فصول الكتاب

سُورَةُ آلِ عِمْرَان
قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ)
إنَّ الشهادتينِ منْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاع، وليسَ المرادُ الإتيانَ بلفظِهِمَا
دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أنَّ التصديق بهِمَا، داخلٌ في الإسلامِ، وقد فسَّرَ
الإسلامَ المذكورَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) .
بالتَوحيدِ والتَّصديقِ، طائفةٌ من السلفِ، منهُم محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ.
وأمَّا إذا نُفِيَ الإيمانُ عنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعرابِ الَّذينَ أَخبرَ
اللَّهُ عنهُم، فإنَه ينتفِي عنهُم رسُوخُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُتُ لهم الشاركةُ
في أعمالِ الإسلامِ الظاهرةِ مع نوع إيمان يُصحِّحُ لهم العملَ، إذْ لولا هذا
القدرُ منَ الإيمانِ، لم يكونُوا مسلمينَ، وإنَّما نَفَى عنهُمُ الإيمانَ، لانتفاءِ ذوقِ
حقائقه، ونقصِ بعضِ واجباتِهِ، وهذَا مبنيٌّ على أنَّ التصديقَ القائمَ بالقلوبِ
يتفاضل.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
المحبةُ الصحيحةُ تقتضِي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوباتِ وبغضِ

(1/200)

المكروهاتِ، قالَ عزَّ وجلَّ: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
قال الحسنُ: قال أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحبّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.
وفي "الصحيحين " عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهُمَا، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُه إلا للَّهِ، وأنْ يكره أن يرْجِعَ إلى الكُفرِ بعد إذ أنقذَهُ اللَّهُ منه كما يكرَهُ أنْ يُلقَى في النارِ".
فمنْ أحبَّ اللَّهَ ورسولَهُ محبةً صادقةً من قلبِهِ، أوجبَ له ذلكَ أنْ يحبَّ
بقلبِهِ ما يُحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ، ويكرهُ ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُهُ، ويرضَى بما يَرضَى اللَّهُ رسولُهُ، ويسخطُ ما يسخطهُ اللَّهُ ورسولُهُ، وأنْ يعملَ بجوارحِهِ بمقتضَى هذا الحبِّ والبغضِ، فإنْ عملَ بجوارِحِهِ شيئًا يخالفُ ذلكَ، بأن ارتكبَ بعض ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُه، أو تركَ بعضَ ما يحبهُ اللَّهُ ورسولُهُ مع وجوبِهِ والقدرةِ عليه، دل ذلكَ على نقصِ محبَّته الواجبةِ، فعليهِ أن يتوبَ من ذلكَ ويرجعَ إلى تكميلِ المحبةِ الواجبةِ.
قال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّه عزَّ وجل ولم يوافقِ
اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محب ليسَ يخافُ اللَّهً، فهو مغرور.

(1/201)

وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ عزَ وجلَّ ولم
يحفظْ حدودَهُ.
وسُئلَ رُويمٌ عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ، وأنشدَ:
ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرْحبًا
ولبعضِ المتقدمينَ:
تعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ
لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه. . . إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ
فجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمِ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ.
وقد وصفَ اللَهُ المشركينَ باتِّباع الهَوى في مواضعَ منْ كتابِهِ، وقال تعالى:
(فَإِن لَّم يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاه بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) .
وكذلكَ البدعُ إنَّما تنشأُ من تقديمِ الهَوى على الشَّرع، ولهذا يُسمَّى أهلُها
أهلَ الأهواءِ.
وكذلكَ المعاصِي إنَّما تقعُ من تقديمِ الهوى على محبةِ اللَّهِ، ومحبةِ ما
يحبه.
وكذلك حَبُّ الأشخاصِ: الواجبُ فيه أنْ يكونَ تبعًا لما جاءَ بهِ الرسولُ
- صلى الله عليه وسلم -.
فيجبُ على المؤمنِ محبةُ اللَّهِ ومحبةُ من يحبُّهُ اللَّهُ من الملائكةِ والرسلِ
والأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ عمومًا، ولهذا كانَ من علاماتِ
وجودِ حلاوةِ الإيمانِ أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُه إلا للَّهِ، ويحرِّمَ موالاةَ أعداءِ اللهِ
ومن يكرهُهُ اللَّهُ عمومًا، وقد سبقَ ذلكَ في موضع آخرَ، وبهذا يكونُ الدِّينُ

(1/202)

كلُّه للِّهِ. و"منْ أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للِّهِ، وأعطَى للهِ، ومنع للهِ، فقدِ استكملَ الإيمانَ ".
ومن كانَ حُبُّه وبُغضُه وعطاؤه ومنعُه لِهَوى نفسِهِ، كانَ ذلك نقصًا في
إيمانِهِ الواجبِ، فيجبُ عليه التَّوبةُ من ذلكَ والرُّجوعُ إلى اتِّباع ما جاء به
الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تقديمِ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ، وما فيهِ رضا اللَّهِ ورسولِهِ على هوى النفوسِ ومراداتِهَا كلِّها.
قال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغَنَا - واللَّهُ أعلمُ - أنَّ موسى - عليهِ السلامُ - قالَ: يا ربَ أوصِني؟
قال: أوصيكَ بي، قالَهَا ثلاثاً، حتَّى قال في الآخرةِ:
أوصيكَ بي أن لا يعرضَ لكَ أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبَّتِي على ما سِواها، فمنْ
لم يفعلْ ذلكَ لم أزكِّهِ ولم أرحمْهُ.
والمعروفُ في استعمال الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلافِ الحق، كما
في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
وقالَ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) .
وقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا، فيدخلُ فيه الميل إلى الحقِّ
وغيرِهِ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.
وسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالٍ: هل سمعتَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يذكرُ الهَوى؟
فقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم، فقال: "المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ ".