فصول الكتاب

قاعدة: أسماء الله تعالى أعلامٌ وأوصاف

إنَّ مِن القواعد المفيدة في باب فقه الأسماء الحسنى أن أسماءه الحسنى سبحانه وتعالى أعلامٌ وأوصافٌ، والوصف بها لا ينافي العلمية، فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمّىً واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالحيُّ العليمُ القديرُ السميع البصير الرحمن الرحيم العزيز الحكيم كلُّها أسماءٌ لمسمى واحد وهو الله عز وجل، لكن للحيِّ معنى خاص، وللسميع معنى خاص، وللبصير معنى خاص، فالحيُّ يدلُّ على صفة الحياة، والسميع يدلُّ على صفة السمع، والبصير يدلُّ على صفة البصر، وهكذا، فهي بهذا الاعتبار متباينة لدلالة كل اسم منها على معناه الخاص.

وقد تنوعت الدلائل في الكتاب والسنة على اشتمال أسماء الله الحسنى على المعاني والأوصاف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معانٍ متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل الأعلى وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى"([1]).

وأبرز هذه الأدلة ما يلي:

أولاً: أن الله وصف أسماءه بأنها كلها حسنى أي: بالغة في الحسن تمامه وكماله، لاشتمالها على أوصاف الكمال ونعوت الجلال، ولو كانت أعلاماً جامدةً غير دالةٍ على معانٍ لم تكن حسنى.

 

ثانياً: إخبارُ الله عن نفسه بتفرُّده بالمثل الأعلى في قوله: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [النحل: 60]، وقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [الروم: 27]، قال ابن كثير رحمه الله: "( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) أي: الكمال المطلق من كلِّ وجهٍ، وهو منسوبٌ إليه"([2]).

وذكر ابنُ القيِّم رحمه الله من جملة المعاني التي يُفسَّر بها المثل الأعلى ثبوت الصفات العليا لله سبحانه.

ثالثاً: ما ورد في القرآن من إثبات الحمد له سبحانه وتفصيل محامده.

فمن أسمائه سبحانه "الوهَّاب"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39].

ومن أسمائه سبحانه "الخالق"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [الأنعام: 1].

من أسمائه سبحانه "القُدُّوس السلام"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111].

ومن أسمائه "الملك والعليم"، ومن تفاصيل محامده في القرآن قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) [سبأ: 1-2].

رابعاً: أن في القرآن إثباتاً لأسماء الله وإثباتاً للصفات التي دلت عليها تلك الأسماء.

فسمَّى نفسه "العزيز"، ووصف نفسه بالعزة في قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: 10].

 

وسَمَّى نفسه "العليم" ووصف نفسه بالعلم في قوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: 255]، وقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) [هود: 14].

وسمَّى نفسه "القويَّ" ووصف نفسه بالقُوَّة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58].

وسمَّى نفسه "الرحمن الرحيم"، ووصف نفسه بالرحمة في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) [الكهف: 58].

وسمى نفسه "الحكيم"، ووصف نفسه بالحكم في قوله تعالى: (لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88]، وقوله: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62].

وسمَّى نفسه "القدير" ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو القدرة، كما في دعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرُك بقُدرتك" رواه البخاري([3])، وفي قوله: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما([4]).

وسمَّى نفسه "البصير" ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو بصر بقوله: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حِجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحاتُ وجهِهِ ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقه" رواه مسلم([5]).

فسمَّى نفسه "السميع" وأخبر عن نفسه بالفعل الذي يقتضيه هذا الاسم في قوله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1]، وقوله: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46].

 

وسمَّى نفسه "العليم" وأخبر عن نفسه بالفعل من ذلك في قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: 110]، وقوله: (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس: 76]، وقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].