فصول الكتاب

أسماءُ الله تعالى كلُّهاحُسنى

لقد امتدح الله في القرآن الكريم أسماءه العظيمة بوصفها كلها أنها حسنى، وتكرر وصفها بذلك في القرآن في أربعة مواضع: قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110]، وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وقال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: 24].

ففي هذه الآيات وصفٌ لأسمائه سبحانه جميعها بأنها حسنى، أي: بالغة في الحسن كماله ومنتهاه، وهي جمع (الأحسن) لا جمع (الحسن)؛ فهي (أفعل) تفضيل معرفة باللام، أي: لا أحسن منها بوجه من الوجوه، بل لها الحسن الكامل التام المطلق؛ لكونها أحسن الأسماء، وهو المثل الأعلى في قوله سبحانه: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الروم: 27]، أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذا كانت أحسنَ الأسماء، بل ليس في الأسماء أحسن منها، ولا يَسدُّ غيرُها مسدَّها ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيراً بمرادفٍ محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم؛ لكمالها في مبناها ومعناها، ولحسنها في ألفاظها ومدلولاتها، فهي أحسن الأسماء، كما أن صفاته سبحانه أكمل الصفات، والوصف بالحسنى وصف لها كلها، فهي كلها حسنى ليس فيها اسم غيرُ ذلك لأنها كلها أسماءُ مدحٍ وحمد وثناء وتمجيد، والله تبارك وتعالى لكماله وجلاله وجماله وعظمته لا يُسمَّى إلا بأحسن الأسماء كما أنه لا يوصف إلا بأحسن الصفات، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء وأحسنه وأطيبه.

 

وأسماء الله إنما كانت حسنى لكونها قد دلّت على صفاتِ كمالٍ عظيمةٍ لله، فما كان من الأسماء علماً محضاً لا يدل على صفة لم يكن من أسماء الله، وما كان منها ليس دالاً على صفات كمال بل إما دالاً على صفات نقص أو صفات منقسمة إلى المدح والقدح لم يكن من أسماء الله، فأسماء الله جميعها توقيفية دالَّةٌ على صفات كمال ونعوت جلال للرَّبِّ تبارك وتعالى، فهي حسنى باعتبار معانيها وحقائقها لا بمجرد ألفاظها؛ إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح وكمال، ولَسَاغ وقوعُ الأسماء الدالة على البطش والانتقام والغضب في مقام الأسماء الدالة على الرحمة والإحسان، وبالعكس، فيقال: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك شديد العقاب، أو اللهم أعَطِنِي فإنَّك أنت القابض المانع، ونحو ذلك من الكلام المتنافر غيرِ المستقيم.

ولهذا؛ فإنَّ كلَّ اسم من أسماء الله دالٌّ على معنى من صفات الكمال ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر، فالرحمن – مثلاً- يدلُّ على صفة الرحمة، والعزيز يدلُّ على صفة العزَّة، والخالق يدلُّ على صفة الخلق، والكريم يدلُّ على صفة الكرم، والمحسن يدلُّ على صفة الإحسان، وهكذا، وإن كانت جميعُها متفقةً في الدلالة على الربِّ تبارك وتعالى، ولذا فهي من حيث دلالتها على الذات مترادفة، ومن حيث دلالتها على الصفات متباينة، لدلالة كل اسم منها على معنى خاص مستفاد منه.