فصول الكتاب

سُورَةُ المَائِدَةِ
قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
إن البرَّ يطلقُ باعتبار معنيينِ:
أحدُهُما: باعتبارِ معاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهِم، وربَّما خصَّ بالإحسانِ إلى
الوالدينِ، فيقالُ: برُّ الوالدينِ، ويطلقُ كثيرًا على الإحسانِ إلى الخلقِ عمومًا، وقد صنفَ ابنُ المباركِ كتابًا سماه: "كتاب البرِّ والصلةِ"، وكذلكَ في "صحيح البخاريِّ "، و"جامع الترمذيِّ ": "كتاب البرِّ والصِّلة"، ويتضمن هذا الكتاب الإحسانَ إلى الخلقِ عمومًا، ويقدَّم فيه برُّ الوالدينِ على غيرِهِمَا.
وفي حديثِ بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنه قالَ: يا رسولَ اللَّهِ
مَنْ أبرُّ؛ قالَ: "أمُّك "، قال: ثم مَن؟
قال: "ثمَّ أباك "، قال: ثم مَنْ؟ قالَ: "ثم الأقربُ فالأقربُ ".
ومن هذا المعنى: قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"الحجُّ المبرورِ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنَّة".
وفي "المسندِ" أنه - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ:
"إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السَّلام".
وفي روايةٍ أخرى: "وطيبُ الكلام".

(1/381)

وكان ابنُ عمرَ رضيَ اللَّه عنهما يقولُ: البرّ شيء هيِّنٌ: وجهٌ طليق وكلامٌ
وإذا قرنَ البر بالتَّقوى، كما في قولِهِ عزَّ وجل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) ، فقدْ يكونُ المرادُ بالبرِّ: معاملةَ الخلقِ بالإحسانِ، وبالتَقوى:
معاملةَ الحقّ بفعلِ طاعتِهِ، واجتنابِ محرماتِه، وقد يكونُ أُريدَ بالبرّ: فعلُ
الواجباتِ، وبالتقوى: اجتنابُ المحرماتِ، وقولُهُ: (وَلا تَعَاوَنوا عَلَى الإِثْم
والْعُدْوَانِ) ، قد يُرادُ با لإثم: المعاصِي، وبالعدوان: ظلمُ الخلقِ، وقد
يُرادُ بالإثم: ما هو مَحرَّمٌ في نفسِهِ كالزِّنى، والسرقةِ، وشربِ الخمرِ.
وبالعُدوانِ: تجاوزُ ما أذنَ فيه إلى ما نُهِيَ عنهُ ممَّا جنسُهُ مأذونٌ فيه، كقتلِ مَنْ
أُبيح قتلُهُ لقِصاصٍ، ومن لا يُباحُ، وأخذُ زيادة على الواجبِ من الناسِ في
الزكاةِ ونحوِها، ومجاوزةِ الجلدِ الذي أمرَ به في الحدودِ ونحوِ ذلك.
والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعاتِ الظاهرةِ والباطنةِ.
كقولِهِ عزَّ وجلَّ: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) .
وقد رُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن الإيمانِ، فتلا هذه الآية.
فالبر بهذا المعنى يدخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإخانِ باللهِ وملائكتِهِ

(1/382)

وكتبِهِ ورسلِهِ، والطاعاتِ الظاهرةِ كإنفاقِ الأموالِ فيما يحبُّه اللَّهُ، وإقامِ
الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والوفاءِ بالعهدِ، والصَّبر على الأقدارِ، كالمرضِ
والفقرِ، وعلى الطَّاعاتِ، كالصَّبرِ عند لقاءِ العدو.
* * *
قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
في "الصحيحينِ " عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه -، أنَّ رجلاً من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكُم لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلت، لاتًّخذنا ذلك اليومَ عيدًا.
فقالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
فقال عمرُ: إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نزلَتْ فيه، والمكانَ الذي نزلتْ فيه، نزَلَتْ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قائِمٌ بعَرَفَةَ يوم
جُمعة.
وخرَّج الترمذيُّ عن ابنِ عباسٍ نحوَه، وقالَ فيهِ: نزلتْ في يوم عيدٍ
من يومِ جمعةٍ ويومِ عرفةَ.
العيدُ هو موسمُ الفرح والسرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهم في الدنيا إنما
هوَ: بمولاهُم، إذا فازُوا بإكمالِ طاعتِهِ، وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهم بوعدِهِ لهم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ) .

(1/383)

***
وقد يجتمعُ في يوم واحدٍ عيدانِ، كما إذا اجتمعَ يومُ الجمعةِ مع يومِ عرفةَ
أو يومِ النَّحْر، فيزدادُ ذلك اليومُ حُرْمةً وفضلاً، لاجتماع عيدينِ فيه.
وقد كانَ ذلك؛ اجتمعَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حجتِهِ يومَ عرفةَ، فكانَ يومَ جمعةٍ، وفيه نزلتْ هذه الآية ُ: (الْيَوْمَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) ، وإكمالُ الدِّينِ في ذلك اليومِ حصلَ من وجوهٍ:
منها: أنَّ المسلمينَ لم يكونُوا حجُّوا حجَّة الإسلامِ بعدِ فرضِ الحجِّ قبل
ذلكَ، ولا أحد منهم، هذا قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثير منهم، فكمُل بذلك
دينُهم لاستكمالهِم عملَ أركانِ الإسلامِ كلِّها.
ومنها: أنَّ اللَهَ تعالى أعادَ الحجَّ على قواعدِ إبراهيمَ عليه السلامُ، ونفَى
الشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهم أحد.
قال الشعبيُّ: نزلتْ هذه الآية ُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرفةَ حين وقفَ موقِفَ
إبراهيمَ، واضمحلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمتْ منارُ الجاهليةِ، ولم يَطُف بالبيتِ
عُريانِ.
وكذا قالَ قتادةُ وغيرُه. وقد قيل: إنه لم ينزلْ بعدَها تحليل ولا تحريم، قاله
أبو بكر بنُ عياشٍ.
وأمَّا إتمامُ النِّعمةِ فإنَّما حصلَ بالمغفرةِ، فلا تَتمُّ النِّعْمةُ بدونها، كما قالَ
لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) .