فصول الكتاب

أسماء الله تعالى غير محصورة

إن من القواعد المهمة في باب الأسماء والصفات أن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحدُّ بعدد معين، وقد ورد في السنة النبوية دلائل واضحات تُقرِّر هذا الأمر وتجلِّيه، ومن ذلك ما رواه مسلمٌ في "صحيحه"([1]) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفراش، فالتمستُه فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يحصي ثناء عليه ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى الثناء عليه.

ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي" متفق عليه([2]).

فدلَّ الحديث على أن هناك محامد من أسماء الله وصفاته يفتح الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، وهي بلا شكٍّ غير المحامد المأثورة في الكتاب و السنَّة.

وأيضاً فقد ثبت في "المسند"([3]) وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً".

 

قال ابن القيِّم رحمه الله: "فجعل أسماء الله ثلاثة أقسام:

قسم سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده.

وقسمٌ استأثر به في علم غيبه، فلم يُطلِع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به" أي: تفرَّدتَ بعلمه"([4]).

وبهذه الدلائل الواضحة يتبيَّن أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وأما الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"([5]) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة..." فلا يفيد حصر أسماء الله في هذا العدد المعين المذكور في الحديث، بل قصارى أمره الدلالة على فضيلة إحصاء هذا العدد من أسماء الله.

والكلامُ في هذا الحديث جملةٌ واحدةٌ، فقوله: "من أحصاها" صفةٌ وليس خيراً مستقلاً، والمعنى: أن لله تسعة وتسعين اسماً من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينافي أن يكون له أسماءٌ غيرها، ولهذا نظائر كثيرة في كلام العرب، كما تقول: إن عندي تسعة وتسعين درهماً أعددتها للصدقة، فإن هذا لا ينافي أن يكون عندك غيرها معدة لغير ذلك، وهذا أمرٌ معروفٌ لا خلافَ بين العلماء فيه.