دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه
توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع
...
الفصل الثاني
دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وفيه مباحث
المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع
هذا الكتاب هو آخر أعمال ابن أبي الربيع، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتصنيف، وهو من مُصنّفات ابن أبي الربيع التي لم يرد لها ذكر في أكثر كتب التراجم والبرامج التي ترجمت ابن أبي الربيع وأوردت أسماء مؤلفاته أو شروحا ته على كتب المتقدمين، كما لم يرد عنه نقل في المصادر التي أوردت أقوالا ونقولات عن كتب ابن أبي الربيع، وإنما أورده تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه، وقد وثق نسبته إلى شيخه توثيقاً لا يأفكه ارتياب ولا تسنح فيه شبهة، فذكر عنوان هذا التفسير وبدايته ونهايته، والقدر الذي سمعه من إملاء شيخه، ثم إجازته له رواة جميع تفسيره وجميع ما رواه وألفه، وفيما يلي نص كلام التجيبي عن هذا التفسير:
(.. ما تسنى لشيخنا العلامة أبي الحسن القرشي المذكور- رحمه الله- تعالى من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وذلك من فاتحته إلى قوله تعالى في سورة المائدة (109) : (ويَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، قَالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب) وعاقته المنية عن إتمامه- رحمه الله- ورضى عنه وقدس روحه وبرد ضريحه. وهوَ آخرُ ما ألف. سمعت طائفة منه مِن لفظه في الإملاء وأجازني في جميعه..) .
وأحسب أنّ هذا النص كافٍ في نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع، وهناك من الأدلة التي توثق هذه النسبة وتؤكدها ما يلي:
أولا: ورود اسم هذا التفسير في اللوحة الأخيرة من هذا الكتاب، ونصها: الأول من تفسير القرآن لابن أبي الربيع- رحمه الله- وإن كان في هذه قصور في

(1/318)

البيان ونقص في العنوان فمرده إلى الاختصار أو إلى معلومات الناسخ عن العنوان الحقيقي للكتاب.
ثائياً: بعض الأقوال والآراء التي ناقشتها في هذا التفسير نجدها بنصها أو بنص مقارب في كتبه السابقة على هذا التفسير، ومن الأمثلة التي تؤكد ما أسلفناه ما يلي:
أولا: ما قرره في إضافة الوصف- اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال وأضيف إلى المعرفة، كانت إضافة على التعريف والتَّخفيف، وهذا القول أورده في كتابه البسيط بعرض أشمل، وبيان مفصل.
ثانياً: إضافة اسم الفاعل إلى الضّمير.
أورد الخلاف في موضعِ الضمير عند الكلام على قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسَ إِمَاماَ) وهذا الخلاف أورده في كتابه البسيط (2/1048/2-1049) ، والملخص (1/192) .
ثالثاً: خَرّجَ الباء في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم) على أنها بمعنى الهمزة، قال: والمعنى: أذهب الله نورهم، وأورد شاهدين على مجيء الباء بمعنى الهمزة، ونقل عن ثعلب قوله: ذهبت به وأذهبته، ودخلت به الدار وأدخلته.. إلى أن يقول: ولا أَعلَمُ خلافاً بين النحويين خلافاً في أنَّ الباء تكون بمعنى الهمزة إلا المبر، قال بين الهمزة والباء هنا فرق، وذلك أنك إذا قلت: أذهبت زيداً، المعنى جعلته يذهب وإن كنت غير ذاهبٍ معه، وإذا قلت: ذهبت بزيدٍ فلا تقوله حتّى تذهب معه.
وهذا القول والتوجيه أورده ابن أبي الربيع في كتاب البسيط (1/417) و (2/995) .
رابعاً: وجّه قراءة النصب في "غشاوة" من قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى

(1/319)

قُلُوبهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على إضمار فعلٍ دلّ عليه وختم، قال: لأِنَّ الختم في القلب والعين نظير جعل الغشاوة على العين..) واحتج لذلك بقول امرئ القيس:
وريح سنا في حقّة حميرّية ... تخصّ بمفروك من المسك أذفرا
المعنى: ويضمّخْن ريح سنا، وحذف يُضمَّخْنَ، لأَن ما قبله وهو يُحلّينْ يَدُلّ عليه.
وهذا التوجيه للشاهد أورده في كتاب الملخص (1/ 385) في احْتِجاجه به على نصب "شركاءهم " من قوله تعالى: (فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءكُمْ) حيث جعل النصب هنا على إضمار فعل تقديره، وأَجمعوا شركاءَ كم بوصل الألف، ويكون بمنزلة قول امرئ القيس:
ريح سنا في حقّة حميرية ... البيت
قال في توجيه البيت: التقدير: ويضَمِّخْن رِيْحَ سَنَا، وحذف لدلالة ما قبلها عليه.
تلك أهم الأدلة التي تثبت نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع إضافة إلى ما أورده القاسم بن يوسف التجيبي تلميذ ابن أبي الربيع، وقد أفاد نص التجيبي بالإضافة إلى نِسْبَهِّ الكتاب أمرين مُهَميْن في التوثيق:
الأول: أن هذا التفسير كان آخر ما ألفه ابن أبي الربيع.
الثاني: تحديد القدر الذي انتهى إليه في هذا التفسير، فهو لم يتمكّن من إتمامه، بل وقف به الجهد عند آية (109) من سورة المائدة كما سبق في نص التجيبي، ورأيت بحثاً للدكتور محمد حجي بعنوان (ابن أبي الربيع السبتي إمام أهل النحو في زمانه) يُقَدّرُ هذا التفسير بما يَنيف عن ثلاثين جزءاً (1) ، ويبدو أنه لم يطلع على ما أورده التجيبي في
__________
(1) مجلة المناهل العدد 22 الصادرة في عام 1402 هـ عن وزارة الشؤون الثقافية المغربية.

(1/320)

برنامجه عن هذا التفسير، وإنما بَنَى حُكَمُهُ على الظَّنّ والتّخمين وليس على الحقيقة واليقين، فهذا التّقدير الذي انتهى إليه الدكتور محمد حجي مَبْنيُّ على تفسير القرآن كاملاََ، والّذي ثبت أنّ ابن أبي الربيع لم يكمل الجزء السّابع من أَجزاء القرآن الكريم للسَّبب الّذي أورده التجيبي، وهو ثقة فيما أخبر به، وعليه يُعَوّل فيما يَتَعلّق بهذا التفسير، وَصفاً وتوثيقاً.