فصول الكتاب

1- فضل العلم بأسماء الله تعالى وصفاته

         لا ريب أن العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم الشرعية، وأزكى المقاصد العلية وأعظم الغايات السَّنية؛ لتعلُّقه بأشرف معلوم وهو الله عز وجل، فمعرفته سبحانه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعم، والثناءُ عليه بأسمائه وصفاته ومدحُهُ وتمجيدُه أشرفُ الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملَّة إبراهيم عليه السلام، وهو الدين الذي اجتمع عليه جميع النبيِّين، وعليه اتفقت كلمتهم وتواطأت مقالتهم وتوارد نصحهم وبيانهم، بل إنه أحد المحاور العظيمة التي عليها ترتكز دعوتهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

         أُرسِلوا بالدعوة على الله عزَّ وجل، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم غليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول.

وفي هذا يقول العلاَّمة ابن القيِّم رحمه الله: "إن دعوة الرسول تدور على ثلاثة أمور: تعريف الربِّ المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، الأصل الثاني: معرفة الطريقة الموصلة إليه، وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبّه وكمال الذلّ له، الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجلّيه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم"([1]).

وقال في شأن بيان خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم لهذا المطلب العظيم: "فعرَّف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدى وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده

 

المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يَدَع لأمَّته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت: 51]"([2]).

كيف لا وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلاَّ هالك" رواه أحمد وابن ماجه([3])، والقائل صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" رواه مسلم([4])، وقال أبو ذر رضي الله عنه: "تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يُقلِّب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر منه علماً. قال: فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما بقي شيءٌ يقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم" رواه الطبراني في المعجم الكبير([5]).