فصول الكتاب

 
لم يثبت في سرد الأسماء الحسنى حديثوبيان معنى إحصائها

تقدم بيان أن أسماء الله حسنى غير محصورة في عدد معين، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق-: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً؛ من أحصاها دخل الجنة" لا يفيد حصرها بهذا العدد، وإنما يدل على عظم شأن وكبر ثواب من أحصى هذا العدد من أسماء الله عز وجل.

والكلام هنا سيكون في مسألتين:

الأولى: بيان أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في سرد الأسماء الحسنى شيء، وكل ما ورد في ذلك فهو ضعيف لا يحتج به، كما بين ذلك أثمة هذا الشأن وأهل المعرفة بحديثه صلى الله عليه وسلم.

وقد رُويَ هذا الحديثُ بسرد الأسماء من ثلاث روايات، وجميعها لا يثبت:

1- الرواية الأولى: عن عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ... وذكر الحديث بسرد الأسماء. رواه الحاكم وغيره([1]). وعبد العزيز هذا ضعيف لا يحتج به، قال البخاري عنه: ليس بالقوي عندهم، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حجر: متفق على ضعفه([2]).

2- الرواية الثانية: عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير ابن محمد التميمي، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: ... وذكر الحديث بسرد الأسماء. رواه ابن ماجه([3]). وعبد الملك ضعيف لا

 

يحتج به. قال ابن حبان عنه: "كان يجيب فيما يسأل عنه، وينفرد بالموضوعات، ولا يجوز احتجاج بروايته، وهو لين الحديث"([4])، وقال الذهبي: "ليس بحجة"([5]).

وشيخه زهير بن محمد، قال فيه ابن حجر: "رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضُعِّف بسببها"، وهذه الرواية منها؛ لأن عبد الملك شاميّ من صنعاء دمشق.

3- الرواية الثالثة:عن الوليد بن مسلم قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: .... وذكر الحديث بسرد الأسماء رواه الترمذي وغيره([6]). لكنه ضعيف لا يصلح أن يحتج به لعلل عديدة تقدح في صحته، بينّها الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: "وليست العلَّة عند الشيخين تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج"([7]).

وقال الترمذيّ عقب هذه الرواية: "ورُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.

وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح" أهـ.

ولذا قرَّر أئمة هذا الشأن ضعفَ الحديث وعدم صلاحيته للاحتجاج، وأنَّ هذا السرد للأسماء ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض السَّلف، جمعه تسهيلاً للناس، فأدرجه بعضهم في الحديث حتى ظُنَّ أنه منه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين [أي: رواية الترمذي من طريق الوليد، ورواية ابن ماجه من طريق

 

عبد الملك] ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسراً في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانها عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى، وهذا مما يبيِّن لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق وليست من كلامه، ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع، واستخرجوها من القرآن، منهم سفيان بن عيينة، والإمام أحمد وغيرهم"([8]).

المسألة الثانية: بيان معنى الإحصاء الوارد في الحديث المرتب على تحقيقه دخول الجنة، ولا ريب أن هذا فضل عظيم يحرك في النفس الجدَّ في نيل هذا المطلب العظيم، والسعي في تكميله، والحرص الشديد على تحقيقه.

ولقد ظن بعض الناس خطأً أنَّ المراد بإحصاء أسماء الله المرغب فيه في هذا الحديث هو عد ألفاظ تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله، واستظهارها في القلب، والتلفظ بها في أوقات معينة مخصوصة، وربما جعلها بعضهم في جملة ذكره لله في صباحه ومسائه دون فقه من هؤلاء بمعاني هذه الأسماء الجليلة العظيمة، أوت دبر لمدلولاتها، أو تحقيق لموجباتها ومستلزماتها، أو عمل بمقتضياتها ومتطلباتها.