الفصل التاسع 
تمتم بوارو مع نفسه وهو يستدير ليدخل بوابة كروسويز قرب المحطة :جميعهم لطفاء جداً! 
أظهرت لافته نحاسية مثبتة قرب الباب أن الدكتور ريندل يسكن في ذلك المكان .كان الدكتور ريندل رجلا ضخماً مرحاً في الأربعين من عمره ,وقد رحب بضيفة بحفاوة خاصة قائلاً: لقد تشرفت قريتنا الصغيرة الهادئة بوجود هيركيول بوارو العظيم. 
رد بوارو وقد طرب لهذا المديح :آه, أوقد سمعتم بي أذن؟ 
_بالطبع سمعنا بك , ومن لم يسمع بك؟ 
كان من شأن الإجابة على هذا السؤال أن تكون مدمرة لاحترام بوارو لنفسه , ولذا اكتفى بالقول بأدب :من حسن حظي أني وجدتك في البيت . 
لم يكن ذلك من باب الحظ تحديداً, وبل كان_على العكس من ذلك _ توقيتاً حاذقاً ,ولكن الدكتور ريندل أجاب بمرح :نعم.لقد أمسكت بي بصعوبة , فلم يبق على موعد الالتحاق بالعيادة سوى ربع ساعة .والآن :ماذا بوسعي أن أفعل لك؟ إن الفضول ينهشني لمعرفة ماتفعله هنا. أهي راحة استجمامية ؟أم أن بين ظهرانينا جريمة؟ 
_يمكنك قول ذلك , ولكن بصيغة الماضي وليس الحاضر. 
_الماضي ؟لا أذكر........ 
_السيدة ماغينتي . 
_بالطبع , بالطبع ,كدت أن أنسى .ولكن لاتقل لي إنك مهتم بذلك.... بعد مرور كل هذا الوقت؟ 
_سوف أبوح لك بسر: لقد قامت هيئة الدفاع باستخدامي لظهور دليل جديد يمكننا من تقديم استئناف . 
قال الدكتور ريندل بحدة: ولكن أي دليل جديد يمكن أن يكون قد ظهر؟ 
_هذا _للأسف_ما يمكن أن أبوح به. 
_آه , تماماً.أرجو أن تعذرني. 
_ولكني صادفت أموراً معنية يمكن القول أنها ....... غريبة جداً.كيف يمكنني أن أعبر عن ذلك؟ أأقول إنها أمور شديدة الدلالة؟ وقد جئتك_دكتور_ريندل لأنني أعرف أن السيدة ماغينتي كانت تعمل هنا أحياناً. 
_آه.نعم, نعم ,كانت تعمل هنا. هل لك بشرب شئ؟شاي؟أي عصير؟ هل تفضل العصير؟ حسناً, وأنا كذلك. 
أحضر كأسين وجلس بجانب بوارو ثم تابع قائلاً: لقد اعتادت أن تأتي مرة في الأسبوع لتقوم بأعمال تنظيف إضافية.لدي مدبرة منزل جيدة جداً, بل ممتازة. ولكن مدبرة منزلي _السيدة سكوت_ لاتستطيع تلميع النحاسيات ومسح أرضية المطبخ لأنها تجد صعوبة في الانحناء على ركبتها,وقد كانت السيدة ماغينتي عاملة ممتازة . 
_أتظن أنها كانت صادقة؟ 
_صادقة؟هذا السؤال غريب .لا أحسبني أستطيع الجزم ,فلم أجد فرصة لمعرفة ذلك.لقد كانت صادقة تماماً وفق ماأعلمه . 
_إذن فأنت تظن أنها إذا ما أدلت بقول لأحد,فإن قولها يُرجح أن يكون صحيحاً؟ 
بدا الدكتور ريندل مضطرباً قليلاً وقال: آه, ما كنتُ لأذهب إلى هذا الحد ,فأنا لا أعرف عنها_حقاً_سوى القليل .بإمكاني أن أسال السيدة سكوت ,فمن شأنها أن تعرف أفضل مني. 
_لا, لا. من الأفضل أن لا تفعل ذلك. 
قال الدكتور ريندل بمودة :أنت تثير فضولي ,فما هو ذلك الشيء الذي كانت تدور وتتحدث به؟ أهو شيء تشهيري قليلاً؟ أعني:أهو قذف أو تشهير بالآخرين . 
اكتفى بوارو بهز رأسه بالنفي , ثم قال : أنت تدرك أن الأمر كله سري للغاية في الوقت الحاضر,فأنا مازلت في بداية تحقيقاتي. 
فقال الدكتور ريندل بشيء من الجفاء:سيتعين عليك أن تسرع قليلاً,أليس كذلك؟ 
_أنت على حق,فالوقت المتاح لي قصير . 
_إنك تثير دهشتي .لقد كنا هنا متأكدين جميعاً من أن بنتلي هو الذي فعل ذلك ,ولم يبد في ذلك أي شك. 
_لقد بدت جريمة قذرة عادية ليس فيها الكثير من الإثارة .أهذا ما تريد قوله؟ 
_نعم,نعم ,هذا ما يجُمل الموضوع بشكل حسن . 
_أكنت تعرف جيمس بنتلي؟ 
_لقد جاء لمراجعتي طبياً مرة أو مرتين , وكان قلقاً بشأن صحته . يُخيل إلي أن أمه بالغت في حمايته . كثيراً ما يصادف المرء مثل هذه الأمور,ولدينا حالة مشابهة هنا.
_آه,حقاً؟ 
_نعم السيدة أبورد, لورا أبورد. إنها شغوفة بابنها روبن إلى حد سخيف , وتبقيه مرتبطاً بها دائماً.إنه شاب ذكي , وإن لم يكن بذلك الذكاء الذي يراه في نفسه(وهذا الكلام بيننا بالطبع ). ولكنه _مع ذلك_ موهوب بالتأكيد. إن روبن هذا كاتب مسرحي واعد. 
_هل يعيشون هنا منذ مدة طويلة؟ 
_منذ ثلاث سنوات أو أربع.لا أحد يسكن في بروديني منذ مدة طويلة ,فالقرية الأصلية كانت مجموعة من البيوت الصغيرة تتجمع حول لونغ ميدوز .لقد فهمت أنك تنزل هناك؟أليس كذلك؟ 
رد بوارو دون حماسة زائدة:بلى. 
بدا الدكتور ريندل مسروراً,وقال: يا له من نُزُل! إن تلك الشابة لا تعرف شيئاً عن إدارة فندق أو نُزُل.لقد عاشت في الهند طوال حياتها الزوجية والخدمُ يطوفون حولها من كل جانب. أراهن على أنك على أنك غير مرتاح, فلا أحد يمكث فترة طويلة هناك. أما المسكين سمرهيز فإنه لن يجني شيئاً من محاولته الانكباب على زراعة حديقته بالخضار بقصد تسويقها. إنه رجل لطيف, ولكن لا فكرة لديه عن الحياة التجارية , وعلى المرء أن يتقن فهم الحياة التجارية إذا ما أراد أن ينجح .ومع ذلك فأنا أحب عائلة سمرهيز, فالزوجة سيدة رائعة, ورغم أن الزوج ذو طبع حاد ويميل إلى المزجية إلا إنه واحد من الحرس القديم , إنسان ممتاز تماماً. ليتك كنت تعرف الكولونيل العجوز سمرهيز ,فقد كان عنيف الطبع شديد الفخر بنفسه. 
_أهو والد الميجر سمرهيز؟ 
_نعم. لم تملك العائلة الكثير من المال عندما مات الأب , وقد عانى أفرادها _بالطبع_ من تكاليف الوفاة, ولكنهم كانوا مصرين على البقاء في القرية. ولا تعرف المرء هل يعجب بهم أم ينعتهم "بالحمقى السخفاء". 
نظر الدكتور ريندل إلى ساعته, فقال بوارو : يجب أن لا أؤخرك. 
_مازالت أمامي بضع دقائق , كما أنني أود أن تقابل زوجتي.لا أعرف أين هي, لقد اهتمت شديد الاهتمام عندما علمت أنك جئت إلى القرية,فكلانا مهتم جداً بالجرائم ونقرأ كثيراً عن هذا الأمر. 
سأل بوارو مبتسماً: عن علم الجريمة, أم القصص, أم صحيفة الصندي كوميت؟ 
_الثلاثة معاً. 
_هل تتنازل إلى مستوى الصندي كوميت؟ 
رد ريندل ضاحكاً:وما طعم يوم الأحد من دونها؟ 
_لقد نشروا بعض المقالات المثيرة للاهتمام منذ خمسة أشهر . كانت إحداها_تحديداً_ تتحدث عن نساء متورطات في جرائم قتل وعن مآسي حياتهن. 
_نعم ,أذكر تلك المقالة التي تتحدث عنها, رغم الكثير من السخف الذي ورد فيها. 
_آه , أتظن ذلك؟ 
_أنا _بالطبع_ لم أعلم بقضية كريغ إلا من خلال قراءتي عنها, ولكن في واحدة من القضايا الأخرى (هي قضية كورتلاند)أستطيع أن أؤكد لك بأن تلك المرأة لم تكن بالبريئة العاثرة الحظ, بل كانت شريرة تماماً. أعرف ذلك لأن عماً لي كان يشرف على علاج الزوج. صحيح أن الزوج لم يكن بالرجل الصالح, ولكن زوجته لم تكن أفضل منه. لقد سيطرت على ذلك الشاب اليافع وأغواته لارتكاب الجريمة, ومن ثم دخل هو السجن بتهمة القتل غير المتعمد ,فيما سافرت أرملة غنية وتزوجت برجل آخر. 
_لم تذكر الصندي كوميت ذلك.هل تذكر بمن تزوجت؟ 
هز ريندل رأسه بالنفي وقال: لا أظنني سمعت اسم زوجها أبداً, ولكن أحدهم أخبرني بأنها نجحت وازدهرت أيما أزدهار. 
قال بوارو متأملاً :لقد تساءل المرء _هل يقرأ تلك المقالة_ عن أماكن أولئك النساء الأربع؟ 
_أعرف. ربما كان المرء قد صادف إحداهن في حفلة في الأسبوع الماضي.أراهنُ لأنهن يخفين جميعاً ماضيهن بشكل جيد ,وما كان المرء ليعرف_قطعاً_ أياً منهن من تلك الصور ,فقد ظهرن فيها دميمات تماماً. 
دقت الساعة فنهض بوارو قائلاً: عليّ أن لا أؤخرك أكثر من ذلك, لقد كنت بالغ اللطف معي. 
_أخشى أنني لم أساعدك كثيراً. إن الرجل العادي لا يكاد يعرف كيف تبدو عاملة التنظيف التي تعمل عنده. ولكن انتظر لحظة ,يجب أن تقابل زوجتي,وإلا فإنها لن تغفر لي أبدا. 
تقدم ريندل ضيفه إلى القاعة منادياً بصوت عالٍ: شيلا... 
جاء رد خافت من الطابق العلوي,فقال: انزلي إلى هنا ,عندي لك شيء. 
نزلت امرأة نحيلة شاحبة ذات شعر جميل تركض على الدرج . 
_أقدم لك السيد هيركيول بوارو يا شيلا. ما رأيك بهذا ؟ 
_آه. 
بدا وكأن السيدة ريندل قد صعقت بحيث خانها الكلام ,وحدقت عيناها الزرواقاوان الشاحبتان إلى بوارو بشيء من الخوف.قال بوارو:منحنياً بطريقة الأجنبية : سيدتي. 
قالت شيلا ريندل :لقد سمعنا أنك هنا, ولكن لم نعلم ... 
وقطعت جملتها قبل أن تكلمها , ثم تحولت عيناها الفاتحتان بسرعة إلى وجه زوجها. 
فقال بوارو لنفسه:"لا بد أنها تتلقى توقيت غرينتش من زوجها " .ثم تكلم ببعض عبارات المجاملة واستأذن خارجاً. 
بقى لديه انطباع عن الدكتور ريندل كرجل ودود,وعن السيدة ريندل كامرأة مربوطة اللسان خائفة.هذا ما يتعلق بعائلة ريندل ,حيث كانت السيدة ماغينتي تعمل صباح كل خميس. 

كانت بناية هنتر عبارة عن منزل بُني على الطراز الفكتوري متصل بشارع طويل مهلهل تنامت عليه الأعشاب , ولم يكن في الأصل يُعتبر منزلاً كبيراً, ولكنه أصبح الآن منزلاً واسعاً بحيث يتسع لعائلة . 
سأل بوارو الشابة الأجنبية التي فتحت الباب عن السيدة ويذربي.حدقت الشابة إليه ثم قالت:لا أعلم , أرجوا أن تدخل .لعلها الآنسة هندرسُن؟ 
تركته وافقاً في القاعة التي كانت "كاملة الفرش" بلغة مكاتب العقارات و بها كثيراً من التحف من مختلف أنحاء العالم , ولم يبدُ فيها شيء حسن التنظيف .وسرعان ما ظهرت الفتاة الأجنبية مرة أخرى قائلة:أرجو أن تدخل. 
ثم أدخلته إلى غرفة صغيرة باردة فيها مكتب كبير. وكان على رف الموقد إبريق قهوة نحاسي كبير يوحي شكله بالشر, وله فوهة كبيرة معقوفة مثل أنف ضخم معقوف. 
فُتح الباب خلف بوارو ودخلت فتاة إلى الغرفة, ثم قالت : إن أمي تأخذ قسطاً من الراحة, هل بوسعي عمل شيء لك؟ 
_أأنت الآنسة ويذربي؟ 
_بل هندرسُن . السيد ويذربي هو زوج أمي . 
كانت فتاة لا جمال فيها ,في العقد الثالث من عمرها ,ذات جسم ضخم مرتبك التقسيم وعينين محترستين . 
_كنتُ أود أن أسمع ما يمكنك قوله لي عن السيدة ماغينتي التي اعتادت أ ن تعمل هنا. 
حدقت الآنسة هندرسُن إليه وقالت: السيدة ماغينتي؟ ولكنها ... 
رد بوارو بلطف : أعرف ذلك , ومع ذلك أود أن أعرف عنها. 
_آه, أمن أجل التأمين أو ما يشبه هذا ؟ 
_ليس بشأن التأمين , ولكنها مسألة دليل جديد. 
_ دليل جديد.أتقصد .... موتها؟ 
_ لقد كلفني محامو الدفاع بأن أجري تحقيقاً لصالح جيمس بنتلي. 
سألته وهي تحدق إليه : ولكن ألم يكن هو مرتكب الجريمة؟ 
_ لقد رأت هيئة المحلفين ذلك, ولكن المعروف عن هيئات المحلفين أنها ترتكب الأخطاء. 
_إذن فإن من قتلها كان في حقيقة شخصاً آخر؟ 
_ربما كان الأمر كذلك. 
سألت فجأة: من؟ 
رد بوارو برفق : ذلك هو السؤال. 
_ إنني لا أفهم شيئاً. 
_حقاً؟ ولكن يمكنك أن تخبريني شيئاً عن السيدة ماغينتي , أليس كذلك؟ 
قالت بشيء من التردد: أظن ذلك. ما الذي تريد معرفته؟ 
_حسناً... بداية ,ما هو رأيك فيها؟ 
_آه,لا رأي لي تحديداً . كانت مثل أي شخص آخر. 
_ثرثارة أم قليلة الكلام؟ فضولية أم متحفظة؟ بشوشة أم نكدة؟ امرأة لطيفة أم غير لطيفة؟ 
فكرت الآنسة هندرسُن ثم قالت : كانت تعمل جيداً,ولكنها كانت تتكلم كثيراً, وكانت تقول أشياء غريبة أحياناً.لم أكن أحبها كثيراً في الحقيقة. 
فُتح الباب وقالت الخادمة الأجنبية :آنسة ديردرا , تقول أمك إن بإمكانك أن تحضريه. 
_أتريد أمي أن أصطحب السيد إليها في الطابق العلوي؟ 
_نعم, رجاءً. 
نظرت ديردرا هندرسُن إلى بوارو بارتياب وقالت: هل تود الصعود إلى أمي؟ 
اصطحبته ديردرا عبر القاعة ثم صعوداً على الدرج ,و ما لبثت أن قالت دون مناسبة: إن المرء ليسأم كثيراً من الأجانب. 
وبما أنه كان واضحاً أنها تفكر في خادمتها الأجنبية وليس في زائرها, فإن بوارو لم يشعر بإهانة. فكر بأن ديردرا تبدو شابة بسيطة جداً... بسيطة لدرجة تفتقر فيها إلى اللباقة. 
كانت الغرفة في الطابق العلوي مليئة بالتحف الرخيصة .كانت غرفة امرأة سافرت كثيراً وحرصت على أن تأخذ تذكاراً من كل مكان تذهب إليه , وبدا واضحاً أن معظم هذه الهدايا التذكارية قد صُنعت من أجل إمتاع السياح واستغلالهم . كان في الغرفة الكثير من الأرائك والطاولات والكراسي, والكثير من الأقمشة والستائر, والقليل من الهواء .... ووسط ذلك كله كانت السيدة ويذربي. 
بدت السيدة ويذربي امرأة صغيرة الجسم .... امرأة صغيرة الجسم مثيرة للشفقة في غرفة ضخمة . كان ذلك هو الانطباع السائد ,ولكنها لم تكن _حقاً_ صغيرة الجسم بقدر ما اختارت أن تبدو. إن ذلك النمط من النساء اللاتي لا يفتأن يقلن:" أنا المسكينة الصغيرة" يمكن أن تحققن ما يردنه بنجاح ,حتى وإن كُن متوسطات الطول.
كانت مستلقية بكل ارتياح عل إحدى الأرائك , وبالقرب منها كتب وبعض أشغال الحياكة وكأس من عصير البرتقال وصندوق من الشكلاتة.قالت :اغفر لي عدم نهوضي ,فالطبيب يصر على استراحتي كل يوم , والجميع يعنفونني إذا لم أفعل ما يُطلب مني. 
انحنى بوارو متمتماً بالتحية المناسبة, وقالت ديردرا المُعاندة من خلفه : إنه يريد أن يعرف شيئاً عن السيدة ماغينتي. 
تصلب وجه السيدة ويذربي وقالت وهي تطلق ضحكة خفيفة : كم أنت سخيفة يا عزيزتي ديردرا ! من هي السيدة ماغينتي؟ 
_آه , ماما..... أنت تذكرينها دون شك ,فلقد كانت تعمل لدينا . تلك التي قُتلت . 
أغلقت السيدة ويذربي عينيها وارتجفت قائلة:لا تذكرني بذلك.بقد كان المر كله فظيعاً,ولقد بقيتُ عصبية المزاج لعدة أسابيع بعد الحادث .يا للعجوز المسكينة! ولكن من الغباء الشديد أن تحتفظ بمالها تحت الأرض, فقد كان عليها أن تودعه في البنك.
إنني أذكر ذلك كله بالطبع .... ولكني نسيت اسمها فقط. 
قالت ديردرا ببلادة: إنه يريد أن يعرف عنها شيئاً. 
_أرجو أن تجلس يا سيد بوارو ,إن الفضول يقتلني . لقد اتصلت السيدة ريندل لتوها وقالت إن لدينا هنا عالم جريمة مشهوراً جداً, وقامت بوصفك . وبعد ذلك ,عندما جاءت فريدا الغبية ووصفت زائراً جاءنا كنت على ثقة بأنك أنت, وأرسلت في طلبك والآن قل لي: ما هذا الأمر كله ؟ 
_الأمر كله كما تقول ابنتك .أريد أن أعرف أشياء عن السيدة ماغينتي.لقد عملت هنا, وفهمت أنها كانت تأتي أيام الأربعاء . وقد كان موتها يوم أربعاء .إذن فقد كانت هنا في ذلك اليوم ,أليس كذلك؟ 
_أطن ذلك .بلى, أظن ذلك .لا أستطيع الجزم الآن ,فقد مر زمن طويل. 
_نعم ,مرت عدة أشهر .ألم تقل شيئاً في ذلك اليوم... أي شيء خاص؟ 
قالت السيدة ويذربي باستياء :أفراد تلك الطبقة من الناس عادة ما يتحدثون كثيراً,والمرء لا يصغي حقاً لكل ما يقولونه.وعلى أية حال ما كان لها أن تعرف ستُسرق وتُقتل في تلك الليلة ,أليس كذلك؟ 
_يوجد ما يدُعى السبب والنتيجة. 
قطبت السيدة ويذربي جبينها قائلة: لا أفهم ما تقصد. 
_ربما كنتُ أنا الآخر لا أفهم .... حتى الآن . إن المرء يسعى في الظلمة حتى يصل إلى النور.هل أنتم مشتركون بصحف يوم الحد يا سيدة ويذري؟ 
فتحت عينيها الزرقاوين على أتساعهما وقالت: نعم,بالطبع . لدينا صحيفتا الأوبزيرفر و الصندي تايمز .لماذا ؟ 
_كنت أتساءل .لقد اعتادت السيدة ماغينتي قراءة الصندي كوميت. 
توقف قليلاً,ولكن أحداً لم يقل شيئاً .تنهدت السيدة ويذربي وكادت تغمض عينيها ,ثم قالت: كان ذلك كله مزعجاً جداُ ,وذلك المسُتأجر الفظيع لديها.لا احسب حقاً أنه كان سليم العقل , ويبدو أنه كان مثقفاً بشكل جيد أيضاً؟مما يجعل الأمر أسوأ ,أليس كذلك؟ 
_هل يجعله أسوأ حقاً؟ 
_نعم, بالتأكيد .يا لها من جريمة وحشية!ساطور لحم .أوف! 
_ولكن الشرطة لم يجدوا السلاح أبداً. 
تنهدت أمها قائلة: يا عزيزتي ,لا تثيري اشمئزازي .تعرفين كم أكره التفكير بأشياء كهذه .آه ,رأسي! 
التفتت الفتاة إلى بوارو بعنف وقالت: يجب أن لا تستمر في ذلك.إنه سيء بالنسبة لها, فهي حساسة جداً, بل أنها لا تستطيع قراءة القصص البوليسية. 
قال بوارو وهو ينهض: أعتذر عن ذلك .لدي مبرر واحد ,وهو أن رجلاً سيُشنق فيغضون ثلاثة أسابيع .فإن لم يكن هو الفاعل.... 
رفعت السيدة ويذربي نفسها متكئة على موفقها وصاحت بصوت حاد عالٍ: هو الفاعل بالطبع , هو الذي فعل ذلك بالطبع. 
هز بوارو رأسه قائلاً: "أنا لست متأكداً تماماً من ذلك" ثم غادر الغرفة بسرعة. وبينما كان ينزل الدرج لحقت به الفتاة, ووصلت إليه وهو في الصالة فسألته :ماذا تقصد؟ 
_أقصد ما قلتُه يا آنسة. 
قالت :"نعم,ولكن...", ثم سكتت,ولم يقل بوارو شيئاً. 
قالت ديردرا هندرسُن ببطء:لقد أزعجت أمي, فهي تكره مثل هذا الأشياء ....السرقات وجرائم القتل والعنف. 
_لا بد _إذن _أنها شعرت بصدمة كبيرة عندما قُتلت امرأة كانت تعمل لديها. 
_نعم ,نعم, كانت صدمة بالفعل . 
_هل هدتها تلك الصدمة ؟ 
_لم تشأ سماع شيء عن الموضوع .أني ....أو إننا....نحاول أن ... أن نوفر عليها سماع الأمور .سماع الأمور الوحشية. 
_وماذا عن الحرب ؟ 
_لحسن الحظ لم تسقط أية قنابل بالقرب من هنا. 
_ماذا كان دورك في الحرب يا آنسة؟ 
_آه, لقد عملت في فرقة مساعدة التطوعية في كيلتشستر, وعملت سائقة أيضاً في الخدمات التطوعية. ما كان بإمكاني أن أغادر البيت بالطبع ,فقد كنت أمي بحاجة إلي,وقد كانت أصلاً تقلق كثيراً لوجودي خارج المنزل. كان الأمر صعباً جداً. وأيضاً مسألة الخدم...ومن الطبيعي أن أمي لم تقم أبداً بأية أعمال منزلية,فهي ليست على تلك الدرجة من القوة, وكان من الصعب جداً الحصول على خدم . ولهذا فقد كانت السيدة ماغينتي نعمة كبرى, وعندما بدأت تأتي إلينا . كانت عاملة ممتازة, ولكن ما من شيء يبقى كما كان في أي مكان . 
_وهل تهتمين لذلك كثيراً يا آنسة؟ 
قالت وقد بدت مدهوشة:أنا,آه,لا . ولكن الأمر مختلف بالنسبة لأمي.فهي.... إنها تعيش في الماضي كثيراً. 
قال بوارو :" بعض الناس يعيشون في الماضي". واستعادت مخيلته صورة الغرفة التي كان فيها منذ برهة. وكان هناك دُرجُ مكتب نصف مفتوح .درج ملئ بمختلف الأشياء :مغرز دبابيس حريري , ومروحة يدوية مكسورة , و مغلاة قهوة فضية , ومجلات قديمة. كان الدرج مليئاً إلى حد يصعب معه إغلاقه. 
استأنف قائلاً بلطف: يعيشون في الماضي ويحتفظون بأشياء .أشياء تذكرهم بالأيام الخوالي..... صور أصدقاء مضوا, بل حتى قوائم الطعام وبرامج المسرح , ذلك أن النظر إلى تلك الأشياء يعيد الذكريات إلى الحياة. 
_أظن أن ذلك هو السبب .أنا_شخصياً_ لا أستطيع فهم ذلك, وأنا لا أحتفظ بشيء البتة. 
_لأنك تنظرين إلى الأمام ,لا إلى الخلف. 
قالت ديردرا ببطء: لا أدري إن كنتُ أنظر بأي اتجاه ....أعني أن اليوم الحاضر يكفي ,أليس كذلك؟ 
فُتح الباب الأمامي ودخل الصالة رجل كهل طويل عريض, وعندما رأى بوارو توقف جامداً. نظر إلى ديردرا وقد ارتفع حاجباه استفهماً, فقالت : أقدم لك زوج أمي. ولكني ... ولكني لا أعرف اسمك؟ 
قال بوارو بذلك الارتباك المعتاد لمن يُعلن اسماً ملوكياً: أنا هيركيول بوارو. 
لم يبدُ على السيد ويذربي التأثير , واكتفى بالقول :"آه !" ,ثم استدار ليُعلق معطفه. 
قالت ديردرا :لقد جاء يسأل عن السيدة ماغينتي. 
بقى السيد ويذربي جامداً للحظة,ثم أكمل تسوية معطفه على المشجب وقال: يبدو لي ذلك غريباً بعض الشيء .لقد لاقت المرأة حتفها منذ أشهر , ورغم أنها عملت هنا, إلا أننا لا نملك معلومات عنها أ, عن عائلتها, واو كانت لدينا معلومات لكنا قد أعطيناها للشرطة أصلاً. 
كان في نبرته ما يوحي بحسم الحديث .نظر إلى ساعته وقال: أحسب أن الغذاء سيكون جاهزاً خلال ربع ساعة. 
_أخشى أن يتأخر قليلاً اليوم. 
ارتفع حاجبا السيد ويذربي مرة أخرى وقال :أحقاً؟ وهل لي أن أسال عن السبب؟ 
_كانت فريد ا مشغولة جداً. 
_يا عزيزتي ديردرا, إنني أكره أن أذكرك .... ولكن مهمة إدارة المنزل تقع على عاتقك أنت, و يهمني أن أجد مزيداً من الدقة. 
فتح بوارو الباب الأمامي وخرج, ثم التفت ليلقي نظرة. ورأى كراهية مباشرة في نظرة السيد ويذريي لابنة زوجته , وشيئاً أشبه بالكراهية في عيني ديردرا وهما تبادلانه النظر .