فصول الكتاب

أسماء الله الحسنى مختصّة به لائقة بجلاله

إن من القواعد المهمة والأصول المفيدة في باب فقه أسماء الله الحسنى أن أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مختصة به سبحانه لائقة بجلاله وكماله وعظمته، كما قال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، وإضافتها إليه سبحانه تدل على اختصاصه بها، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصةٌ به لا يشركه فيها غيره، ولا ندَّ له فيها ولا نظير ولا سميَّ ولا مثيل، وقد سمى الله تبارك وتعالى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، وإضافتها إليهم تدل على اختصاصهم بها وأنها تليق بحالهم ونقصهم وضعفهم، وقد جاءت هذه الأسماء موافقة لتلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولا يلزم من اتفاق تلك الأسماء اتفاق الحقائق والمسميات.

وبيان هذا يتَّضح بإيراد أمثلة عديدة يستبين بها المراد ويظهر المقصود.

فقد سمَّى الله نفسه حياً فقال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وسمى بعض عباده حياً فقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) [يونس: 31]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: "الحي" اسم لله مختص به، وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اسم للحي المخلوق مختص به، وهذان الاسمان يتَّفقان إذا جُرِّدا من الإضافة والتخصيص في معنى الحياة المعلوم وهو ضد الموت، أما في حال الإضافة والتقييد فلكل من المسميين بهذا الاسم ما يليق به.

فالحياة المضافة إلى الله حياة مختصة به سبحانه تليق بجلاله وكماله، إذ هي حياة كاملة غير مسبوقة بعدم ولا يلحقها فناء أو زوال ولا يعتريها نقصٌ أو ضعف ولا يتخللها سِنَةٌ أو نوم، متضمنةٌ لكمال صفاته وعظمة نعوته.

 

والحياة المضافة إلى المخلوق حياةٌ مختصةٌ به تليق بضعفه ونقصه وكونه مخلوقاً، فهي حياةٌ مسبوقةٌ بعدم، كما قال سبحانه: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) [الإنسان: 1]، آيلةٌ إلى موت وهلاك، كما قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: 88]، مصحوبة بضعف، كما قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28].

وسمَّى سبحانه نفسه عليماً كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنفال: 61]، وسمى بعض عباده عليماً فقال: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الذاريات: 28] يعني إسحاق عليه السلام، وعلم الله مختص به، فهو علم كامل غير مسبوق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا يعتريه نقص، بخلاف علم الإنسان فإنه علم ناقص (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]، مسبوق بجهل (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل: 78]، وآيلٌ إلى قصور وضعف (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [النحل: 70].