فصول الكتاب

القدُّوس، السبُّوح

أما اسمه تبارك وتعالى "القدوس" فقد ورد في القرآن مرتين: قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23]، وقال تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [الجمعة: 1].

وأما "السبوح" فقد ورد في السَّنة، وذلك فيما رواه مسلم في "صحيحه"([1]) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح".

وقد جمع عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بين التسبيح والتقديس كما جُمع بينهما في قوله تعالى في ذكر تسبيح الملائكة وتقديسهم لله: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة: 30].

و"السُّبُّوح القُدُّوس" اسمان عظيمان دالاَّن على تنزيه الله عن النقائص والعيوب، وتبرئته عن كل ما يضاد كماله وينافي عظمته، كالسِّنَة والنوم واللغوب والوالد والولد وغيرها، وعن أن يشبهه أحد من خلقه أو أن يشبهه هو أحداً من خلقه، تعالى وتقدس وتنزه عن الشبيه والنظير والمثال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].

ومجموع ما ينزَّه عنه تبارك وتعالى شيئان:

أحدهما: أنه منزَّهٌ عن كلِّ ما ينافي صفات كماله، فإن له المنتهى في كل صفة كمال، فهو الموصوف بكمال العلم وكمال القدرة، منزه عما ينافي ذلك من النّسيان والغفلة،

وأن يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومنزَّه عن العجز والتعب والإعياء واللّغوب، وموصوف بكمال الحياة والقيوميَّة، منزه عن ضدها من الموت والسِّنَة والنوم، موصوف بالعدل والغنى التام، منزه عن الظلم والحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وموصوف بكمال الحكمة والرحمة، منزه عما يضادّ ذلك من العبث والسَّفَه، وأن يفعل أو يشرع ما ينافي الحكمة والرحمة، وهكذا جميع صفاته منزه عن كل ما ينافيها ويضادُّها.

         الثاني: أنه منزَّهٌ عن مماثلة أحد من خلقه، أو أن يكون له ند بوجه من الوجوه، فالمخلوقات كلها وإن عظمت وشرفت وبلغت المنتهى الذي يليق بها من العظمة والكمال اللائق بها؛ فليس شيء منها يقارب أو يشابه الباري، بل جميع أوصافها تضمحل إذا نسبت إلى صفات باريها وخالقها، بل جميع ما فيها من المعاني والنعوت والكمال هو الذي أعطاها إياه، فهو الذي خلق فيها العقول والسمع والأبصار والقوى الظاهرة والباطنة، وهو الذي علمها وألهمها، وهو الذي نماها ظاهراً وباطناً وكملها.