردد: أظن ذلك. ما الذي تريد معرفته؟ 
_حسناً... بداية ,ما هو رأيك فيها؟ 
_آه,لا رأي لي تحديداً . كانت مثل أي شخص آخر. 
_ثرثارة أم قليلة الكلام؟ فضولية أم متحفظة؟ بشوشة أم نكدة؟ امرأة لطيفة أم غير لطيفة؟ 
فكرت الآنسة هندرسُن ثم قالت : كانت تعمل جيداً,ولكنها كانت تتكلم كثيراً, وكانت تقول أشياء غريبة أحياناً.لم أكن أحبها كثيراً في الحقيقة. 
فُتح الباب وقالت الخادمة الأجنبية :آنسة ديردرا , تقول أمك إن بإمكانك أن تحضريه. 
_أتريد أمي أن أصطحب السيد إليها في الطابق العلوي؟ 
_نعم, رجاءً. 
نظرت ديردرا هندرسُن إلى بوارو بارتياب وقالت: هل تود الصعود إلى أمي؟ 
اصطحبته ديردرا عبر القاعة ثم صعوداً على الدرج ,و ما لبثت أن قالت دون مناسبة: إن المرء ليسأم كثيراً من الأجانب. 
وبما أنه كان واضحاً أنها تفكر في خادمتها الأجنبية وليس في زائرها, فإن بوارو لم يشعر بإهانة. فكر بأن ديردرا تبدو شابة بسيطة جداً... بسيطة لدرجة تفتقر فيها إلى اللباقة. 
كانت الغرفة في الطابق العلوي مليئة بالتحف الرخيصة .كانت غرفة امرأة سافرت كثيراً وحرصت على أن تأخذ تذكاراً من كل مكان تذهب إليه , وبدا واضحاً أن معظم هذه الهدايا التذكارية قد صُنعت من أجل إمتاع السياح واستغلالهم . كان في الغرفة الكثير من الأرائك والطاولات والكراسي, والكثير من الأقمشة والستائر, والقليل من الهواء .... ووسط ذلك كله كانت السيدة ويذربي. 
بدت السيدة ويذربي امرأة صغيرة الجسم .... امرأة صغيرة الجسم مثيرة للشفقة في غرفة ضخمة . كان ذلك هو الانطباع السائد ,ولكنها لم تكن _حقاً_ صغيرة الجسم بقدر ما اختارت أن تبدو. إن ذلك النمط من النساء اللاتي لا يفتأن يقلن:" أنا المسكينة الصغيرة" يمكن أن تحققن ما يردنه بنجاح ,حتى وإن كُن متوسطات الطول.
كانت مستلقية بكل ارتياح عل إحدى الأرائك , وبالقرب منها كتب وبعض أشغال الحياكة وكأس من عصير البرتقال وصندوق من الشكلاتة.قالت :اغفر لي عدم نهوضي ,فالطبيب يصر على استراحتي كل يوم , والجميع يعنفونني إذا لم أفعل ما يُطلب مني. 
انحنى بوارو متمتماً بالتحية المناسبة, وقالت ديردرا المُعاندة من خلفه : إنه يريد أن يعرف شيئاً عن السيدة ماغينتي. 
تصلب وجه السيدة ويذربي وقالت وهي تطلق ضحكة خفيفة : كم أنت سخيفة يا عزيزتي ديردرا ! من هي السيدة ماغينتي؟ 
_آه , ماما..... أنت تذكرينها دون شك ,فلقد كانت تعمل لدينا . تلك التي قُتلت . 
أغلقت السيدة ويذربي عينيها وارتجفت قائلة:لا تذكرني بذلك.بقد كان المر كله فظيعاً,ولقد بقيتُ عصبية المزاج لعدة أسابيع بعد الحادث .يا للعجوز المسكينة! ولكن من الغباء الشديد أن تحتفظ بمالها تحت الأرض, فقد كان عليها أن تودعه في البنك.
إنني أذكر ذلك كله بالطبع .... ولكني نسيت اسمها فقط. 
قالت ديردرا ببلادة: إنه يريد أن يعرف عنها شيئاً. 
_أرجو أن تجلس يا سيد بوارو ,إن الفضول يقتلني . لقد اتصلت السيدة ريندل لتوها وقالت إن لدينا هنا عالم جريمة مشهوراً جداً, وقامت بوصفك . وبعد ذلك ,عندما جاءت فريدا الغبية ووصفت زائراً جاءنا كنت على ثقة بأنك أنت, وأرسلت في طلبك والآن قل لي: ما هذا الأمر كله ؟ 
_الأمر كله كما تقول ابنتك .أريد أن أعرف أشياء عن السيدة ماغينتي.لقد عملت هنا, وفهمت أنها كانت تأتي أيام الأربعاء . وقد كان موتها يوم أربعاء .إذن فقد كانت هنا في ذلك اليوم ,أليس كذلك؟ 
_أطن ذلك .بلى, أظن ذلك .لا أستطيع الجزم الآن ,فقد مر زمن طويل. 
_نعم ,مرت عدة أشهر .ألم تقل شيئاً في ذلك اليوم... أي شيء خاص؟ 
قالت السيدة ويذربي باستياء :أفراد تلك الطبقة من الناس عادة ما يتحدثون كثيراً,والمرء لا يصغي حقاً لكل ما يقولونه.وعلى أية حال ما كان لها أن تعرف ستُسرق وتُقتل في تلك الليلة ,أليس كذلك؟ 
_يوجد ما يدُعى السبب والنتيجة. 
قطبت السيدة ويذربي جبينها قائلة: لا أفهم ما تقصد. 
_ربما كنتُ أنا الآخر لا أفهم .... حتى الآن . إن المرء يسعى في الظلمة حتى يصل إلى النور.هل أنتم مشتركون بصحف يوم الحد يا سيدة ويذري؟ 
فتحت عينيها الزرقاوين على أتساعهما وقالت: نعم,بالطبع . لدينا صحيفتا الأوبزيرفر و الصندي تايمز .لماذا ؟ 
_كنت أتساءل .لقد اعتادت السيدة ماغينتي قراءة الصندي كوميت. 
توقف قليلاً,ولكن أحداً لم يقل شيئاً .تنهدت السيدة ويذربي وكادت تغمض عينيها ,ثم قالت: كان ذلك كله مزعجاً جداُ ,وذلك المسُتأجر الفظيع لديها.لا احسب حقاً أنه كان سليم العقل , ويبدو أنه كان مثقفاً بشكل جيد أيضاً؟مما يجعل الأمر أسوأ ,أليس كذلك؟ 
_هل يجعله أسوأ حقاً؟ 
_نعم, بالتأكيد .يا لها من جريمة وحشية!ساطور لحم .أوف! 
_ولكن الشرطة لم يجدوا السلاح أبداً. 
تنهدت أمها قائلة: يا عزيزتي ,لا تثيري اشمئزازي .تعرفين كم أكره التفكير بأشياء كهذه .آه ,رأسي! 
التفتت الفتاة إلى بوارو بعنف وقالت: يجب أن لا تستمر في ذلك.إنه سيء بالنسبة لها, فهي حساسة جداً, بل أنها لا تستطيع قراءة القصص البوليسية. 
قال بوارو وهو ينهض: أعتذر عن ذلك .لدي مبرر واحد ,وهو أن رجلاً سيُشنق فيغضون ثلاثة أسابيع .فإن لم يكن هو الفاعل.... 
رفعت السيدة ويذربي نفسها متكئة على موفقها وصاحت بصوت حاد عالٍ: هو الفاعل بالطبع , هو الذي فعل ذلك بالطبع. 
هز بوارو رأسه قائلاً: "أنا لست متأكداً تماماً من ذلك" ثم غادر الغرفة بسرعة. وبينما كان ينزل الدرج لحقت به الفتاة, ووصلت إليه وهو في الصالة فسألته :ماذا تقصد؟ 
_أقصد ما قلتُه يا آنسة. 
قالت :"نعم,ولكن...", ثم سكتت,ولم يقل بوارو شيئاً. 
قالت ديردرا هندرسُن ببطء:لقد أزعجت أمي, فهي تكره مثل هذا الأشياء ....السرقات وجرائم القتل والعنف. 
_لا بد _إذن _أنها شعرت بصدمة كبيرة عندما قُتلت امرأة كانت تعمل لديها. 
_نعم ,نعم, كانت صدمة بالفعل . 
_هل هدتها تلك الصدمة ؟ 
_لم تشأ سماع شيء عن الموضوع .أني ....أو إننا....نحاول أن ... أن نوفر عليها سماع الأمور .سماع الأمور الوحشية. 
_وماذا عن الحرب ؟ 
_لحسن الحظ لم تسقط أية قنابل بالقرب من هنا. 
_ماذا كان دورك في الحرب يا آنسة؟ 
_آه, لقد عملت في فرقة مساعدة التطوعية في كيلتشستر, وعملت سائقة أيضاً في الخدمات التطوعية. ما كان بإمكاني أن أغادر البيت بالطبع ,فقد كنت أمي بحاجة إلي,وقد كانت أصلاً تقلق كثيراً لوجودي خارج المنزل. كان الأمر صعباً جداً. وأيضاً مسألة الخدم...ومن الطبيعي أن أمي لم تقم أبداً بأية أعمال منزلية,فهي ليست على تلك الدرجة من القوة, وكان من الصعب جداً الحصول على خدم . ولهذا فقد كانت السيدة ماغينتي نعمة كبرى, وعندما بدأت تأتي إلينا . كانت عاملة ممتازة, ولكن ما من شيء يبقى كما كان في أي مكان . 
_وهل تهتمين لذلك كثيراً يا آنسة؟ 
قالت وقد بدت مدهوشة:أنا,آه,لا . ولكن الأمر مختلف بالنسبة لأمي.فهي.... إنها تعيش في الماضي كثيراً. 
قال بوارو :" بعض الناس يعيشون في الماضي". واستعادت مخيلته صورة الغرفة التي كان فيها منذ برهة. وكان هناك دُرجُ مكتب نصف مفتوح .درج ملئ بمختلف الأشياء :مغرز دبابيس حريري , ومروحة يدوية مكسورة , و مغلاة قهوة فضية , ومجلات قديمة. كان الدرج مليئاً إلى حد يصعب معه إغلاقه. 
استأنف قائلاً بلطف: يعيشون في الماضي ويحتفظون بأشياء .أشياء تذكرهم بالأيام الخوالي..... صور أصدقاء مضوا, بل حتى قوائم الطعام وبرامج المسرح , ذلك أن النظر إلى تلك الأشياء يعيد الذكريات إلى الحياة. 
_أظن أن ذلك هو السبب .أنا_شخصياً_ لا أستطيع فهم ذلك, وأنا لا أحتفظ بشيء البتة. 
_لأنك تنظرين إلى الأمام ,لا إلى الخلف. 
قالت ديردرا ببطء: لا أدري إن كنتُ أنظر بأي اتجاه ....أعني أن اليوم الحاضر يكفي ,أليس كذلك؟ 
فُتح الباب الأمامي ودخل الصالة رجل كهل طويل عريض, وعندما رأى بوارو توقف جامداً. نظر إلى ديردرا وقد ارتفع حاجباه استفهماً, فقالت : أقدم لك زوج أمي. ولكني ... ولكني لا أعرف اسمك؟ 
قال بوارو بذلك الارتباك المعتاد لمن يُعلن اسماً ملوكياً: أنا هيركيول بوارو. 
لم يبدُ على السيد ويذربي التأثير , واكتفى بالقول :"آه !" ,ثم استدار ليُعلق معطفه. 
قالت ديردرا :لقد جاء يسأل عن السيدة ماغينتي. 
بقى السيد ويذربي جامداً للحظة,ثم أكمل تسوية معطفه على المشجب وقال: يبدو لي ذلك غريباً بعض الشيء .لقد لاقت المرأة حتفها منذ أشهر , ورغم أنها عملت هنا, إلا أننا لا نملك معلومات عنها أ, عن عائلتها, واو كانت لدينا معلومات لكنا قد أعطيناها للشرطة أصلاً. 
كان في نبرته ما يوحي بحسم الحديث .نظر إلى ساعته وقال: أحسب أن الغذاء سيكون جاهزاً خلال ربع ساعة. 
_أخشى أن يتأخر قليلاً اليوم. 
ارتفع حاجبا السيد ويذربي مرة أخرى وقال :أحقاً؟ وهل لي أن أسال عن السبب؟ 
_كانت فريد ا مشغولة جداً. 
_يا عزيزتي ديردرا, إنني أكره أن أذكرك .... ولكن مهمة إدارة المنزل تقع على عاتقك أنت, و يهمني أن أجد مزيداً من الدقة. 
فتح بوارو الباب الأمامي وخرج, ثم التفت ليلقي نظرة. ورأى كراهية مباشرة في نظرة السيد ويذريي لابنة زوجته , وشيئاً أشبه بالكراهية في عيني ديردرا وهما تبادلانه النظر . 
الفصل العاشر 


أجل بوارو زيارته الثالثة إلى ما بعد الغداء.وكان الغداء م}لفاً من حساء ذيل الثور الذي لم يكتمل نضجه , وبطاطا مائعة , وطبق كانت مورين تأمل أن تأخذ شكل فطيرة . وكان غداء غريباً جداً
صعد بوارو التلة ماشياً ببطء. إن من شأنه أن يصل بعد قليل إلى ليبرنا مز, وهو بيت صغير نتج عن دمج بيتين اثنين وجرى له تحسين بحيث يوائم الذوق الحديث. هنا تعيش السيدة أبورد وذلك الكاتب المسرحي الواعد روبن أبورد
توقف بوارو لحظة عند البوابة ليمسّد شاربيه. وبينما كان يفعل ذلك , جاءت سيارة تتمايل ببطء في انحدارها على التلة, وإذا بلُب تفاحة موجه بقوة يصيبه في خده. أطلق بوارو صرخة احتجاج وقد جفل, فتوقفت السيارة وخرج رأس من النافذة: آسفة جداً, هل أصبتك؟ 
توقف بوارو وهو يهم بالإجابة. نظر إلى الوجه الذي يوحي بشيء من النُبل, وإلى الحاجب الضخم,وإلى موجات الشعر الشيب غير المرتب, وتحرك داخله شريط الذكريات(وقد ساعد لبّ التفاحة أيضاً ذاكرته). هتف قائلاً: أهذه أنتِ, السيدة أوليفر؟
كانت هي كاتبة القصص البوليسية الشهيرة بالفعل. هتفت قائلة :"آه, السيد بوارو!", ثم حاولت أنتخلص نفسها وتخرج من السيارة. كانت السيارة صغيرة , وكانت السيدة أوليفر امرأة ضخمة. وأسرع بوارو لمساعدتها
تمتمت شارحة:"لقد تصلب جسمي بعد هذه ا لسفرة الطويلة". ثم خرجت إلى الطريق مثل بركان انفجر. فقد خرجت بخروجها كميات هائلة من التفاح وتدحرجت بشكل مضحك إلى أسفل التلة
قالت السيدة أوليفر شارحة:"لقد انشق الكيس". ثم قامت بنفض بقايا التفاح مقضوم عن صدرها, وهزت جسمها مثل كلب ضخم.أما التفاحة الأخيرة, المختبئة في ثنايا جسمها ,فقد لحقت بأخواتها
قالت السيدة أوليفر : من المؤسف أن ينشق الكيس, فقد كان التفاح من نوع كوكس الفاخر. على أي حال , أحسب أنه يوجد الكثير من التفاح هنا في الريف, أليس كذلك؟ أم أن الموسم قد انتهى؟ أنا أجد الأمور غريبة جداً هذه الأيام .حسناً, كيف حالك يا سيد بوارو؟ لا أحسبك تعيش هنا ,أليس كذلك؟ بلى, أنا متأكدة انك لا تعيش هنا. أأقول إن في الأمر جريمة قتل إذن ؟ آمل أن لا تكون القتيلة مضيفتي
_ومن هي مضيفتك؟ 
قالت السيدة أوليفر وهي تومئ برأسها: هناك, إذا ما كان هذا هو البيت المسُمى ليبرنا مز. قيل لي إنه في منتصف الطريق على التلة إلى اليسار. نعم, لابد أنه هو. ولكن كيف هي مضيفتي؟ 
_ألا تعرفينها؟ 
_نعم , لا أعرفها, فقد جئت إلى هنا في أمر يخص عملي. إذ يتم تحويل إحدى فصصي إلى مسرحية.... على يد روين أبورد. ويُفترض أن نتعاون معاً للقيام بذلك. 
_تهاني يا سيدتي. 
_ليس الأمر كما تظن أبداً, فهو لا يعدو أن يكون عذاباً بحتاً حتى الآن . لا أعرف لماذا سمحت لنفسي بالتورط في ذلك. إن قصصي تُدرّ ما يكفي من المال.... رغم أن مصّاصي الدماء من الناشرين يأخذون معظم المال , وإذا ما ربحت ُ أكثر فإنهم يأخذون أكثر , ولذلك فإنني لا أرهق نفسي كثيراً! ولكنك لا تعرف مقدار الألم الذي تُحسه عندما يأخذون شخصياتك ويجعلونها تقول أشياء ما كانت لتتفوه بها أبداً, وتفعل أشياء ما كانت لتفعلها أبداً.وأذا ما حاولت الاحتجاج, فإن كل ما تتلقاه هو قولهم إن ذلك من ضرورات "المسرح الجيد" .هذا كل ما يفكر به روبن أبورد .يقول الجميع إنه ذكي جداً, فإذا كان ذكياً لهذه الدرجة, فلا أدري لماذا لا يؤلف مسرحية خاصة به ويترك شخصية ذلك الفنلندي المسكين وشأنها. بل إنه لم يعد فنلندياً,إذ أصبح عضواً في حركة المقاومة النرويجية! 
مررت أصابعها خلال شعرها وأضافت : ما لذي فعلتُه بقبعتي؟ 
نظر بوارو إلى داخل السيارة وقال: أحسب _يا سيدتي_ أنك كنتٍ جالسة عليها
قال السيدة أوليفر وهي تنظر إلى حطام القبعة:"يبدو أنني صنعت ذلك بالفعل ". ثم تابعت بمرح :حسناً,لم أكن أحبها كثيراً. ولكن قل شيئاً عن جريمة القتل, كائناً ما كان نوعها. هل تذكر جريمتنا؟ 
_أذكرها جيداً. 
_كانت متعة حقاً, أليس كذلك؟ لا أعنى الجريمة بحد ذاتها ... فلم تعجبني تلك الجريمة أبداً. ولكن المتعة كانت فيما حدث بعد ذلك . من هي الضحية هذه المرة؟ 
_ليست الضحية بمثل غرابة وحيوية السيد شايتانا. إنها خادمة كهلة سُرقت وقتلت قبل خمسة أشهر .لعلك قرأت عن ذلك. السيدة ماغينتي . وقد أدين شابٌ وحُكم عليه با لإعدام . 
قالت السيدة أوليفر بسرعة : وهو لم يفعل ذلك, ولكنك تعرف الفاعل, وتسعى لإثبات ذلك.... رائع
تنهد بوارو وقال: أنت سريعة جداً في استنتاجك.لا أعرف بعد من فعل ذلك, ولو عرفتُ لتطلب الأمر فترة طويلة لإثباته
قال السيدة أوليفر باستهانة: الرجال بطيئون جداً.سأخبرك قريباً من الفاعل.أحسبه شخصاً يسكن هنا! أعطني يوماً أو يومين أبحث فيهما وسأضع يدي على القاتل. إن ما تحتاجُه هو حدس المرأة.لقد كنتُ على حق تماماً في قضية شايتانا,أليس كذلك؟ 
ولكن شهامة بوارو منعته من أن يُذكرهاِ بالتغيرات السريعة لشكوكها في تلك القضية
قالت السيدة أوليفر بلطف: يالكم معشر الرجال!لو كانت امرأة هي من تترأس سكوتلانديارد............... 
تركت ذلك الموضوع المطروق كثيراً مُعلقاً عندما حياهما صوت من باب البيت.نادى الصوت بنغمة لطيفة مرحة: مرحباً, أأنت السيدة أوليفر؟ 
ردت السيدة أوليفر منادية: "ها أنذا". ثم تمتمت قائلة لبوارو :لا تقلق ,سأكون متكتمة
_لا,لا يا سيدتي. لا أريدك أن تكوني متكتمة, بل على العكس من ذلك تماماً. 
جاء روبن أبورد نازلاً الممشى وعبَرَ البوابة . كان مكشوف الرأس يلبس بنطالاً 
رمادياً قديماً جداً و معطفاً مهترئاً,ولولا ميله للبدانة لكان وسيم الشكل
هتف قائلاً وهو يصافح السيدة أوليفر:"أريادني,سيدتي العزيزة". ثم ابتعد قليلاً وهو يقول: عزيزتي , لقد خطرت لي فكرة رائعة للفصل الثاني
قالت السيدة أوليفر بفتور: حقاً؟أقدم لك السيد هيركيول بوارو
قال روبن: رائع.هل تحملين أية أمتعة؟ 
_نعم إنها في الخلف. 
سحب روبن حقيبتين من السيارة قائلاً:يا للإزعاج!ليس لدينا خدم لائقون,باستثناء العجوز, وعلينا دائماً أن نوفر عليها المشقة. إن ذلك إزعاجاً بالغاً, أليس كذلك؟ كم هي ثقيلة حقائبك, ها تحملين قنابل بها؟ 
وراح يترنح وهو يصعد الطريق منادياً وهو يلتفت : ادخلا وتناولا كأساً من العصير المنعش
قالت السيدة أوليفر وهي تسحب حقيبة يدها وزوجاً من الأحذية القديمة من المقعد الأمامي: إنه يقصدك. ولكن هل قلت الآن إنك تريدني أن لا أكون متكتمة
_كلما قللتِ تكتمك كان ذلك أفضل . 
_ما كنتُ لأتعامل مع جريمة قتل بهذه الطريقة, ولكنها جريمتك, وسأبذل ما في وسعي لمساعدتك. 
كرر روبن مرة أخرى وهو عند عتبة الباب الأمامي :تفضلا, ادخلا. سنتدبر أمر السيارة لاحقاً. إن أمي متشوقة لمقابلتكما
صعدت السيدة أوليفر الممشى مسرعة يتبعها بوارو
كان بيت ليبرنامز رائعاً من الداخل. وخمن بوارو بأن مبلغاً كبيراً من المال قد أنفق عليه, وكانت النتيجة بساطة جميلة باهظة الثمن. كانت كل قطعة صغيرة من خشب البيت من البلوط الأصلي
ابتسمت لورا أبورد ترحيباً وهي تجلس على كرسي متحرك قرب موقد غرفة الجلوس. بدت امرأة قوية تجاوزت الستين من عمرها ذات شعر أشيب وذقن يوحي بالعزم. وطلبت من روبن أن يحضر العصير للضيوف ثم قالت: يسعدني لقاؤك يا سيدة أوليفر. أظنك تكرهين حديث الناس معك عن قصصك, ولكنها كانت عزاءً عظيماً لي لسنوات طويلة,وخاصة منذ أن غدوت مُقعدة على هذا النحو
قالت السيدة أوليفر وقد بدا عليها الضيق وبدأت تفرك يديها كطالبة مدرسة:هذا لطف بالغ منك.آه, أقدم لك السيد هيركيول بوارو.إنه صديق قديم لي, وقد تقابلنا مصادفة هنا خارج البيت. والحقيقة أنني ضربته بلُب تفاحة. كما حدث لويليام تيل... ولكن بالعكس
_تشرفنا يا سيد بوارو .أأنت كاتب أيضاً؟ 
قالت السيدة أوليفر: آه,لا. إنه رجل تحرً,من نوع شيرلوك هولمز!وقد جاء إلى هنا ليحل لغز جريمة قتل
سُمعت رنة خافتة لزجاج ينكسر,فقالت السيدة أبورد بحدة: "روبن,كن حذراً".ثم قالت لبوارو: هذا مثير جداً للاهتمام يا سيد بوراو
هتف روبن قائلاً: إذن فقد كانت مورين سمرهيز على حق,فقد حكت لي قصة طويلة عن وجود رجل تحر في المنطقة.بدا وكأنها ترى الأمر كله مضحكاً للغاية .ولكن الأمر جدي تماماً,أليس كذلك؟ 
قات السيدة أوليفر:إنه جدي بالطبع , يوجد مجرم بينكم
_نعم, ولكن قولوا لي, من الذي قُتل؟أم أنه شخص تم إخراج جثته من القبر ويتم التعامل مع الأمر بشكل سري للغاية. 
قال بوارو :ليس في الأمر سرية, وأنتم تعرفون جريمة القتل
قالت السيدة أوليفر: إنها خادمة التنظيف, السيدة ماغــــ......التي قُتلت في الخريف الماضي
قال روبن أبورد وقد بدا عليه شيء من خيبة الأمل: آه, ولكن ذلك كله انتهى
قالت السيدة أوليفر : بل لم ينته أبداً.لقد قبضوا على الرجل الخطأ, وسوف يُشنق إن لم يجد السيد بوارو القاتل الحقيقي في الوقت المناسب.الأمر مثير للغاية
وزع روبن الضيافة. وعندما قدم لأمه شرابها قالت: شكراً, يا ولدي العزيز
قطب بوارو جبينه قليلاً, وجاء روين فقدم العصير للسيدة أوليفر ولبوارو, ثم شرب كأسه وقال: لقد كانت تعمل هنا
سألت السيدة أوليفر: السيدة ماغينتي؟ 
_نعم ,أليس كذلك ياأمي؟ 
_لا يصح القول إنها كانت تعمل هنا,فقد كانت تأتي مرة في الأسبوع. 
_وأحياناً في أوقات العصر . 
سألت السيدة أوليفر :كيف كانت؟ 
أجابها روبن :محترمة جداً, ومرتبة إلى حد يبعث على الجنون. كانت لديها طريقة فظيعة في ترتيب كل شيء ووضعه في الأدراج بحيث لا يمكنك أن تخمن أين هي تلك الأشياء
قالت السيدة أبورد بروح فكاهية ثقيلة: إن لم يقم أحد بترتيب الأشياء وإعادتها إلى أماكنها مرة واحدة في الأسبوع على الأقل فإنك سرعان ما تفقد القدرة على تحرك في هذا المنزل الصغير
_أعرف ياأمي,أعرف. ولكن مالم تُترك الأشياء في المكان الذي وضعتُها فيه,فإنني لن أستطيع العمل إطلاقاً, وستختلط ملاحظاتي كلها. 
قالت السيدة أبورد : من المزعج أن يكون الشخص عاجزاً مثلي. لدينا خادمة مخلصة عجوز, ولكن كل ما تستطيع القيام به لا يعدو أن يكون القيل من الطبخ البسيط
سألت السيدة أوليفر :ما هو مرضك؟ التهاب المفاصل؟ 
_شكل من أشكال التهاب المفاصل.أخشى أن يترتب علي أن أحصل على ممرضة مرافقة تقيم معي بشكل دائم,وهو أمر ممل جداً,فإنا أحب أن أكون مستقلة. 
قال روبن: "ياعزيزتي,لا داعي لأن تزعجي نفسك بهذا الشكل".ثم ربت على ذراعها, فابتسمت له بلطف مفاجئ قائلة: يكاد روبن يكون_في طيبته معي_ بمثابة الابنة.إنه يقوم بكل شيء, ويفكر بكل شيء, لا يوجد من هو أكثر منه مراعاة لمشاعري
ثم تبادلت الأم وابنها الابتسام,ووقف هيركيول بوارو قائلاً: علي أن أذهب مع الأسف, فلدي زيارة أخرى أقوم بها,وقطار علي أن الحق به. سيدتي, أشكرك على ضيافتك.سيد أبورد,أتمنى كل النجاح للمسرحية
قال السيدة أوليفر:وكل التوفيق لك بجريمتك
سأل روبن أبورد: أهذا الأمر جدي حقاً يا سيد بوارو؟ 
أجابته السيدة أوليفر قائلة:الأمر جدي للغاية. إنه لم يشأ أن يخبرني بهوية المجرم, ولكنه يعرفه,أليس كذلك؟ 
قال بوارو محتجاً وقد وضع في نبرته القدر الكافي من عدم الإقناع :أبداً يا سيدتي,لقد أخبرتك أنني لا أعرف حتى الآن
_هذا ما قلته أنت, ولكنى أظنك تعرف فعلاً..... غير أنك متكتم للغاية,أليس كذلك؟ 
قالت السيدة أبورد بحدة: أهذا حقاً صحيح؟أليس مزحة؟ 
قال بوارو بجدية:"إنه ليس مزاحاً يا سيدتي".ثم انحنى وغادر المنزل


وفيما هو ينزل عبر الممشى سمع صوت روبن أبورد الصادح الجلي يقوا: ولكن يا عزيزتي أريادني, كل ما تقوليه رائع ,ولكن يمثل ذلك الشارب وتلك الهيئة كيف يمكن لأحد أن يأخذه على محمل الجد ؟أتعنين حقاً أنه جيد؟
ابتسم بوارو لنفسه: جيد حقاً
وفيما هو على وشك العبور الشارع, عاد وقفز إلى الخلف في اللحظة المناسبة, فقد جاءت سيارة عائلة سمرهيز تتمايل وتتخبط عابرة أمامه, وكان سمرهيز يقودها.فقال منادياً:"آسف, علي أن ألحق بالقطار". ثم أضاف بصوت تلاشى مع البعد:كوفنت غاردن.......... 
وقد نوى بوارو أيضاً أن يستقل قطاراً لكيلشستر, حيث رتب للقاء مع المفتش سبنس
وكان لديه_قبل استقلال القطار_وقت يسمح بزيارة أخيرة
صعد إلى أعلى التلة, وعبر بوابات أوصلته إلى ممشى مرتب يؤدي إلى بيت حديث من الإسمنت ذي السطح الخشن, وكلن سقف البيت مربعاً وله نوافذ كثيرة. كان هذا بيت السيد والسيدة كاربنتر. وكان غاي كاربنتر شريكاً في شركة ضخمة هي كاربنتر للأعمال الهندسية",وكان رجلاً ثرياً للغاية دخل في معترك السياسة مؤخراً,وقد تزوج منذ فترة وجيزة
لم تفتح الباب الأمامي لعائلة كاربنتر خادمة أجنبية أو خادمة عجوز, بل فتحة خادم هادئ وقور كره أن يُدخل هيركيول بوارو.فقد كان بوارو_برأيه_من ذلك النوع من الزوار الذين يجب أن يُتركوا خارج البيت, ومن الواضح أنه أشتبه بأن هيركيول بوارو قد جاء لبيع شيئاً.قال :السيد والسيدة كاربنتر ليسا في البيت
_هل بوسعى _إذن_ أن أنتظر؟ 
قال:"لا أعرف متى يصلان", ثم أغلق الباب
ولكن بوارو لم يسر على الممشى إلى البوابة ,بل مشى_بدلاً من ذلك_ حول الزاوية المنزل وكاد أن يرتطم بشابة طويلة ترتدي معطفاً من الفرو. قالت :مرحباً,ماذا تريد بالله عليك؟ 
رفع بوارو قبعته بأدب قائلاً:كنت آمل أن أرى السيد والسيدة كاربنتر.أهي السيدة كاربنتر التي أتشرف بالحديث معها الآن؟ 
_أنا السيدة كاربنتر. 
كانت تتحدث بفظاظة, ولكن بدا وجود إيحاء خفيف بالهدوء خلف سلوكها
_أنا هيركيول بوارو. 
ولم يبد أي رد فعل. لم يكن الاسم العظيم الفريد مجهولاً بالنسبة لها فحسب, ولكنه رأى أيضاً أنها لم تتعرف عليه باعتباره آخر النزلاء عند مورين سمرهيز. هنا_إذن_لاتصل خدمات وكالة الأنباء المحلية المعنية بنشر الشائعات. حقيقة بسيطة ولكنها ذات دلالة
_نعم؟ 
_لقد طلبت مقابلتك أو مقابلة السيد كاربنتر, ولكنك _يا سيدتي_ ستفين بالغرض الذي جئت من أجله بشكل أفضل, لأن ما أود السؤال عنه هو بعض الأمور المنزلية. 
قالت السيدة كاربنتر بارتياب: لدينا مكنسة كهربائية
ضحك بوارو وقال:لا,لا, لقد أساءت فهمي!إنها فقط أسئلة قليلة سأطرحها جول مسألة تتعلق بالبيت
قالت:"آه, تقصد استبانات الخدمات تلك.أحسب أنها إجراء غبي جداً...",ثم توقفت وقالت:لعل من الأفضل أن تدخل إلى البيت
ابتسم بوارو ابتسامة خفيفة,فقد توقفت عن الكلام وهي على وشك التعليق بملاحظة انتقادية, ولكن انخراط زوجها بنشاطات سياسية يتطلب الحذر من انتقاد نشاطات الحكومة
قادته عبر القاعة إلى غرفة واسعة تطل على حديقة توحي بعناية جيدة. كانت غرفة جديدة المظهر , تحتوى على طقم من الأرائك الموشحة و كرسين ومكتب وطاولة كتابة.بدا واضحاً أن الغالي والنفيس قد بُذل في هذا البيت ,وتم توظيف أفضل الشركات , ولم تكن فيه أية دلائل على ذوق فردي لأصحابه .قال بوارو لنفسه:لقد كانت العروس....ماذا ؟ غير مهتمة؟ 
نظر إليها نظرة تقويم وهي تستدير: شابة جميلة المظهر ذات أذواق مُكلفة .شعر أشقر بلاتيني, وأصباغ وُضعت بعناية, وعينان زرقاوان واسعتان ....عينان ذواتا نظرة واسعة باردة... عينان جميلتان غارقتان .وقالت ونبرة لطف الآن, ولكنه لطف يُخفي تحته ضجراً: تفضل بالجلوس
جلس ثم قال: أنت في غاية اللطف يا سيدتي. أما الأسئلة التي أود أن أسالك إياها فهي تتعلق بسيدة تُدعى ماغينتي,التي توفيت (أو بالأحرى قُتلت)في تشرين الثاني الماضي
_السيدة ماغينتي؟لا أعرف ماذا تقصد؟ 
كانت تحدق إليه وعيناها مثبتتان مرتابتان
_ألست تذكرين السيدة ماغينتي؟ 
_نعم, لا أذكرها.لا أعرف شيئاً عنها. 
_أتذكرين مقتلها؟ أم أن القتل الشائع جداً بحيث لا تلاحظينه مجرد ملاحظة؟ 
_آه, جريمة قتل؟نعم, بالطبع. لقد نسيت اسم تلك المرأة العجوز. 
_رغم أنها عملت هنا في هذا البيت ؟ 
_لم أكن أعيش هنا وقتها.لقد تزوجت السيد كاربنتر منذ ثلاثة أشهر فقط. 
_ولكنها عملت عندك, في صباحات الجمعة فيما أظن. وكنت_آنذاك_ السيدة سيلكيرك, وكنت تعيسين في البيت المسمى روز. 
قال بنكد: إذا كنت تعرف إجابات جميع الأسئلة فإنني لا أفهم لماذا أنت بحاجة لطرحها.على كل حال, ماهي المسألة؟ 
_أنا أقوم بتحقيق في ظروف الجريمة؟ 
_لماذا ؟ لماذا بالله عليك؟ على أية حال, لماذا جئت إلي أنا؟ 
_ربما كنت تعرفين شيئاً.... يمكن أن يساعدني. 
_لا أعرف شيئاً البتة.ولماذا أعرف؟ كانت مجرد خادمة عجوز غبية, وكانت تحتفظ بنقودها تحت الأرض, وقام أحدهم بسرقتها وقتلها لأجل تلك النقود. كان الأمر كله مقرفاً....همجياً,كتلك الأمور التي تقرؤها في صحف يوم الأحد. 
التقط بوارو ذلك بسرعة وقال: كصحف يوم الأحد,نعم, مثل الصندي كوميت.لعلك تقرئين الصندي كوميت
قفزت قائمة, ثم اتجهت بارتباك نحو الباب الزجاجي المفتوح, وكان سيرها مرتبكاً إلى حد ارتطمت معه بإطار الباب. وتذكر بوارو فراشة كبيرة وجميلة ترفرف عمياء حول الضوء كصباح. نادت قائلة: غاي....غاي
ورد صوت رجل من بُعد قائلاً:ماذا يا إيف؟ 
_تعال إلى هنا بسرعة. 
ظهر رجل طويل في نحو الخامسة والثلاثين .أسرع خطاه عابراً المصطبة الخارجية إلى الباب الزجاجي, وقال إيف كاربنتر بحماسة: إن لدينا رجلاً هنا.... رجلاً أجنبياً.إنه يسألني شتى أنواع الأسئلة عن تلك الجريمة الفظيعة التي حدثت السنة الماضية. تلك الخادمة العجوز......... هل تذكر ذلك؟أنني أكره مثل هذه الأشياء.أنت تعرف أنني أكره ذلك
عبس غاي كاربنتر,ثم دخل غرفة الاستقبال.كان ذا وجه شاحب طويل كوجه الحصان , وبدا متعالياً ذا أسلوب متعجرف
وجده هيركيول بوارو يديه قائلاً:إن آخر ما أتمناه هو أن أزعج سيدة فاتنة كزوجتك, ولكن بما أن السيدة المتوفاة كانت تعمل هنا فقد ظننت أن يكون بإمكانها أن تساعدني في التحقيقات التي أجريها
_ولكن.... ماهي تلك التحقيقات؟ 
حثته زوجته قائلة: نعم.اسأله عن ذلك
_إن تحقيقاً جديداً يُجرى الآن في ظروف مقتل السيدة ماغينتي. 
_هُراء..... إن القضية منتهية. 
_لا,لا. أنت مخطئ في هذه النقطة,إن القضية لم تنته. 
سأل غاي كاربنتر عابساً: "أتقول تحقيقاً جديداً؟".ثم قال بريبة: من قبل الشرطة ؟هُراء...لا شأن لك بالشرطة
_هذا صحيح .إنني أعمل بشكل مستقل عن الشرطة. 
تدخلت إيف كاربنتر قائلة: إنه من الصحافة ,مندوب إحدى الصحف الأسبوعية الفظيعة. هو الذي قال ذلك
ظهرت ومضة من الحذر في عيني غاي كاربنتر, ففي مركزه هذا لك يكن حريصاً على معاداة الصحافة, فقال بتودد: إن زوجتي حساسة جداً. جرائم القتل وما يشابهها تزعجها كثيراً.أنا متأكد أنك لا تجد ضرورة لإزعاجها ,فهي لا تكاد تعرف المرأة
قال إيف بحدة: "كانت مجرد خادمة عجوز غبية. لقد قلت له ذلك".ثم أضافت :وكانت أيضاً كاذبة فظيعة
قال بوارو :"آه,هذا أمر مثير". ثم أدار وجهه المتهلل بينهما قائلاً:لقد كانت تكذب إذن. يمكن أن يعطينا هذا مؤشر مهماً جداً
قال إيف بنكد: لا أفهم كيف يمكن ذلك
قال بوارو: إن الخط الذي أتابعه هو محاولة تحديد الدافع
قال كاربنتر بحدة: لقد سُرقت مدخراتها, وكان ذلك دافع الجريمة
قال بوارو بلطف:"آه,أكان ذلك هو لدافع فعلاً؟".ثم نهض كممثل ألقى لتوه سطراً مهماً وقال بأدب:أعتذر إن كنتُ قد سببتُ للسيدة أي ألم,إن هذه القضايا تكون كريهة دوماً
قال كاربنتر بسرعة: كان الأمر محزناً, ومن الطبيعي أن زوجتي لا تحب أن يُذكرها أحد بذلك. أنا آسف لا نستطيع مساعدتك بأية معلومات
_ولكنكما ساعدتماني. 
_عفواً,ماذا قلت؟ 
قال بوارو بهدوء : كانت السيدة ماغينتي تكذب.حقيقة مهمة.ماهي بالضبط الأكاذيب التي كانت تقولها يا سيدتي؟ 
انتظر إجابة إيف كاربنتر بأدب, وأخيراً قالت:آه, لاشيء على وجه التحديد .أعني... لا أستطيع أن أتذكر
ولعلها أحست بأن الرجلين كانا ينظران إليها متوقعين شيئاً,فقالت :أشياء غبية....عن الناس, أشياء لا يمكن أن تكون صحيحة
ومع ذلك بقى السكون مخيماً,ثم قال بوارو :فهمت ....كان لها لسان خطير
قامت إيف كاربنتر بحركة سريعة قائلة:لا, لم أقصد ذلك.كانت ثرثارة فقط, هذا كل ما في الأمر
قال بوارو بهدوء: ثرثارة فقط؟ 
ثم أشار مودعاً.ورافقه غاي كاربنتر إلى الصالة وقال: تلك الصحيفة التي ذكرتها....تلك الصحيفة الأسبوعية.أية واحدة هي؟ 
رد بوارو بحذر: الصحيفة التي ذكرتها للسيدة هي الصندي كوميت
ثم سكت, فردد غاي كاربنتر متأملاً: الصندي كوميت.أخشى أنني لا أرى هذا الصحيفة كثيراً
_إنها تنشر أحياناً مقالات مثيرة للاهتمام , وصوراً مثيرة للاهتمام. 
وقبل أن يطول التوقف عن الكلام كثيراً, انحنى بوارو وقال مسرعاً: وداعاً سيد كاربنتر, وأعتذر إذا ما سببت لك إزعاجاً
وخارج البوابة, نظر بوارو خلفه إلى البيت قائلاً:إنني أتساءل.....نعم,أتساءل

الفصل الحادي عشر 
************************** 
جلس المفتش سبنس قُبالة بوارو, فتنهد وقال ببطء: أنا لا أقول إنك لم تتوصل إلى شيء يا سيد بوراو,بل أحسب أنك توصلت إلى شيء. ولكنه ضئيل ....ضئيل للغاية
أومأ بوارو برأسه موافقاً وقال: إن ما توصلتُ إليه لا يكفي بمفرده, يجب أن أعثر على المزيد
_كان يُفترض أن أنتبه _أنا والرقيب الذي عمل بإمرتي_ إلى تلك الصحيفة . 
_لا, لا يمكن أن تلوم نفسك, فقد كانت الجريمة واضحة جداً. سطو باستخدام العنف, والغرفة فوضى ,والنقود مفقودة, فلماذا تخطى باهتمامك مزقة من صحيفة وسط كل تلك الفوضى؟ 
ردد سبنس بعناد: كان عليّ أن أنتبه لذلك. وزجاجة الحبر.... 
_أنا أعرف بأمرها بمحض المصادفة. 
_ومع ذلك فقد عنت شيئاً لك.لماذا؟ 
_لم يكن ذلك إلا بسبب تلك الجملة العابرة عن كتابة الرسائل .أنا وأنت _يا سبنس_ نكتب العديد من الرسائل , وهذه مسألة عادة بالنسبة لنا. 
تنهد المفتش سبنس , ثم وضع على الطاولة أربع صور وقال: هذه هي الصور التي طلبت مني الحصول عليها, الصور الأصلية التي استخدمها الصندي كوميت. وهي _على أية حال_أوضح قليلاً مما ظهرت في الصحيفة , ولكني لا أرى فيها الكثير مما يمكن الاعتماد عليه, فهي قديمة وباهتة, وبالنسبة للنساء فإن تسريحة الشعر تؤثر كثيراً في أشكالهن.لا يوجد في أي منها شيء محدد يمكن الاعتماد عليه كالأذنين والمنظر الجانبي للوجه. قبعة متهدلة, وشعر مبالغ في تصفيفه وورود! إن هذا كله لا يعطيك فرصة لاكتشاف شيء
_أتتفق معي في أننا نستطيع استثناء فيرا بليك؟ 
_أظن ذلك, فلو كانت فيرا بليك في بروديني لعلم كل شخص بذلك, إذ يبدو أنها تخصصت في سرد قصة حياتها المحزنة على الجميع. 
_وماذا يمكنك أن تخبرني عن الأخريات. 
_لقد حصلت لك على ما أستطيعه في مثل هذا الوقت. لقد غادرت إيفا كين البلد بعد أن صدر الحكم على كريغ . وأستطيع أن أخبرك بالاسم الذي اتخذته,إنه هوب(أي الأمل), ولعل لذلك مغزى! 
تمتم بوارو :نعم ,نعم ....... الأسلوب الرومانسي في التفكير
"الجميلة إيفلين هوب ميتة". هذا سطر مأخوذ من أحد شعرائكم, وأحسب أنها فكرت بذلك. بالمناسبة, أكان اسمه إيفلين؟ 
_نعم.أحسبه كان كذلك,ولكنها كانت معروفة دوماً باسم إيفا. وبالمناسبة يا سيد بوارو,بما أننا نتحدث بالموضوع فإن رأي الشرطة في إيفا كين لا يتوافق أبداً مع ما جاء في هذه المقالة,بل هو أبعد ما يكون عنها.ً 
ابتسم بوارو وقال: إن رأي الشرطة لا يكون دليلاً,ولكنه يكون مؤشراً ومرشداً جيداً في العادة.ماذا كان رأي الشرطة في إيفا كين؟ 
_لم تكن بأية حال تلك الضحية البريئة كما أظن الجمهور.لقد كنتُ يافعاً آنذاك,وأذكر أنني مناقشة للقضية بين رئيسي القديم والمفتش تريل الذي كان مسؤولاً عن القضية. لقد رأي تريل (ولكن دون توفر دليل لديه) أن تلك الفكرة الذكية بالتخلص من السيدة كريغ كانت فكرة إيفا كين.فقد عاد كريغ إلى البيت في أحد الأيام ليجد أن صديقته الصغيرة قد اختصرت الطريق,وأحسبها رأت أن الأمر كله سيجري تقبله كما لو كان وفاة طبيعية. ولكن كان كريغ أوسع منها إدراكاً, وقد خاف وتخلص من الجثة في القبو,وطور خطة تقول إن السيدة كريغ ماتت في الخارج.وبعدئذ, وعندما انكشف الأمر برمته,أصر كريغ_بشكل محموم_ على أنه قام بالجريمة وحده وأن إيفا كين لم تعرف شيئاً عن ذلك. 
ثم رفع كتفيه حيرة وقال: ولم يستطيع أحد أن يثبت خلاف ذلك.لقد كان السم في البيت,وكان بوسع أي منهما استخدامه.وقد مثلت الجميلة إيفا كين دور البريئة المذعورة,ومثلته بشكل رائع أيضاً.كانت ممثلة صغيرة ذكية,وقد كان المفتش تريل شكوكه,ولكن لم يكن لديه شيء يمكن الاعتماد عليه.إنني أخبرك بذلك _يا سيد بوارو_دون أن أضمن صحته,فهو لا يشكل دليلاً
_ولكن ذلك ينطوي على احتمال بأن واحدة من أولئك "النساء المأساويات"_على الأقل_ كانت أكثر من مجرد امرأة مأساوية, وأنها كانت قاتلة,وأنها يمكن أن تقتل مرة أخرى إذا ما كان الدافع قوياً بما فيه الكفاية..... الآن إلى المرأة التالية,جانس كورتلاند.ماذا يمكنك أن تخبرني عنها؟ 
_لقد رجعتُ الملفات, وهي امرأة قذرة تماماً.ولئن كنا قد شنقنا إيديث تومبسون,فقد كان علينا _بالتأكيد_أن نشنق جانس كورتلاند,فقد كانت وزوجها زوجين بغيضين, 
لا فرق بينهما,فقد أغوت ذلك الشاب حتى أصبح طوع أمرها.ولكن اعلم أنه كان يوجد_منذ البداية_رجل غني خلف الكواليس,وكان قتلها لزوجها لغرض الزواج به
_وهل تزوجته؟ 
هز سبنس رأسه وقال:لا أدري
_لقد سافرت إلى الخارج.... وبعد ذلك؟ 
هز سبنس رأسه ثانية وقال: كانت امرأة طليقة,إذ لم تُتهم بشيء,ولا نعرف أتزوجت أم ماذا حدث لها
قال بوارو متذكراً عبارة الدكتور ريندل:لعل المرء يلتقيها في حفل عشاء في أي يوم
_بالضبط. 
نقل بوارو نظرته إلى الصور الخيرة قائلاً:والطفلة؟ليلي غامبول
_كانت أصغر من أن تُتهم بجريمة قتل.أرسلت إلى مدرسة أحداث,وكانت ذات سجل جيد هناك.تم تعليمها الطباعة والاختزال, وعُثر لها على عمل في فترة إطلاق سراحها التجريبي, وكان سلوكها جيداً.وآخر ما عُلم عنها أنها في إيرلندا.أظن _يا سيد بوارو_أن بإمكاننا استبعادها مثل فيرا بليك, فقد كان سلوكها حسناً في نهاية المر,والناس لا يُبقون على تقريعهم لطفلة في الثانية عشرة لقيامها بشيء في لحظة هياج .ما رأيك باستبعادها؟ 
_كان بإمكاني استبعادها لولا الساطور, فمن الثابت أن ليلي غامبول استخدمت ساطوراً في قتل عمتها,وقد استخدم قاتل السيدة ماغينتي المجهول سلاحاً سلاحاً وُصف بأنه يشبه الساطور. 
_لعلك على حق.والآن يا سيد بوارو,لنستمع إلى ما يتعلق بك من الأمور.يسعدني أن أرى أن أحداً لم يحاول قتلك. 
قال بوارو بقليل من التردد:نـــ.....نعم
_لا أخفيك أنني خفتُ عليك مرة أو مرتين منذ ذلك المساء في لندن.والآن ما هي الاحتمالات من بين أهالي بروديني؟ 
فتح بوارو دفتر ملاحظاته الصغير وقال: إيفا كين .إذا ما كانت باقية على قيد الحياة فمن شأنها أن تقترب الآن من الستين من عمرها.أما ابنتها_التي رسمت الصندي كويمت صورة مؤثرة لحياتها وهي ناضجة_فمن شأنها أن تكون الآن في الثلاثينيات.
وستكون ليلي غامبول في مثل هذا السن أيضاً.وسيكون عمر جانس كورتلاند مقترباً من الخمسين
أومأ سبنس موافقاً,وأكمل بوارو:إذن نصل الآن إلى أهالي بروديني,وخاصة أولئك الذين كانت السيدة ماغينتي تعمل لديهم
_أحسب أن هذا الأخير افتراض معقول. 
_نعم,إن الأمر معقد لأن السيدة ماغينتي كانت تقوم بأعمال متفرقة في العديد من الأماكن,ولكنا سنفترض_في الوقت الحاضر_بأنها رأت ما رأته(ويُفترض أن يكون صورة)في أحد البيوت التي كانت تعمل فيها بشكل مُنتظم. 
_متفقون. 
_وإذا ما أخذنا مسألة السن بالحسبان,فإن ذلك يعطينا احتمالات.أولاً:عائلة ويذربي,حيث عملت السيدة ماغينتي يوم مقتلها.وإن عُمر السيدة ويذربي يناسب عمر إيفا كين , كما أن لها ابنة في عمر ابنة إيفا كين,ابنة يقال إنها من زواج سابق.
_وماذا عن شبهها بالصورة؟ 
_يا صديقي العزيز,من المعتذر التعرف بشكل مؤكد على صاحبات هذا لصور.لقد مر زمن طويل, وتغير الكثير من الأمور. 
كل ما يمكن للمرء قوله هو التالي:من المؤكد أن السيدة ويذربي كانت امرأة جميلة, وهي تبدو أرقّ وأوهى من أن ترتكب جريمة قتل,ولكن هذا كان هو الاعتقاد السائد عن إيفا كين كما فهمت .من الصعب تقدير ما يتطلبه قتل السيدة ماغينتي من قوة جسدية فعلية دون أن نعرف بالضبط ما هو السلاح الذي استُخدام,والقبضة التي يُمسك بها ,ومدى سهولة الضرب به,ومدى حدة شفرته.... 
_نعم,نعم.لا أدري لماذا لم نستطع العثور على ذلك السلاح.ولكن تابع كلامك. 
_الملاحظات الوحيدة الأخرى التي يمكن أن أضعها عن عائلة ويذربي هي أن السيد ويذربي يمكن أن يجعل من نفسه (وهو يجعل نفسه فيما أرى)شخصاً كريهاً جداً إذا 
ما أراد ذلك.إن الابنة مخلصة لوالدتها بشكل جنوني,وهي تكره زوج أمها.أنا لا أعلق على هذه الحقائق, بل أعرضها للنظر فيها فقط.إن الابنة يمكن أن تقتل لتحول دون وصول ماضي أمها لمسامع الزوج,ويمكن للأم أن تقتل لنفس السبب, ويمكن للأب أن يقتل لمنع حدوث"فضيحة".إن ما ارتكب من الجرائم من أجل السمعة أكثر مما يمكن تصديقه

أومأ سبنس قائلاً: إذا ما كان في مسألة الصندي كوميت شيء (وأقول إذا..)فمن الواضح أن عائلة ويذربي هم الأرجح احتمالاً
_بالضبط,إن المرأة الوحيدة الأخرى في بروديني التي يناسب عُمرها عمر إيفا كين هي السيدة أبورد,وسنجد سببن يحولان دون الشك بأنها قد قتلت السيدة ماغينتي وأنها هي إيفا كين ,أ,أولهما أنها تعاني من التهاب المفاصل وتمضي معظم وقتها على كرسي متحرك... 
قال سبنس أسفاً: في القصص البوليسية يمكن أن يكون أمر الكرسي المتحرك مزيفاً,أما في الحياة الواقعية فيُرجح أن يكون ذلك حقيقاً
قال بوارو متابعاً: ثانياً,تبدو السيدة أبورد ذات طبع مبدئي وقوي,تميل إلى المواجهة أكثر من ميلها للخدع بمعسول الكلام,المر الذي لا يتفق وشخصية صاحبتنا إيفا في شبابها. ولكن بالمقابل,فإن شخصيات الناس تتطور,وتأكيد الذات ميزة غالياً ما تظهر مع التقدم في السن
سلم سبنس بذلك قائلاً: هذا صحيح تماماً.السيدة أبورد.....ليس من المستحيل أن تكون هي,ولكنه غير مُرجح.والآن الاحتمالات الأخرى.جانس كورتلاند؟ 
_أحسب أن بالإمكان استثناءها,فلا يوجد أحد في بروديني في نفس العمر. 
_إلا إذا كانت إحدى الشابات هي جانس كورتلاند وقد شدت وجهها بعملية تجميل.اعذرني أرجوك...كانت هذه مجرد طرفة. 
_توجد ثلاث نساء يبلغن ثلاثين سنة ونيفاً.ديردرا هندرسُن,وزوجة الدكتور ريندل ,وزوجة غاي كاربنتر.أي أن أياً منهن يمكن أن تكون ليلي غامبول أو ابنة إيفا كين,إذا ما نظرنا للعمر. 
_وإذا نظرنا للاحتمالات؟ 
تنهد بوارو قائلاً:يمكن أن تكون ابنة إيفا كين طويلة أو قصيرة,سمراء أو بيضاء,فلسنا نملك مؤشراً لشكلها.وكنا قد فكرنا بديردرا هندرسُن في هذا الدور
أما بالنسبة للسيدتين فسأبدأ بإخبارك بالأمر التالي:إن السيدة ريندل تخاف من شيء ما
_تخافك أنت؟ 
_أظن ذلك. 
قال سبنس ببطء: قد يكون ذلك مهماً.أنت تشير إلى أن السيدة ريندل قد تكون ابنة إيفا كين أو ليلي غامبول.أهي بيضاء أم سمراء؟ 
_بيضاء. 
_لقد كانت ليلي غامبول طفلة ذات شعر أشقر. 
_السيدة كاربنتر ذات شعر أشقر أيضاً,وهي شابة تتجمل على نحو باهظ التكاليف.وبغض النظر عن مقدار جمالها,فإن عينيها رائعتان تماماً.عينان زرقاوان داكنتان شديدتا الاتساع. 
هز سبنس رأسه لصديقه وقال : ما هذا يا بوارو؟ 
_أتعرف كيف بدت عندما ركضت خارج الغرفة لتنادي زوجها؟لقد ذكرتني بفراشة رائعة ترفرف,وقد ارتطمت بالأثاث ومدت يديها كأنها عمياء. 
نظر سبنس بعطف وقال: أنت رومانسي حقاً يا سيد بوارو,أنت وفراشاتك الجميلة المرفرفة والعيون الزرقاء الواسعة
_أبداً.لقد كان صديقي هيستنغر هو الرومانسي العاطفي,أما أنا فلست كذلك أبداً,بل أنا رجل عملي على نحو صارم.ما أعنيه هو أن الفتاة _إذا اعتمد جمالها بشكل أساسي على جمال عينيها _ستخلع نظارتها كائناً ما كان قصر نظرها,وستتعلم تحسس طريقها حتى إن كانت الأشياء غائمة أمامها وكان من الصعب عليها الحكم على المسافات. 
ثن نقر بسبابته على صورة الطفلة ليلي غامبول التي تضع نظارات سميكة تشوه مظهرها
_أهذا إذن ما تراه ؟أتظنها ليلي غامبول؟ 
_أنا أتكلم عما هو ممكن فقط.في الوقت الذي ماتت فيه السيدة ماغينتي لم تكن السيدة كاربنتر قد تزوجت وحملت هذا الاسم.كانت أرملة صغيرة من أرامل الحرب,في وضع مالي سيء جداً,وتعيش في بيت صغير من بيوت العمال.وكانت مخطوبة للرجل الغني في المنطقة,رجل ذي طموحات سياسية وإحساس كبير بأهميته.ولو اكتشف غاي كاربنتر أنه على وشك الزواج _مثلاً_ بطفلة ذات أصل متواضع اكتسبت سمعة سيئة كم ضربها عمتها على الرأس بساطور,أو ابنة كريغ أحد أعتى مجرمي القرن(وتمثاله موجود في مكان بارز في متحف الرعب لديكم),عندها يتساءل المرء:أكان من شأنه أن يمضي قُدماً في ذلك؟ولعلك تقول إنه سيمضي قدماً إذا أحب الفتاة.ولكنه ليس تماماً من ذلك الصنف من الرجال.إنني أحسبه أنانياً طموحاً,وهو رجل حساس فيما يتعلق بسمعته.وأحسب أن السيدة الشابة سيلكيرك_كما كانت وقتها,قبل الزواج به_ لو كانت حريصة على إتمام الزواج لحرصت أشد الحرص على أن لا يصل إلى مسامع خطيبها شيء سيء إليها . 
_فهمت.فأنت ترى أنها هي القاتلة إذن,أليس كذلك؟ 
_يا عزيزي,أقول لك ثانية لا أدري.أنا أدرس الاحتمالات فقط.لقد كانت السيدة كاربنتر حذرة مني,محترسة خائفة. 
_هذا يبدو سيئاً. 
_نعم,نعم,ولكن الأمر كله صعب للغاية.حدث مرة أن أقمت مع أصدقاء لي في الريف,وقد خرجوا للصيد.هل تعرف كيف تسير الأمور؟يمشي أحدهم بالكلاب والبنادق,والكلاب تجعل الطيور تنفر من مخابئها,فتطير من الغابة عالياً في الهواء ويبدأ إطلاق النار.وهذا أشبه ما يكون بما نفعله نحن.لعلنا لم نُجفل طيراً واحداً,بل كانت طيور أخرى نفسها لا تعلم ذلك. وعلينا_يا صديقي_أن نتأكد تماماً أي الطيور هو طيرنا الذي نريده.لعل السيدة كاربنتر أقدمت على بعض التصرفات الطائشة خلال فترة ترملها....لعل الأمر لا يكون أسوأ من ذلك,ولكنها تبقى تصرفات تسيء إليها .لابد أن يكون سبب وراء قولها لي على عجل إن السيدة ماغنتي كانت كاذبة! 
حك المفتش سبنس أنفه وقال: دعنا نفهم ذلك بوضوح يا بوارو. ما الذي تظنه حقاً؟
_لا يهم ما أظنه.يجب أن أعرف.ولكن _حتى هذه الساعة_ فإننا مازلنا في مرحلة دخول الكلاب إلى مكمن الطيور. 
تمتم سبنس:لو تمكنا فقط من الوصول إلى شيء محدد,إلى حالة واحدة تثير الشك فعلاً.أما تحليلاتنا الحالية فهي مجرد نظرية,وهي نظرية مستبعدة أيضاً.إن الأمر كله واهٍ كما قلتُ من قبل.أيمكن أن يُقدم أحد حقاً على القتل للأسباب التي نناقشها؟ 
_هذا يعتمد على الكثير من الظروف العائلية التي نجهلها.ولكن التوق للمكانه المحترمة شديد جداً.إن سكان بروديني أناس لطفاء محترمون.هذا ما قالته مديرة مكتب البريد,والناس اللطفاء يرغبون في الحفاظ على لطفهم في أعين الناس. لعلك تجد سنوات من الزواج السعيد,ولا أحد يشك بأنك كنت_يوماً_ شخصية سيئة السمعة في واحدة من أكثر محاكمات القتل إثارة, لا يشك أحد بأن ابنتك هي ابنة قاتل شهير. 
يمكن للمرء أن يقول:"أفضل الموت على أن يعلم زوجي بذلك!",أو أفضل الموت على أن تكتشف ابنتي من تكون!".ومن ثم تمضي في التفكير إلى أن ترى من الأفضل أن تموت السيدة ماغينتي
قال سبنس بهدوء:إذن أنت تشك في عائلة ويذربي
_لا.إن وضعهم ينطبق على تخميناتنا أكثر من غيرهم, ولكن الأمر لا يعدو ذلك.ومن ناحية الشخصية الفعلية فإن السيدة أبورد أقرب إلى أن تكون قاتلة من السيدة ويذربي.إن لديها تصميماً وإرادة قوية,وهي شغوفة جداً بولدها,وأحسب أنها مستعدة للذهاب بعيداً كيلا يعرف ابنها ماذا حدث قبل أن تتزوج بأبيه وقبل أن تستقر في وضع أسري محترم. 
_أكان من شأن تلك المعرفة أن تُزعجه كثيراً؟ 
_لا أظن ذلك ,فللشاب روبن منظور حديث يشك بكل المفاهيم المتعارف عليها, وهو أناني جداً.وفي جميع الأحوال فإنني أحسبه أقل تعلقاً بأمه من تعلقها هي به.إنه ليس نسخة أخرى من جيمس بنتلي. 
_إذا افترضنا أن السيدة أبورد هي إيفا كين,أليس من شأن ابنها روبن أن تقتل السيدة ماغينتي لمنع الحقيقة من الظهور؟ 
_ما كان ليفعل ذلك أبداً برأيي. ربما كان عمد إلى الاستفادة من ذلك باستخدام تلك الحقيقة للدعاية لمسرحياته!إنني لا أستطيع تخيل روبن أبورد يرتكب جريمة قتل بدافع الحفاظ على المكانة المحترمة,أو التعلق بأمه,أو لأي دافع آخر باستثناء وجود مكسب واضح لروبن أبورد نفسه. 
تنهد سبنس قائلاً:إنه حقل واسع.ربما كان باستطاعتنا العثور على شيء يتعلق بتاريخ هؤلاء الناس,ولكن ذلك سيستغرق وقتاً.لقد عقدت الحرب الأمور,فقد أتلفت سجلات كثيرة,ووجدت فرص لا متناهية للراغبين في إخفاء آثارهم عن طريق الاستيلاء على البطاقات الشخصية لغيرهم,وغير ذلك.خاصة بعد "الأحداث"التي لم يكن من الممكن فيها التمييز بين جثة وأخرى! لو كان بوسعنا التركيز على شخص واحد.... ولكن لديك احتمالات كثيرة يا بوارو
_قد يصبح بوسعنا اختصار هذه الاحتمالات قريباً. 
غادر بوارو مكتب المفتش أقل غبطة مما كان يُظهر.كان يستحوذ عليه_كما يستحوذ على سبنس_هاجس الوقت القصير المتاح.لو كان لديه وقت فقط........ 
وفي أعماق تفكيره كان يؤرقه شك باق.أكان الافتراض الذي بناه هو و سبنس صحيحاً حقاً؟ماذا لو كان جيمس بنتلي هو الجاني؟ 
لم يستسلم لذلك الشك,ولكنه كان يؤرقه.استعرض_في ذاكرته_مراراًً وتكراراًً 
المقابلة التي أجرها مع جيمس بنتلي ,وكان بفكر فيها_الآن _وهو يقف على الرصيف في كيلشستر بانتظار القطار.لقد كان اليوم يوم إقامة السوق,وكان الرصيف مزدحماً
مال بوارو للأمام لإلقاء نظرة.نعم ,لقد جاء القطار أخيراً.وقبل أن يعدل وقفته شعر بدفعة شديدة متعمدة على أدق منطقة في ظهره. كانت الدفعة من العنف والفجائية بحيث أخذته على حين غرة تماماً,وكان من شأنه أن يكون_بعد لحظة واحدة_ملقى تحت عجلات القطار القادم,ولكن رجلاً كان بجانبه على الرصيف أمسك به في اللحظة الأخيرة وسحبه للخلف قائلاً:ماذا حدث لك؟ 
كان الرجل عريفاً بالجيش قوي البنية,وأضاف قائلاً: هل أُغمي عليك؟لقد كدت تقع تحت القطار يا رجل
_شكراً لك....ألف شكر لك. 
كان الناس _حينها-يتزاحمون حولهما,بعضهم يصعد إلى القطار وآخرون يغادرونه
_أأنت بخير الآن؟سأساعدك على صعود القطار. 
ألقى بوارو نفسه على أحد المقاعد وقد هزته المفاجأة.ليس من المفيد القول:"لقد دُفعت",ولكنه كان قد دفع فعلاً!حتى ذلك المساء كان بوارو متيقظاً ومحتاطاً لمواجهة الخطر,ولكن بعد حديثه مع سبنس,وبعد استفسار سبنس المازح عن أية محاولة للنيل من حياته,اعتبر بوارو الخطر منتهياً أ,قليل الاحتمال
ولكن كم كان مخطئاً!لقد حقق واحد من اللقاءات التي أجرها في بروديني نتيجة ملموسة.كان أحدهم خائفاً.حاول أحدهم أن يضع نهاية لمحاولة بوارو الخطيرة بعث الحياة في هذه القضية المنتهية
اتصل بوارو بالمفتش سبنس من هاتف عام في محطة بروديني وقال: أهذا أنت يا صديقي؟لدي أخبار مهمة لك:لقد حاول أحدهم قتلي
واستمع باهتمام لفيض الملاحظات القادمة من الطرف الثاني ثم قال:لا,لم أصب. ولكني نجوتُ بأعجوبة....نعم,تحت القطار. لا,لم أشاهد من فعل ذلك.ولكن كن على يقين _يا صديقي_من أنني سأجده.إننا نعرف الآن أننا نسير على الطريق الصحيح
************************************************** 

الفصل الثاني عشر 
أمضى الرجل الذي كان يفحص عداد الكهرباء سحابة اليوم مع خادم غاي كاربينتر المتعجرف الذي كان يراقبه ثم قال شارحا:سيتم تشغيل الكهرباء على أسس جديدة.
قال كبير الخدم مشككا: ما تعنيه هو أن تكاليفها سترتفع مثل أي شيء آخر 
_هذا يعتمد على أمور أخرى. قسمة عادلة للجميع هذا رأيي. هل ذهبت إلي الاجتماع في كيلشستر الليلة الماضية ؟ 

_ لا. 
_ يقولون أن سيدك السيد كاربنتر تكلم بشكل جيد هل تعتقد انه سينتخب ؟ 
_ احسبه كان على وشك النجاح في المرة السابقة 
_ نعم بأغلبية 125صوتا أو نحو ذلك هل تقود السارة له عندما يذهب لتلك الاجتماعات أم يقودها بنفسه ؟ 
_ يقودها بنفسه عادة. انه يحي قيادة السيارات ولديه سيارة رولز بنتلي. 
_ انه يعتني بنفسه جيدا. هل تقود السيدة كاربنتر السيارة أيضا ؟ 
_ نعم وهي تقودها بسرعة فائقة في تقدير. 
_ عادة ما تفعل النساء ذلك.أكانت هي الأخرى في الاجتماع الليلة الماضية أم أنها لا تهتم بالسياسة ؟ 
ابتسم كبير الخدم ابتسامة عريضة وقال: تتظاهر بالاهتمام على أية حال ولكنها لم تستطع إن تستمر للنهاية في الليلة الماضية فقد أصيبت بصداع أو شيء كهذا وغادرت في وسط الخطابات
_ آه 
نظر الكهربائي في علب الصمامات الكهربائية وقال: " لقد انتهيت تقريبا «. ثم طرح بضعة أسئلة عابرة أخرى وهو يجمع أدواته ويجهز نفسه للانصراف
خرج وسار بخفة عبر ممشى الحديقة ولكنه توقف عند الزاوية بعد خروجه من البوابة وكتب في مفكرته ما يلي
عاد " ك " الى البيت في سيارته وحيدا في الليلة الماضية. وصل إلى البيت في نحو العاشرة والنصف. بامكانه أن يكون في محطة كيلشستر المركزية في الوقت المشار إليه. غادرت السيدة " ك" الاجتماع مبكرا ووصلت البيت قبله بعشر دقائق. قالت أنها عادت إلي البيت بالقطار
كانت تلك هي الملاحظة الثانية في مفكرة الكهربائي أما الملاحظة الأولى فكانت كالتالي
تم استدعاء الدكتور " ر " في حالة مرضية الليلة الماضية باتجاه بيل شيستر. من الممكن أن سكون في محطة كيلشستر المركزية في الوقت المشار إليه.بقيت السيدة " ر " وحدها طوال المساء في البيت ( ؟ ) وبعد أن قدمت لها السيدة سكوت مدبرة المنزل القهوة لم ترها ثانيتا تلك الليلة. لها سيارة صغيرة خاصة بها
كان التأليف المشترك في لبير مامز جاريا على قدم وساق
كان روبن أبورد يقول بشكل جاد: أنت تدركين –بلا ريب-كم هو رائع هذا السطر ؟ إذا استطعنا أن نظهر أحساسا بالعداء بين الفتى والفتاة فسوف نبعث الحياة في العمل بكامله بشكل مثير 
حللت السيدة اوليفر بحزن أصابعها في شعرها الرمادي الذي يطير مع الريح بحيث بدا وكان ما طيره كان إعصارا وليس ريحا
_ انك تدركين ما اعنيه أليس كذلك يا عزيزتي اريادني ؟ 
قالت السيدة اوليفر باكتئاب: آه أنا أدرك ما تعنيه 
_ ولكن الشيء الأهم هو ان تشعري بالسعادة حقا تجاه ذلك. 
ما كان لأحد أن يظن أن السيدة اوليفر تبدو سعيدة سوى الممعن في خداع نفسه.وأكمل روبن حديثه بابتهاج: ما اشعر به هو أن لدينا هنا شابا رائعا يهبط بمظلته... 
قاطعته السيدة أوليفر قائلة: و لكنه في الستين من عمره
-آه..كلا 
-بل هو كذلك. 
- أنا لا أراه كذلك..بل في الخامسة و الثلاثين..لا يزيد عنها يوما واحدا.. 
-و لكنني أكتب عنه القصص منذ ثلاثين عاما..وقد كان على الأقل في الخامسة و الثلاثين في القصة الأولى 
-ولكن-يا عزيزتي-إذا كان فوق الستين..فلا يمكن أن يحدث التوتر بينه و بين الفتاه..ما اسمها؟؟..انغريد...أعني أن ذلك سيجعله يبدو مجرد عجوز سخيف... 
- بالتأكيد.. 
قال روبن بنشوة الانتصار: أترين إذن..يجب أن يكون في الخامسة و الثلاثين.. 
-إذن لا يمكن أن يكون هو سفين جيرسن..بل اجعله شابا نرويجيا في حركة المقاومة.. 
-ولكن يا عزيزتي أريادني..إن المحور الأساسي للمسرحية هي سفين جيرسين.يوجد جمهور عريض شديد الإعجاب بسفين جيرسين..و سوف يتزاحمون لرِؤيته..انه نجم شباك التذاكر يا عزيزتي.. 
-ولكن الناس الذين يقرأون كتبي يعرفون كيف يبدو..لا يمكنك أن تخترع شابا جديدا تماما في المقاومة النرويجية و تسميه سفين جيرسين. 
-عزيزتي أريادني..لقد شرحت لك هذا كله. هذه ليست رواية..إنها مسرحية..و يجب أن نجعل لها بريقا..و إذا ما أحدثنا هذا التوتر و هذا التنافر بين سفين جيرسن و تلك...ما اسمها؟؟..كارين؟؟ أحدهما نقيض الاخر تماما..و مع ذلك يميلان ميلا شديدا كل للآخر. 
قالت السيدة أوليفر ببرود: أن سفين جيرسن لم يكترث أبدا بالنساء
-و لكن لا يمكن أن تجعليه هكذا يا عزيزتي..ليس بمثل هذا النوع من المسرحيات..أعني أنها ليست مجرد وصف لأشجار خضراء على الشاطئ. إنها إثارة و جرائم قتل في الهواء الطلق.. 
كان لذكر الهواء الطلق تأثيره الواضح..قالت السدة أوليفر فجأة: أضنني سأخرج قليلا أحتاج للهواء.. 
أحتاج جدا إلى الهواء... 
سألها روبن بلطف: هل أخرج معك؟ 
-لا..بل أفضل الخروج وحدي.. 
- كما تشائين. ربما كنت على حق..ربما كان من الأفضل أن أذهب و أرى أمي. إن المسكينة تشعر و كأنها قطة صغيرة مهملة..و هي تحب أن يوليها الناس اهتماما. و سوف تفكرين بذلك المشهد في الزنزانة..أليس كذلك؟إن العمل بكامله يبدو رائعا و سيكون أكبر نجاح نصل إليه..أعرف ذلك.. 
تنهدت السيدة أوليفر فيما مضى روبن قائلا: و لكن الأمر الأهم هو أن تشعري بالسعادة حيال ذلك.. 
رمقته السيدة أوليفر بنظرة باردة..و ألقت على كتفها رداءا و انطلقت إلى بروديني..قررت أن تنسى مشكلاتها بان تشغل نفسها بحل لغز الجرائم الحقيقية.. إن هيركيول بوارو بحاجة للمساعدة.. و لذا فسوف تلقي نظرة على القاطنين في بروديني.. و ستستخدم حدسها الأنثوي الذي لم يخب من قبل و تخبر بوارو من هو القاتل. و لن يكون أمامه –عندها- إلا أن يحصل على الدليل الضروري.. 
بدأت السيدة أوليفر مهمتها بالذهاب إلى مكتب البريد و شراء رطلين من التفاح..و أثناء عملية الشراء تبادلت حديثا وديا مع السيدة سويتمان. و بعد أن أقرت أن الجو حار بالنسبة لهذا الوقت من السنة... أشارت السيدة اوليفر الىانها تقيم مع السيدة أبورد في ليبرنامز
- نعم.. اعرف ذلك. لا بد انك السيدة اللندنية التي تكتب قصصا عن جرائم القتل..أليس كذلك؟? توجد عندي ثلاثة من كتبك. 
- قالت:لسيدة اوليفر نظرة سريعة على الكتب المعروضة التي كانت مغطاة قليلا بكتب الأطفال. قالت : " قضية السمكة الذهبية الثانية"..هذه قصة جيدة تماما. و قصة " القطة التي ماتت" حيث جعلت طول أنبوب النفخ قدما واحدا و هو في الحقيقة 6 أقدام. من السخف أن يكون أنبوب النفخ بهذا الطول.. و لكن احد العاملين في المتحف كتب ليخبرني بذلك. أحيانا اضن أن بعض الناس لا يقرؤون الكتب إلا بحثا عن الأخطاء فيها. ما اسم القصة الأخرى؟ ..آه "موت مبتدئة".. إنها قصة سخيفة جدا.. فقد جعلت السلفون يذوب في الماء بينما لا يذوب هو في الماء.. و كانت أحداثها كلها مستحيلة من البداية للنهاية.. و قد مات 8 أشخاص على الأقل قبل أن تأتي الفكرة لسفين جيرسن.. 
- قالت السيدة سويتمان دون أن تتأثر بهذا النقد الذاتي: إن لها شعبية واسعة.. و لن تصدقي مقدار رواجها.. وان كنت لم اقرأ أيا منها لأنني لا أجد الوقت الكافي لذلك.. 
- - لقد حدثت لديكم جريمة هنا أليس كذلك؟ 
- - بلى.. في تشرين الثاني الماضي. حدثت بين ظهرانينا.. إذا صح التعبير.. 
- - سمعت أن محققا يبحث هنا في الأمر؟ 
- - آه.. أتعنين السيد الأجنبيو.قصير المقيم في لونغ ميدوز؟ لقد كان هنا البارحة و.. 
- توقفت السيدة سويتمان مع دخول زبون آخر لشراء الطوابع. انتقلت إلى الجانب الذي يقدم خدمات البريد و قالت: صباح الخير يا آنسة هندرسن. الجو دافئ بالنسبة لهذا الوقت من العام. 
- - نعم..هو كذلك 
- حدقت السيدة اوليفر طويلا بمظهر الفتاة الطويلة..و كان معها كلب مربوط بحبل.
- قالت السيدة سويتمان بلذة متجهمة: هذا يعني أن الأزهار التي ستتفتح ستصاب بالصقيع لاحقا. كيف حال السيدة ويذربي؟ 
- - بخير.. شكرا لك. لم تخرج كثيرا في الآونة الأخيرة. و ذلك بسبب الرياح الرقية التي هبت مؤخرا. 
- - يعرض فيلم رائع في كيلشستر هذا الأسبوع يا آنسة هندرسن.. يجب أن تذهبي.. 
- - فكرت بالذهاب في الليل الماضية.. و لكن لم استطع حمل نفسي على ذلك. 
- - لقد نفذت الطوابع من فئة 5 شلنات. هل تفي طوابع الشلنين و 6 بنسات بالغرض؟ 
- و مع خروج الفتاة قالت السيدة اوليفر: السيدة ويذربي مقعدة..أليس كذلك؟ 
- أجابت السيدة سويتمان بلهجة لاذعة بعض الشيء: قد تكون كذلك أو لا تكون. إن البعض منا لا يجد الوقت للمرض. 
- - اتفق معك تماما. كثيرا ما أقول أن للسيدة أبورد أن من الأفضل لها لو أنها بذلت مزيدا من الجهد و مرنت قدميها قليلا. 
- بدت السيدة سيويتمان و كأن ذلك أعجبها و قالت: أنها تتحرك عندما تريد ذلك.. أو هذا ما سمعته. 
- - أحقا؟ 
- فكرت السيدة اوليفر في مصدر المعلومات.. ثم جازفت بالقول: جانيت؟ 
- - إن جانيت غروم تشكو و تتبرم قليلا..ولا يكاد المرء يدهش لذلك.. فهي نفسها ليست صغيرة.. و هي تعاني بشدة من الروماتيزم في موسم الرياح الشرقية. و لكنهم يسمونه النقرس عندما يصيب الوجهاء..فيستخدمون له كراسي المقعدين و غير ذلك. ما كنت لأخاطر بفقد قدرتي على استخدام رجلي. و لكن المرء – هذه الأيام- لو اشتكى من حكة بسيطة في يده لهرع من فوره الى طبيب.. و ذلك للحصول على مقابل لما يدفعه الضمان الصحي. لدينا الكثير من هذه المشكلات الصحية هذه الأيام. و لا يفيد الإنسان كثيرا أن يديم التفكير بسوء حالته. 
- قالت السيدة اوليفر: "أحسبك على حق". ثم اخذت تفاحها و خرجت في اثر ديردرا هندرسن. و لم يكن ذلك صعبا.. لان كلب الآنسة هندرسن كان مسنا و مترهلا.. و كان يمتع نفسه بفحص الأعشاب و شم الروائح الزكية. 
- و رأت السيدة اوليفر أن الكلاب كانت دوما وسيلة للتعرف على الآخرين.. و لذلك هتفت: يا له من كلب جميل.. 
- بدا السرور على الشابة الضخمة ذات الوجه الدميم و قالت: انه جذاب بالفعل. الست كذلك يا بن؟ 
- نظر بن للأعلى.. ثم هز جسمه قليلا و مضى يشم مجموعة من الأعشاب الشوكية..و أعجبته فمضي يعبر عن إعجابه بطريقته المعتادة. و سالت السيدة اوليفر: هل يقاتل؟ إن الكلاب من فصيلة سيليهام غالبا ما تقاتل. 
- - نعم.. انه مقاتل رهيب.. و لهذا السبب أبقيه مربوطا. 
- - لقد ظننت ذلك. 
- تأملت المرأتان الكلب.. ثم قالت ديردرا هندرسن بشيء من العجلة: أنت.. أنت أريادني اوليفر أليس كذلك؟ 
- - بلى.. و أنا أقيم مع عائلة أبورد. 
- - اعرف ذلك.. اخبرنا روبن بأنك قادمة..يجب أن أخبرك عن مدى استمتاعي بكتبك. 
- و كالعادة احمر وجه السيدة اوليفر حرجا و تمتمت بحزن: "آه.." ثم أضافت متجهمة: أنا سعيدة جدا بذلك. 
- - لم اقرأ منها الكثير بالقدر الذي أحبه... ذلك أن الكتب ترسل إلينا من نادي "كتب التايمز"..و لا تحب والدتي الكتب البوليسية. أنها حساسة جدا و تلك القصص تبقيها متيقضة طول الليل. و لكنني اعشق تلك الكتب. 
- - لقد حدثت هنا مؤخرا جريمة حقيقية عندكم... أليس كذلك؟ في أي بيت حدثت؟ إحدى تلك البيوت الصغيرة؟ 
- - انه ذلك البيت هناك. 
- تكلمت ديردرا هندرسن بصوت مخنوق قليلا.ووجهت السيدة اوليفر نظرها نحو مسكن السيدة ماغنيتي السابق الذي كان صبيان كريهان من عائلة كيدل يستمتعان بتعذيب قطة على عتبته. 
- و تقدمت السيدة اوليفر خطوة للامام لتحتج على هذا التصرف..و لكن القطة هربت بعد أن استخدمت مخالبها بطريقة قوية. أطلق الصبي الأكبر الذي خدشته المخالب بقوة صرخة قوية.. فقالت السيدة اوليفر: " أعطتك جزاءك".. ثم أضافت موجهة الكلام لديردرا هندرسن: انه لا يبدو مثل بيت وقعت فيه جريمة قتل.. أليس كذلك؟ 
- - بلى..لا يبدو كذلك.. 
- بدت المرأتان على اتفاق بهذا الشأن.. و أكملت السيدة اوليفر قائلة: لقد كانت خادمة تنظيف عجوزا سرق احدهم أموالها.. أليس كذلك؟ 
- - المستأجر. كان لديها بعض المال...تحت الأرض. 
- - نعم. 
- فجأة قالت ديردرا: و لكن ربما لم يكن هو المجرم في نهاية الأمر. يوجد هنا رجل صغير مضحك...أجنبي اسمه هيركيول بوارو. 

- - هيركيول بوارو؟ آه نعم. اعرف كل شيء عنه. 
- - اهو رجل تحر حقا؟ 
- - يا عزيزتي انه رجل ذائع الشهرة و بالغ الذكاء. 
- -إذن ربما يكتشف بأنه لم يفعل ذلك. 
- -من؟ 
- - ال.. النزيل. آه. بنتلي. آه .. كم آمل أن تبرأ ساحته. 
- - حقا؟ لماذا؟ 
- - لأنني لا أريده أن يكون هو لم أرد ذلك على الإطلاق. 
- نظرت إليها السيدة اوليفر بفضول مأخوذ بالعاطفة التي صبغت صوتها ثم سألتها: أكنت تعرفينه؟ 
- قالت ديردرا هندرسن ببطء: لا لم اعرفه. و لكن حدث مرة أن زلت قدم بن في فخ..فساعدني لتخليصه..ثم تحدثنا قليلا.. 
- - كيف كان يبدو؟ 
- - كان يشعر بوحشة مريعة. كانت أمه توفيت حديثا.. و كان مولعا بها جدا. 
- قالت السيدة اوليفر بذكاء: و أنت مولعة جدا بأمك؟ 
- - نعم.. و قد جعلني ذلك افهم. اعني افهم شعوره.. و أنا و أمي ليس لنا إلا بعضنا البعض. 
- - اذكر أن روبن أخبرني بأن لك زوج أم. 
- قالت ديردرا بمرارة: نعم..لي زوج أم. 
- قالت السيدة اوليفر بغموض: إن زوج ألام ليس كالأب الحقيقي أليس كذلك؟ هل تتذكرين والدك؟ 
- - لا فقد توفي قبل أن أولد. و تزوجت أمي السيد ويذربي عندما كنت في الرابعة و قد...كرهته دائما. و أمي.. 
- توقفت قبل أن تقولك لقد عاشت أمي حياة حزينة جدا. لم تلق تعاطفا أو فهما من أحد.. إن زوج أمي رجل عديم الشعور و قاس و بارد.. 
- أومأت السيدة اوليفر برأسها ثم تمتمت: هذا الشاب جيمس بنتلي لا يبدو مجرما أبدا. 
- - ما خطر ببالي أبدا أن يعتقله الشرطة. أنا متأكدة أن الفاعل كان احد المشردين. انك تجدين مشردين مرعبين على هذه الطريق أحيانا.. و لا بد أن الفاعل كان احدهم..
- قالت السيدة اوليفر مواسية: ربما اكتشف هيركيول بوارو الحقيقة. 
- قالت: " نعم..ربما" ثم استدارت بسرعة و دخلت بوابة منزل هنتر كلوز. 
- تابعتها السيدة اوليفر بنظراتها الحادة لحظة أو اثنتين.. ثم أخرجت من حقيبتها دفتر ملاحظات صغيرا و كتبت فيه "ليست ديردرا هندرسن" ووضعت خطا تحت كلمة ليست ضاغطة على القلم حتى كسرته. 
- في منتصف الطريق إلى أعلى التلة.قابلت روبن أبورد متجها للأسفل و بصحبته شابة جميلة ذات شعر بلاتيني. 
- قام روبن بالتعريف: هذه اريادني اوليفر الرائعة يا ايف..لا ادري –يا عزيزتي – كيف تفعل ما تفعله .. و هي تبدو شديدة الطيبة أيضاخوضا.س كذلك؟ لا تبدو كمن خاض في الجريمة خوضا. هذه ايف كاربينر. سيكون زوجها مندوبنا القادم في البرلمان. إن مندوبنا الحالي.. السير جورج كارترايت...عجوز خرف تماما. انه يثب على الفتيات الصغيرات من خلف الأبواب.. 
- قالت ايف: روبن... يجب أن لا تختلق مثل هذه الأكاذيب الفضيعة.. ستشوه سمعة الحزب. 
- - و لماذا اهتم؟ انه ليس حزبي. أنا ليبرالي.. و هذا هو الحزب الوحيد الذي يمكن الانتماء إليه هذه الأيام.. صغير و نخبوي.. ولا فرصة له في الوصول إلى البرلمان.. إنني اعشق القضايا الخاسرة. 
- ثم اضاف قائلا للسيدة اوليفر: تود ايف أن تدعونا هذا المساء. حفلة صغيرة من أجلك يا اريادني..على طريقة مقابلة الأسد. نحن مسرورون لوجودك هنا. ألا تستطيعين أن تجعلي مسرح جريمتك المقبلة هنا في بروديني؟ 
- قالت ايف كاربنتر: نعم افعلي ذلك يا سيدة اوليفر. 
- قال روبن: بامكانك أن تحضري سفين جيرسن إلى هنا بسهولة... يمكنه أن يكون مثل هيركيول بوارو و يقيم في نزل الضيافة لدى عائلة سمرهيز. نحن ذاهبون هناك الآن لأنني أخبرت ايف أن هيركيول بوارو ذائع الشهرة في مجال عمله تماما كما أنت مشهورة في مجالك... و قالت ايف أنها كانت وقحة معه بالأمس و لهذا فهي ذاهبة لكي تدعوه إلى الحفلة أيضا. فعلا اجعلي مسرح جريمتك المقبلة في بروديني سنكون جميعا متشوقين لذلك. 
- قالت ايف: نعم ستكون متعة كبيرة. 
- سأل روبن: من سيكون القاتل و من سيكون الضحية؟؟ 
- سالت السيدة اوليفر: من هي خادمتك الحالية؟ 
- قال روبن: آه.. ليس هذا النوع من الجرائم.. انه ممل جدا. احسب أن ايف يمكن أن تكون ضحية ممتازة.. إذ يمكن تصويرها مخنوقة.. 
- قالت ايف: من الأفضل أن تقتل أنت يا روبن. الكاتب المسرحي الصاعد مطعون في بيت ريفي. 
- قال روبن: و لكننا لم نستقر على قاتل بعد.. ما رأيكما بأمي؟ تستخدم كرسيها المتحرك حتى لا تترك آثار أقدام. أظن هذا سيكون رائعا. 
- - و لكن ما كان لها أن ترغب بقتلك يا روبن. 
- فكر روبن قليلا و قال: نعم.. لعلها لا ترغب بذلك. في الحقيقة كنت أفكر في أن تخنقك أنت. أنها لا تبالي كثيرا بعمل كهذا. 
- - و لكني أريد أن تكون أنت الضحية.. و يمكن أن يكون القاتل ديردرا هندرسن.. الفتاة الدميمة المكبوتة التي لا تثير انتباه احد. 
- - أرأيت يا اريادني؟ ها هي ذي عقدة روايتك القادمة موجودة أمامك..و كل ما عليك عمله أن تعملي على اختراع بعض المؤشرات المضللة و القيام طبعا بالكتابة الفعلية للقصة. يا الهي.. يا لكلاب مورين المخيفة.. 
- كانوا قد التفوا عند بوابة لونغ ميدوز حيث اندفع كلبان ايرلنديان للامام و هما ينبحان.. و خرجت مورين سمرهيز إلى ساحة الإسطبل حاملة دلوا في يدها و نادت: تعال يا فلين. تعال هنا يا كورميك. مرحبا..إنني أقوم بتنظيف الاسطبل 
- قال روبن: نعرف ذلك يا عزيزتي.. بامكاننا أن نشم رائحتك من هنا. يا للحياة المثيرة التي تعيشينها أنت و جوني.. 
- قالت ايف: هلا أتيت مع جوني لمشاركانتا في حفلة هذا المساء يا مورين؟ 
- - يسعدني ذلك. 
- قال روبن: لتقابلي السيدة اوليفر. و لكن بامكانك فعلا مقابلتها الآن.. فهي هذه.
- قالت مورين: أهي أنت حقا؟ يا له من أمر مثير.. أنت و روبن تكتبان مسرحية معا أليس كذلك؟ 
- قال روبن: أنها تسير بشكل رائع. و بالمناسبة يا اريادني.. لقد خطرت ببالي فكرة رائعة بعد أن خرجت هذا الصباح.. بخصوص توزيع الأدوار. 
- قالت السيدة اوليفر بصوت ينم عن الارتياح: توزيع الأدوار. 
- - اعرف الشخص المناسب تماما لدور ايريك. انه سيسيل ليتش.. و هو يمثل الآن في مسرح جوال صغير في كولينكيه. سنذهب إلي هناك و نشاهد العرض ذات مساء. 
- قالت ايف مخاطبة مورين: نريد النزيل عندكم. هل هو موجود؟ أريد أن ادعوه لحفلة الليلة. 
- قالت مورين: سنحضره معنا. 
- - أرى من الأفضل أن ادعوه بنفسي...فالحقيقة إنني كنت فظة معه بالأمس. 
- قالت مورين بغموض: " آه..حسنا. انه في مكان ما هنا. اظنه في الحديقة. كروميك...فلين..يا للكلاب القذرة.." ثم أسقطت الدلو محدثة صوتا عاليا و ركضت باتجاه بركة البط..حيث تعالى نقيق البط المجنون.