فصول الكتاب


الولِيّ، المَولَى

وهما اسمان تكرَّر ورودهما في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الشورى: 9]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: 28]، وقال تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: 45]، وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج: 78]، وقال تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: 150]، وقال تعالى: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [التحريم: 2].

وولاية الله تعالى وتولّيه لعباده نوعان:

ولاية عامة: وهي تصريفه سبحانه وتدبيره لجميع الكائنات، وتقديره على العباد ما يريد من خير وشر، ونفع وضر، وإثباتُ معاني الملك كله لله تعالى، وأن العباد كلهم طوع تدبيره لا خروج لأحد منهم عن نفوذ مشيئته وشمول قدرته، وهذا أمر يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، يدل لهذا قول الله تعالى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62]، وقوله تعالى: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [يونس: 30].

ومعنى كونه سبحانه مولى الكافرين أي: أنه مالكهم، المتصرف فيهم بما شاء، ولا يعارض هذا قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 11]؛ إذ الولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، وليس للكافرين منها نصيب، بل حفظهم الخسران، ونصيبهم الحرمان، ووليهم الشيطان، ومولاهم النار، وبئس المصير، قال تعالى: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 63]، وقال تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الحديد: 15].

النوع الثاني: الولاية الخاصة والتولي الخاص؛ وهذا أكثر ما يرد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وهي ولاية عظيمة وتولٍّ كريم، اختصّ الله به عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين.

وهذا التولِّي الخاص يقتضي عنايته ولطفه بعباده المؤمنين، وتوفيقهم بالتربية على الإيمان والبعد عن سبل الضلال والخسران، قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 257].