فصول الكتاب

تقسيم أسماء الله من حيث الدلالة

إن من القواعد المفيدة في باب فهم الأسماء الحسنى أنها من حيث دلالتها تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: ما دلَّ على صفة متعدِّية، والفعل المتعدِّي: هو ما يتعدَّى أثرُه فاعله ويتجاوزه إلى المفعول به، ولذا يقال له: "الفعل المجاوز"، وما كان من الأسماء كذلك فإنه يتضمَّن ثلاثة أمور:

الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.

الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.

الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.

مثال ذلك: "السميع" يتضمن إثبات السميع اسماً لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].

وكذلك اسمه: "الرحيم" يتضمَّن إثبات الرحيم اسماً لله تعالى، والرحمة صفةً له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يرحم من يشاء.

وهكذا يقال في جميع الأسماء التي من هذا النوع: كالغفور، والرَّزَّاق، والكريم، والبصير، والبارئ، والخالق، والمصوِّر، والحفيظ، والرب، والقيوم، والرؤوف، والفتَّاح، والعفو، واللطيف.

القسم الثاني: ما دل على صفة لازمة، وهو ما لا يتعدَّى أثرُه فاعله ولا يتجاوزه إلى المفعول به، ولذا يقال له: "الفعل غير المجاوز"، وما كان من الأسماء كذلك فإنه يتضمن أمرين:

 

الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.

الثاني: ثبوت الصفة التي تضمَّنها لله عز وجل.

مثال ذلك: "الحي" يتضمن إثبات الحي اسماً لله عز وجل، وإثبات الحياة صفةً له، وكذلك "العظيم" يتضمن إثبات العظيم اسماً لله عز وجل، وإثبات العظمة صفة له.

وهكذا يقال في جميع الأسماء التي من هذا النوع، كالعلي، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والأحد، والقوي والمتين.

قال ابن القيم رحمه الله في سياق تقريره لهذه القاعدة: "الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر به عنه فعلاً ومصدراً، نحو السميع البصير القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدر’، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك؛ نحو: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ)، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: 23]، هذا إن كان الفعل متعدِّياً، فإن كان لازماً لم يخبر عنه به؛ نحو: الحي، بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال: حَيِيَ"([1]).

ومن القواعد المفيدة في فقه الأسماء الحسنى أن الاسم من أسمائه سبحانه له ثلاث دلالات.

         - دلالة على الذات والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم؛ كاسم الحي –مثلاً- فإنه دالٍّ على الذات وعلى صفة الحياة بالمطابقة، ودال على الذات وحدها وعلى صفة الحياة وحدها بالتضمن، ودال على القدرة والسمع والبصر والعلم من الصفات باللزوم([2]).

         ودلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على كامل معناه، ودلالة التضمُّن هي دلالة اللفظ على بعض معناه، ودلالة اللزوم هي دلالة اللفظ على أمر خارج معناه.

 

ومن القواعد المفيدة أيضاً في هذا الباب أن أسماء الله الحسنى كلها مختصة بالله عز وجل، فإضافتها إليه تعني اختصاصه بها، فله سبحانه الكمال المطلق لا شريك له ولا سميَّ له ولا مثيل تعالى الله عن ذلك.

يدل لذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الأعراف: 180]، وقوله: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه: 8]، وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر، أي: قصر كمال الحسن الثابت لأسمائه سبحانه عليه، أما حكم تسمية البشر بأسماء الله فالأمر في هذا يكون على وجهين:

الأول: ما كان من أسماء الله علماً مختصاً به سبحانه وتعالى، كلفظ الجلالة "الله" و"الرحمن" و"الخالق" و"الباري" و"القيُّوم" فلا يجز تسمية غيره به؛ لأن مسماه معين لا يقبل الشركة، فالله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والرحمن يدل على كمال رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهو بكثرة استعماله صار علماً بالغلبة عليه سبحانه مختصّاً به، والخالق من يُوجِد الشيء على غير مثال سابق، والبارئ من يوجد الشيء بريئاً من العيب، وذلك لا يكون إلا من الله وحده، فلا يسمى به إلا الله تعالى، والقيوم هو المستغني عن غيره المفتقر إليه كل من سواه، وذلك مختص بالله.