ومن سورة النور

1- قوله تعالى: {وفرضنها} [1].

قرأ ابن كثير وأبو عمرو مشددًا.

وقرأ الباقون مخففًا. فمن شدد فمعناه: بيناها وفصلناها وأحكمناها فرايض مختلفة.

وقال الفراء: من شدد فمعناه: فرضناه عليك وعلى من يجيئ بعدك. فالتشديد للتكثير، والدوام. ومن خفف يجعله من الفرض فرضنا؛ لأن الله تعالى ألزم العباد به لزومًا لا يفارقهم حتى الممات، مأخوذ من فرض القوس، وهو الحز الذي فيه الوتر. والفرض في غير هذا: صنف من التمر. قال الشاعر:

إذا أكلت سمكًا وفرضًا = ذهبت طولاً وذهبت عرضًا

والفرض أيضاً: نزول القرآن. قال الله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرءان لرآدك إلى معاد} أي: إلى وطنك بمكة، و{سورة أنزلنها}

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/98]

يرتفع عند الكوفيين والبصريين بإضمار هذه سورة؛ لأن النكرة لا يبتدأ بها.

وقرأ عيسى بن عمر {سورة أنزلنها} بإضمار فعل [تقديره:] أنزلنا سورة.

2- وقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة} [2].

فيه أربع قراءات:

قرأ أبو عمرو: {رافة} بترك الهمز إذا نزل.

قرأ ابن كثير: {رأفة} بفتح الهمز من غير مد.

وقرأ سائر الناس: {رأفة} بالهمز، والجزم، وهو الأصل، يقال: رؤف الرجل بالأجراء: إذا رحمهم رحمة شديدة، يرؤف رأفة مثل ظرف ظرفًا. ورئف رآفة مثل سقم سقامة، ورؤف رأفًا مثل كرم كرمًا.

فأما ابن كثير فإنه أدخل الهاء أدخل الهاء وبقاه على الفتح. كما قرأ حفص: {سبع سنين دأبًا}.

وحدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء. قال: تقول العرب:

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/99]

السامة والسامة، والرأفة، والرآفة، فالرأفة: المرة الواحدة. والرآفة المصدر المجهول.

وحدثنا الصولي قال حدثنا: الطبري النحوي عن المازني عن أبي زيد قال: سمعت ابن جريح يقرأ {ولا تأخذكم بهما رآفة في دين الله} [2] بالمد مصدر رؤف رآفة.

وقرأ الناس كلهم: {ولا تأخذكم} بالتاء إلا عبد الرحمن السلمي فإنه قرأ {ولا يأخذكم} بالياء. فمن أنث فلتأنيث الرأفة لفظًا. ومن ذكر فلان تأنيثها غير حقيقي.

وسمعت ابن عرفة يقول، الرأفة رقة الرحمة، واعلم أن الرآفة بالمد: لغة لا قراءة، إلا ما ذكرته عن ابن جريج.

3- وقوله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهدت بالله} [6].

قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم {أربع} بالرفع، جعلوه خبر الابتداء، والمبتدأ {فشهادة}.

قال أبو حاتم: من رفع فقد لحن؛ لأن الشهادة واحدة. وقد أخبر عنها بجمع. ولا يجوز هذا كما لا يجوز زيد إخوتك. وغلط؛ لأن الشهادة وإن كانت واحدة في اللفظ فمعناها الجمع، وهذا كقوله صلاتي جمعين، وصومي شهر.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/100]

وقرأ الباقون: {أربع} بالنصب، جعلوه مفعولاً، أي: تشهد أربع شهادات.

4- وقوله تعالى: {والخامسة أن لعنة الله عليه} [7].

و{أن غضب الله} [9]

قرأ نافع وحده بتخفيف «أن» و{لعنة} رفع بالابتداء، وغضب فعل ماض. واسم الله تعالى رفع بفعله.

وقرأ الباقون بتشديد [«أن»] ونصب الغضب واللعنة.

ومعنى هذه الآية أن من قذف محصنة مسلمة بفاحشة فلم يأت بأربعة شهداء جلد ثمانين، ومن رمي امرأته بفاحشة تلاعنا. والملاعنة: أن يبدأ الرجل فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه صادق فيما رماها به، ويشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به، وتشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين فيما رماها به، وتشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم يفرق بينهما فلا يجتمعان أبدًا.

فأما من قذف مسلمة فلا تقبل شهادته أبدًا. ويقبل الله توبته. وقال آخرون: تقبل شهادته إن كانا الله قد قبل توبته. فيجعل الاستثناء في قوله: {أولئك هم الفسقون * إلا الذين تابوا} [4، 5] استثناء متصلاً. وقرأ حفص وحده، {والخمسة} [7، 9] بالنصب على تأويل. وتشهد الخامسة.

والباقون يرفعون على الابتداء والخبر.

5- وقوله تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم} [15].

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/101]

فيه خمس قراءات:

قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (إذ تلقونه) بإدغام الذال في التاء لقربهما وبسكون الذال.

وقرأ الباقون: {إذ تلقونه} بالإظهار؛ لأن الذال ليست أختًا للتاء. وهما من كلمتين.

وقرأ ابن كثير: {إذ تلقونه} بتشديد التاء. أراد: تتلقونه فأدغم وليس بجيد؛ لأنه جمع بين ساكنين.

وقرأ ابن مسعود وأبي: {تلقونه} بتاءين على الأصل، تاء الاستقبال وتاء الماضي. فكأن ابن كثير اعتبر هذا. وقد روى بتشديد التاء عن أبي عمر أيضًا.

والقراءة الخامسة قراءة عائشة: {إذ تلقونه} مخفف من الولق في السير، وفي الكذب، وهو السرعة، والأصل: تولقونه، فوقعت الواو بين تاء وكسرة فخزلت.

قال الشاعر:

إن الجليد زلق وزملق

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/102]

جاءت به عنس من الشام تلق   = مجوع البطن كلابي الخلق

ومن شدد فقال: تلقونه فمعناه: تقبلونه وتأخذونه كما قال: {فتلقى آدم من ربه كلمات} أي: فبلها وأخذها. وكان الأصل في ذلك أن الناس لما أفاضوا في الإفك، وحديث عائشة كان الرجل يلقي الآخر فيقول: أما بلغك حديث عائشة؟ لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فأنزل الله تعالى في براءتها، وأرغم أنوف المنافقين. فقال: {أولئك مبرءون مما يقولون} [26]، يعني عائشة وصفوان بن المعطل.

وفيها قراءة سادسة وسابعة، وثامنة وتاسعة عددتها في (البديع).

7- وقوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} [24].

قرأ حمزة والكسائي بالياء؛ لأن الفعل متقدم فيشبه بقولهم: قام الرجال، ولأن اللسان مذكر.

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/103]

وقرأ الباقون: {تشهد} بالتاء لتأنيث الألسنة، والعرب تذكر اللسان، والذراع، وتؤنهما، فمن ذكره فقال: السن وأذرع، ومن أنت قال: ألسنة، وأذرعة.

وحدثني ابن مجاهد عن السمري عن الفراء قال: من قال: هذه لسان ذهب بها إلى الرسالة.

8- وقوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [31].

روى عباس عن أبي عمرو: {وليضربن} بكسر اللام على معنى «كي» وتكون لام الأمر، فيكسر على الأصل كما قرئ: {وليطوفوا} ومعنى ذلك: أن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من وراء، ويكشفن صدورهن ونحورهن فأمرهن الله تعالى بالاستتار. فقال {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [31] عينها، وكحلها، وخضابها. وقيل: {إلا ما ظهر منها}

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/104]

القلب والفتحة. والقلب: السوار، والفتحة: الخاتم. كان نساء العرب يلبسنه في الأصابع العشر من الذبل قال الشاعر:

* تسقط منه فتخي في كمي *

[إعراب القراءات السبع وعللها: 2/105]

فلا يجب أن تبدى زينتها. إلا لبعلها، وأبوها. ومن ذكر الله تعالى إلى قوله تعالى: {أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال} يعنى بالتابعين: المتصرف مع الرجال لا أرب له في النساء يكون شريسًا أي: عنينًا، أو شيخًا كبيرًا، أو غلامًا لم يشهد بعد، أي: لم يحتلم. يقال: أشهد فلان: إذا احتلم. يجب على المرأة أن تستر عن كل أحد سوى هؤلاء المذكورين. وكذلك تستتر عن المرأة اليهودية والنصرانية .