فصول الكتاب

 

الملك، المليك

وقد ورد اسم الملك في القرآن الكريم في خمسة مواضع منها قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) [الحشر: 23]، وقوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون: 116].

وورد اسم المليك في موضع واحد في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 54- 55].

وهذان الاسمان دالاَّن على أن الله سبحانه ذو الملك، أي المالك لجميع الأشياء المتصف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، والملك يرجع إلى أمور ثلاثة:

الأول: ثبوت صفات الملك له التي هي صفاته العظيمة من كمال القوّة، والعزّة، والقدرة، والعلم المحيط، والحكمة الواسعة، ونفوذ المشيئة، وكمال التصرف، وكمال الرأفة والرحمة، والحكم العام للعالم العلوي والسفلي، والحكم العام في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 189]، وقال تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) [الفرقان: 26]، وقال تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16].

الثاني: أن جميع الخلق مماليكُهُ وعبيدُهُ، ومفتقرون إليه، ومضطّرون إليه في جميع شؤونهم، ليس لأحد خروج عن ملكه، ولا لمخلوق غنىً عن إيجاده وإمداده، ونفعه ودفعه، ومنِّه وعطائه. قال تعالى: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الزخرف: 85]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 15-17]، وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 60].

الثالث: أن له التدبيرات النافذة، يقضي في ملكه بما يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، له الحكم فيه تقديراً وشرعاً وجزاء.

1- فله الأحكام القدرية حيث جرت الأقدار كلها والإيجاد والإعداد، والإحياء والإماتة، وغير ذلك على مقتضى قضائه وقدره.

2- وله الأحكام الشرعية حيث أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، وخلق الخلق لهذا الحكم، وأمرهم أن يمشوا على حكمه في عقائدهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم وظاهرهم وباطنهم، ونهاهم عن مجاوزة هذا الحكم الشرعي.

3- وله الأحكام الجزائية وهي الجزاء على الأعمال خيرها وشرها في الدنيا والآخرة وإثابة الطائعين، وعقوبة العاصين، وكل هذه الأحكام تابعة لعدله وحكمته وكلها من معاني ملكه.

ومن معاني ملكه: إنزال كتبه، وإرسال رسله، وهداية العالمين، وإرشاد الضالين، وإقامة الحجة والمعذرة على المعاندين المكابرين، ووضع الثواب والعقاب مواضعها، وتنزل الأمور منازلها إلى غير ذلك من التدبير والتصرف في مملكته بما شاء سبحانه.

قال ابن القيم رحمه الله: "إن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة، والإثابة والعقوبة، والغضب والرضا، والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 26-27]، وقال تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29]، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويكشف غمّاً، وينصر مظلوماً، ويأخذ ظالماً، ويفك عانياً، ويغني فقيراً، ويجبر كسيراً، ويشفي مريضاً، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويعطي سائلاً، ويذهب بدولة، ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها ولا يتأخر، بل كلٌّ منها قد أحصاه كما

أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيه حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده، تصرّف ملك قادر قاهر عادل رحيم، تامّ الملك، لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج تصرفه عن ذلك"([1]).