ومن سورة الكهف

1- قوله تعالى: {من لدنه ويبشر} [2].

قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر {لدنهى} بإسكان الدال وإشمام الضم، وكسر النون والهاء وإيصالها بياء.

وقرأ الباقون {لدنه} بضم الدال وجزم النون وضم الهاء من غير واو، إلا ابن كثير فإنه كان يصل الهاء بالواو {من لدنهو} وذلك أن «لدن» معناه «عند» وهو اسم غير متمكن، قال الله تعالى: {من لدن حكيم خبير} فالنون ساكنة في كل، والهاء إذا أتت بعد حرف ساكن لم يجز فيها إلا الضم نحو منه، والأصل منهو ولدنهو كقراءة ابن كثير غير أنهم حذفوا الواو اختصارًا.

وأما قراءة عاصم فإنه أسكن الدال استثقالاً للضمة كما يقال: في كرم زيد كرم زيد، فلما أسكن الدال التقى ساكنان النون والدال، وكسروا النون لالتقاء الساكنين، وكسروا الهاء لمجاورة حرف مكسور، ووصلها بياء كما يقال: مررت بهو يا فتى.

وما أعلم أن أحدًا احتج لهذه القراءة، فاعرفه فإنه حسن. ولو فتح النون لالتقاء الساكنين لجاز بعد أن أسكن الدال كما قال:

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/386]

عجبت لمولود وليس له أب = ومن ولد لم يلده أبوان

يعني: آدم وعيسى عليهما السلام.

وإنما ذكرت هذا الحرف لئلا يتوهم متوهم أن عاصما كسر النون علامة للجر، لأن «لدن» لا يعرب. و{من لدنه} في صلة قوله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا} أي: لينذركم بالبأس كما قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي: يخوفكم بأوليائه. و{شديدًا}: نعت للبأس. {من لدنه}: أي: من عنده، و{يبشر المؤمنين} نصب بلام «كي» نسق على «لينذر».

2- وقوله تعالى: {تزاور عن كهفهم} [17].

قرأ ابن عامر {تزور} مثل تحمر وتصفر، ومعناه: تعدل وتميل، قال عنترة:

فازور من وقع القنا بلبانه

                       وشكا إلى بعبرة وتحمحم

وقد قرأ إن شاء الله الجحدري {تزور} مثل تحمار وتصفار.

وقرأ أهل الكوفة: {تزاور} مخففة الزاي.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/387]

وقرأ الباقون: {تزاور} أرادوا: تتزاور فأدغموا التاء في الزاي. ومن خفف أيضًا أراد: تتزاور فحذف إحدى التاءين، وهو كقوله: {تساقط} و{تساقط} و{تظاهرون} و{تظهرون} وقال أبو الزخرف:

ودون ليلى بلد سمهدر

جدب المندى عن هواها أزور

يقال: هو أزور عن كذا، أي: مائل عنه، وفي فلان زور أي: عوج. وأما الزور بجزم الواو فالصدر، يقال للصدر الزور والجوش والجؤشوش والجؤجؤ والجوشن والكلكل والكلكال كل ذلك يراد به الصدر. والزور أيضًا: جمع زائر، هؤلاء زور فلان أي: زواره.

3- وقوله تعالى: {ولملئت منهم رعبا} [18].

قرأ ابن كثير ونافع {ولملئت} مشددًا مهموزًا.

وقرأ الباقون خفيفًا {ولملئت} يقال ملىء فلان رعبا وفزعا فهو مملوء وملىء فهو مملأ، وكأن التشديد للتكثير وملأت الإناء فهو ملآن، وامتلأ

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/388]

الحوض يمتلىء امتلاء وأما قولهم: تمليت طويلاً وعانقت حبيبًا ومت شهيدًا وأبليت جديدًا فغير مهموز.

4- وقوله تعالى: {بورقكم هذه إلى المدينة} [19].

قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم {بورقكم} ساكنة الراء.

وقرأ الباقون {بورقكم} وهو الأصل، ومن أسكن الراء فتخفيف، كما يُقال في فخذ فخد، وفي كبد كبد، ولو قرأ قارىء بورقكم لكان صوابا. حدثني ابن مجاهد عن السمر يعن الفراء قال: يقال: الورق والورق والورق ثلاث لغات، ومثله كلمة وكلمة وكلمة. والورق: الدراهم، وقد يقال لها: الورق بفتح الراء وتجمع أوراقًا، ويقال: رجل وراق أي: كثير الدراهم، فأما الورق الذي يكتب فيه فبالفتح لا غير، والورق أيضًا: الغلمان الملاح.

وروى اللؤلؤى عن أبي عمرو {بورقكم هذه} مدغمًا لقرب القاف من الكاف، كما قرأ: {خلقكم} و{رزقكم} والاختيار: الإظهار، لسكون الراء؛ لأن الحرفين غير متجانسين وإن كانا قرينين.

5- وقوله تعالى: {ولبقوا في كهفهم ثلاث مائة سنين} [25]. قرأ حمزة والكسائي بالإضافة غير منون.

والباقون ينونون. فمن نون نصب {سنين} بـ {لبثوا} والتقدير: ولبثوا سنين ثلاثمائة فـــ {سنين} مفعول {لبثوا} و{ثلاث مائة} بدل كما تقول:

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/389]

خرجت أيامًا خمسة، وصمت سنين عشرا. وإن شئت نصبت {ثلاث مائة} بــ {لبثوا} وجعلت {سنين} بدلاً ومفسرًا عنها. ومن لم ينون فليست قراءته مختارة، لأن العرب إذا أضافت هذا الجنس أفردت فيقولون: عندك ثلاث مائة دينار.

و {سنين} فيها لغتان تجمع فيها جمع السلامة والتكسير، فالسلامة قولك: هذه سنون يا فتى، ورأيت سنين يا فتى. ومنهم من يجمعها جمع التكسير وينون ويجعل الإعراب في النون فيقولون: هذه سنين فاعلم، وصمت سنينًا وعجبت من سنين، وقد ذكرت أصل ذلك في قوله: {يتسنه}.

وروى أحمد بن موسى عن أبي عمرو {وادادوا تسعا} بفتح التاء، وهي لغتان، وفيه أيضًا ثلاث لغات، ويقال: تسع وتسع وتسع، وروى عن الحسن: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} بفتحة التاء.

6- وقوله تعالى: {بالغداوة والعشي} [28].

قرأ ابن عامر {بالغداوة والعشي}.

والباقون: {بالغداوة}، لأن غداة نكرة وتعرف بالألف واللام، و{غدوة} معرفة بغير ألف ولام، فلا يجوز دخول تعريف على تعريف، كما لا يُقال: مررت بالزيد قال الشاعر:

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/390]

هذا مقام قدمي رباح

غدوة حتى دلكت براح

فلم ينون «غدوة» لأنها معرفة مؤنثة، فقال النحويون: لا وجه لقراءة ابن عامر، ولها عندي وجهان:

أحدهما: أن «غدوة» تنصبها العرب مع «لدن» فيقولون: لدن غدوة تشبيهًا بعشرين درهمًا، فلما اشبهت المنكور دخلتها الألف واللام.

والوجه الثاني: أن العرب قد تجمع الغدوة غدوًا ومثله تمرة وتمر، فكما قال الله تعالى: {بالغدو والأصال} قرأ ابن عامر {بالغدوة والعشى}.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/391]

وفيها وجهٌ ثالثٌ وهو أشبهها بالصواب -: أن العرب تدخل الألف واللام على المعرفة إذا جاور ما فيه الألف واللام ليزدوج الكلام كما قال الشاعر:

وجدن الوليد بن اليزيد مباركا

                       شديدًا بأحناء الخلافة كاهله

فأدخل الألف واللام في «اليزيد» لما جاور الوليد فكذلك قرأ ابن عامر أدخل الألف واللام في الغدوة لما جاور العشي، والعرب تجعل بكرة وعشية وغدوة وسحر معارف، إذا أرادوا اليوم بعينه ولا يصرفون فيقولون: أزورك ف يغد سحر يا فتى.

7- وقوله: {أن يهدين} [24]. و{أن ترن} [39] و{أن يؤتين} [40] و{ما كنا نبغ} [64] و{أن تعلمن} [66] كل ذلك أثبت الياء فيهن ابن كثير وصلا ووقفًا على أصل الكلمة.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/392]

وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتهن وصلاً وحذفهن وقفًا اتباعًا للمصحف.

وقرأهن الباقون بحذفهن وصلاً ووقفًا.

فأما الكسائي فإنه أثبت الياء في {نبغي} فقط وصلاً، فأما قوله تعالى: {فهو المهتدي} [17] فإن نافعًا وأبا عمرو أثبتا الياء فيه وصلاً وحذفاه وقفًا.

والباقون يحذفونه وصلاً ووقفًا.

8- وقوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا} [26].

قرأ ابن عامر وحده: {ولا تشرك} بالتاء والجزم على النهي، فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمرادُ لغيره.

والباقون يجعلونه خبرًا {ولا يشرك في حكمه} أي: فليس يُشرك في حكمه أحدًا. فـــ«يشرك» فعل مضارع وعلامة رفعه ضم آخره، والمعنى: ولا يُشرك الله في حكمه أحدًا.

9- [و] قوله تعالى: {خيرا منها منقلبا} [36].

قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير {خيرا منهما منقلبا} والباقون: {منها}.

10- وقوله تعالى: {وأحيط بثمره} [42].

قرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم.

وقرأ عاصم {بثمره} بفتح الثاء والميم.

وقرأ الباقون بضم الثاء والميم، وقد مرَّت علة ذلك مُستقصاة في (الأنعام) فأغنى عن الإعادة هاهنا.

11- وقوله تعالى: {لكنا هو الله ربي} [38].

قرأ ابن عامر والمسيبي عن نافع {لكنا} بالألف في الوصل والوقف.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/393]

وقرأ الباقون {لكن} بغير ألف، وأجمعوا كلهم على الوقف بالألف؛ لأنها كذلك في المصحف، والأصل: لكن أنا هو الله ربي، وقد قرأ بذلك الحسن وأُبَيٌّ فحذفوا الهمزة اختصارًا فصار: لكننا، ثم أدغموا النون في النون فالتشديد من جلل ذلك. وكان أبو عمرو يقف في رواية لكنه بالهاء وأنشدني ابن مجاهد وجماعة: