فصول الكتاب

سُورَةُ النِّسَاءِ
قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
ومما يستدلُّ به على فضلِ قلةِ العيالِ قولُهُ تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ، على تفسير من فسَّرَهُ
بكثرة العيال، ولكنَّ الجمهورَ على تفسير بالجورِ والحيفِ، فإنَّ ملكَ اليمينِ
قد تكثرُ به الأولادُ أكثرُ من الزوجاتِ الأربع، فإنه لا ينحصرُ في عددٍ.
وكانَ الإمامُ أحمدُ ينكرُ على من كرهَ كثرةَ الأزواج والعيال، ويستدلُّ بحال
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه من كثرةِ أزواجهِم وعيالِهِم، وبمثلِ قولهِ: "تزوجُوا الودودَ الولودَ، فإنِّي أكاثرُ بكُمُ الأممَ يومَ القيامةِ"، ولكنه يأمرُ مع هذا بطلبِ الحلالِ والكسبِ، والصبرِ على الفقرِ وإنْ شقَّ.
فالإمامُ أحمدُ أمرَ بما جاءَ الأمرُ به في الشرع، وسفيانُ نظرَ إلي قلَّةِ صبرِ
الناسِ إلى ما يئولُ إليهِ حالُهم عند كثرةِ عيالهِم منْ تركِ الورع، والتكسبِ من الوجوهِ المكروهةِ، وهذا هُوَ الغالبُ على النَّاسِ لا سيَّما مع قلةِ العِلْم
والصبرِ، وأمَّا حالُ الصابرينَ على العيالِ المحافظينَ على الورع معهُم فعزيز
جدًا.

(1/279)

قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
قال المباركُ بنُ كاملٍ: سمعتُ عبدَ الوهابِ بنِ قاسم بنِ عليٍّ الشعرانيَّ.
قال: رأيتُ جعفرَ الدرزيجاني جاء إلى بغدادَ، فالتقى به أبو الحسين
الدرزيجانيُ، فقال له: كيف تركتَ الصبيانَ؟
فقال له: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
تقوى اللَّهِ لنا ولَهُم.
* * *
قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) .

(1/280)

قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
فهذا حكمُ اجتماع ذكورِهم وإناثِهم أنَّه يكونُ للذكرِ منهم مثلُ حط الأنثيينِ، ويدخلُ في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنينَ باتِّفاقِ العلماءِ، فمتى اجتمعَ من
الأولادِ إخوةٌ وأخواتٌ، اقتسَمُوا الميراثَ على هذا الوجهِ عند الأكثرينَ، فلو كانَ هناكَ بنتٌ للصُّلبِ أو ابنتانِ، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقِي أثلاثا، لدخولِهم في هذا العمومِ.
هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، منهم عمرُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباسٍ، وذهبَ إليه عامَّة العلماءِ، والأئمةُ الأربعة.
وذهبَ ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمالِ بناتِ الصُّلبِ الثلثين، كلُّه
لابن الابنِ، ولا يُعصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمةَ وأبي ثورٍ وأهلِ الظاهرِ، فلا
يُعصِّبُ عندَهُم الولدُ أختَه إلا أن يكونَ لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه، فكذلك
قالُوا فيما إذا كان هناكَ بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكورٌ وإناث: إنَّ الباقي لجميع ولد
الابنِ، للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأنثيينِ.
وقال ابنُ مسعودٍ في بنتٍ وبناتِ ابنٍ وبني ابنٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي
بين ولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين إلا أن تزيدَ المقاسمةُ بناتَ الابنِ على
السدسِ، فيُفرضُ لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابنِ، وهو قولُ أبي
ثَوْر.
وأمَّا الجمهورُ، فقالُوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حط الأنثيين
عملاً بعمومِ الآيةِ، وعندهم أن الولدَ وإن نزَلَ يُعَصّبُ من في درجتِهِ بكلِّ

(1/281)

حالٍ، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعَصِّبُ من أعلى منه
من الإناثِ إلا بشرطِ أن لا يكونَ لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصِّبُ من أسفلَ منه
بكلِّ حالٍ.
ثم قالَ تعالى: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك وَإِن كانَت واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، فهذا حكمُ انفرادِ الإناثِ من الأولاد أن للواحدةِ
النصفَ، ولما فوقَ الاثنتينِ الثلثانِ، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلبِ وبناتُ
الابنِ عند عدمهِنَّ، فإنِ اجتمعنَ، فإن استكملَ بناتُ الصلبِ الثلثين، فلا
شيءَ لبناتِ الابنِ المنفرداتِ، وإن لم يستكملِ البناتُ الثُّلثين، بل كانَ ولدُ
الصلبِ بنتًا واحدةً، ومعها بناتُ ابنٍ، فللبنتِ النِّصفُ، ولبناتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثين، لئلا يزيدَ فرض البنات على الثلثين.
وبهذا قَضى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي تقدَّمَ ذكرُهُ، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلا ما رُوي عن أبي مسعودٍ وسلمانَ بنِ ربيعةَ أنه لا شيء لبنتِ الابنِ، وقد رجعَ أبو موسى إلى قولِ ابنِ مسعودٍ لما بلغَهُ قولُهُ في ذلك.
وإنما أُشكِلَ على العلماءِ حكمُ ميراثِ البنتينِ، فإنَّ لهما الثلثين بالإجماع
كما حكاه ابن المنذرِ وغيرُه، وما حُكيَ فيه عن ابن عباسٍ أنَّ لهما النِّصفَ.
فقد قيل: إن إسنادَهُ لا يصحُّ، والقرآنُ يدل على خلافِهِ، حيث قال تعالى:
(وَإِن كانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف) ، فكيف تُورث أكثرُ من واحدةٍ