(فاتحة الكتاب)

بسم الله الرحمن الرحيم

1- قوله تعالى: {مالك يوم الدين}

قرأ عاصم والكسائي: {مالك يوم الدين} بألف بعد الميم.

وقرأ الباقون: {ملك} بغير ألف، فحجة من قرأ {مالك} قال: لأن الملك دخل تحت المالك، واحتج بقوله تعالى {قل اللهم مالك الملك} وحجة من قرأ {ملك} قال: لأن ملكًا أخص من مالك وأمدح؛ لأنه قد يكون المالك غير ملك ولا يكونُ الملكُ إلا مالكًا. وأكثر ما يجيء في كلام العرب وأشعارهم ملك، ومليك: لغةٌ فصيحةٌ، وإن لم يقرأ بها أحدٌ؟، قال ابن الزبعرى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا رسول المليك إن لساني = راتق ما فتقت إذ أنا بور

إذ أجاري الشيطان في سنن الغــ = ـــــي ومن مال ميله مثبور

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/47]

وقال الفرزدق: وجمع بين اللغتين فقال:

إن الذي سمك السماء بنى لنا = بيتًا دعائمه أعز وأطول

بيتًا بناه لنا المليك وما بنى = ملك السماء فإنه لا ينقل

فأما ما رواه عبد الوارث [عن] أبي عمرو {ملك يوم الدين} فإنه أسكن اللام تخفيفًا كما [يُقال] في فخذٍ: فخذ، وقال الشاعر:

من مشية في شعر ترجله = تمشي الملك عليه حلله

وقرأ أبو حيوة: {ملك يوم الدين} وقرأ أنس بن مالك: {ملك يوم الدين} [جعله فعلاً ماضيًا] قال: ويجوز في النحو: مالك يوم الدين [بالرفع] على [معنى] هو مالك. فأما قراءة أبي هريرة رحمه الله وعمر

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/48]

ابن عبد العزيز، ومحمد بن السميفع {مالك يوم الدين} على الدعاء، يا مالك يوم الدين، فقد ذكرته في «الشواذ» ولا أذكر في هذا الكتاب غير حروف السبعة وعلله.

2- وقوله: {إهدنا الصراط المستقيم}.

قرأ ابن كثير {السراط} بالسين، وكذلك في كل القرآن على أصل الكلمة.

وقرأ الباقون: {الصراط} بالصاد، وإنما قلبوا السين صادًا؛ لأن السين مهموسة والصاد مجهورة، وهي من حروف الإطباق، والسين مفتحة، وقلبوا السين صادًا لتكون مؤاخية للسين في الهمس والصغير، وتؤاخي الصاد في الإطباق، إلا حمزة فإنه يُشم الصاد زايا، وذلك أن الزاي تؤاخي السين في الصفير وتؤاخي الصاد في الجهر، وكذلك قوله: {حتى يصدر الرعاء} بإشمام الزاي، وانشد ابن دريد رضي الله عنه:

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/49]

ولا تهييني الموماة أركبها = إذا تجاوبت الأزداء بالسحر

جعلها زايًا خالصة وهي لغة.

3- وقوله [تعالى] {أنعمت عليهم}.

قرأ حمزة وحده {أنعَمْتَ عَلَيْهُمْ} بضم الهاء وجزم الميم، وكذلك: {إليهم} و{لديهم} وهي لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ضم الهاء في أصل الكلمة قبل أن تتصل بها «على كما تقول: (هُمْ)، فلما أدلعت «على» فقلتم {عليهم} بقيت على حالها.

قال ابن مجاهد: إنما خص حمزة هذه الثلاثة الأحرف بالضم دون غيرهن أعني: «عليهم» «ولديهم» «وإليهم» من بين سائر الحروف، لأنهن إذا وليهن ظاهر صارت يا آتهن ألفان، ولا يجوز كسر الهاء إذا كان قبلها ألف، فعامل الهاء مع المكني معاملة الظاهر، إذا كان ما قبل الهاء ياء فإذا صارت ألفًا لم يجز كسر الهاء، فإذا جاوز هذه الثلاثة الأحرف ولقي الهاء والميم ساكن ضمها، فإذا لم يلق الميم ساكن كسر الهاء نحو قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ} و{بربهم يعدلون} وعند الساكن {عن قبلتهم التي} {عليهم

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/50]

الذلة} {وإليهم اثنين} ولو كان مكان الهاء والميم كاف وميم لم يجز كسرهما إلا في لغة قليلة لا تدخل في القراءة لبُعد الكاف من الياء.

وقرأ الباقون {عليهمْ بكسر الهاء، وإنما كسروها لمجاورة الياء كراهة أن يخرجوا من كسر إلى ضم كما قالوا: مررت بهم وفيهم.

وقرأ ابن كثير: {عليهموا} بالواو على أصل الكلمة؛ لأن الواو علم الجمع، كما كانت الألف علم التثنية، إذا قلت: عليهما، ومثله قاما قاموا.

وكان نافع يخير بين جزم الميم وضمها.

وقرأ الباقون: بإسكان الميم وحذف الواو. فحجة من حذف قال: لأن الواو متطرفة فحذفتها إذ كنت مستغنيًا عنها؛ لأن الألف دلت على التثنية، ولا ميم في الواحد إذا قلت: «عليه» فلما لزمت الميم لجمع حذفتها اختصارًا، فإن حلت هذه الواو عير طرف لم يجز حذفها، كقوله تعالى: {أنلزمكموها} فأما ما رواه الخليل بن أحمد عن ابن كثير {غير الغضوب عليهم} بالنصب، فإنه نصبه على الحال من الهاء والميم في {عليهم} ويكون نصبًا