فصول الكتاب

اقتضاء أسماء الله لآثارها من الخلق والتكوين

إن من أجلّ المقامات وأنفع الأمور التي توجب للعبد الرفعة وتعينه على حسن المعرفة بالله وتحقيق محبته ولزوم الثناء عليه النظر والتأمُّل في اقتضاء الأسماء الحسنى والصفات العليا لآثارها من الخلق والتكوين، وأن العالم كله بما فيه من سماوات وأرض وشمس وقمر وليل ونهار، وجبال وبحار، وحركات وسكنات، كل ذلك من بعض آثارها ومقتضياتها، "فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، تنادي عليها وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال، كما قيل:

تأمَّل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل

وقد خطَّ فيها لو تأمَّلت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل

تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل

فلست ترى شيئاً أدلَّ على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه"([1])، وهذا من أجلّ المعارف وأشرفها، وكل اسم من أسماء الله سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصافُ مدحٍ وكمال، وكلّ صفة لها مُقتضٍ وفعلٌ- إمَّا لازم وإما متعدٍّ- ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتُها، ويستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وأسمائه وصفاته عن ذاته، ولهذا جاء في القرآن الكريم الإنكارُ على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأن قائل ذلك نسب الله إلى ما لا يليق به وإلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء ممن حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حقَّ قدره، ولا عظَّمه حق تعظيمه كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب:

 

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 91]، وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الزمر: 67]، وقال في حق من جوَّز عليه التسوية بين المختلفين؛ كالأبرار والفجار والمؤمنين والكفار: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الجاثية: 21]، فأخبر أن هذا حكم سيِّء لا يليق به، تأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115- 116] أي: عن هذا الظن والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته.

         ونظائر هذا في القرآن كثيرة؛ ينفي فيها عن نفسه خلاف موجَبِ أسمائه وصفاته إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.

وعليه فإن من أنفع ما يكون للعبد في هذا الباب مطالعةَ مقتضيات الأسماء الحسنى، والتأمل في موجباتها، وحُسنِ دلالتها على كمال مبدعها وعظمة خالقها، وأنه سبحانه أتقنها وأحكمها غاية الإتقان والإحكام (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) [الملك: 3]، وكل اسم من أسماء الله الحسنى يقتضي آثاره من الخلق والتكوين.