فصول الكتاب

سُورَةُ هُودٍ
قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
وخرَّج البخاريُّ في "تفسيره" عن ابنِ عباس: في قولِهِ تعالى.
(أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) : إنها نزلت فَي قومٍ كانُوا يجامعونَ
نساءَهم، ويتخلون، فيستحيونَ من اللَّهِ، فنزلتِ الآيةُ.
وكان الصِّدِّيقُ يقولُ: استحيُوا من اللَّهِ، فإني أذهبُ إلى الغائط فأظلُّ
متقنعًا بثوبي حياءً من ربي عزَّ وجلَّ.
وكان أبو موسى إذا اغتسلَ في بيتٍ مظلم، لا يقيمُ صُلْبَه، حياءً من اللَّهِ
عزَّ وجل.
قال بعضُ السلفِ: خَفِ اللهَ على قدرِ قدرتِهِ عليكَ، واسْتَح منه على قدر
قُربه منك.
وقد يتولدُ الحياءُ من اللَّهِ من مطالعةِ النِّعَم، فيستحيي العبدُ من اللَّهِ أنْ
يستعينَ بنعمتِهِ على معاصِيه، فهذا كلُّه من أعْلى خصالِ الإيمانِ.
* * *

(1/547)

قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرةَ لمَّا سأله: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟
فقال لهُ: "من الماءِ"، يدُل على أن الماءَ أصلُ جميع المخلوقاتِ ومادّتها.
وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه.
وفي "المسندِ" من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه، قالَ: قلْتُ:
يا رسول اللهِ، إذا رأيتُك طابَتْ نفسِي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيءٍ.
فقال: "كُل شيء خُلِقَ من ماء".
وقد حكى ابنُ جريرٍ وغيرُه، عن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه -، وطائفةٍ من السَّلفِ: أنَّ أوَلَ المخلوقاتِ الماءُ.
وروى الجُوزَجانيُّ بإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنَه سئلَ عن بدءِ الخلْقِ.
فقال: من ترابٍ، وماءٍ، وطينٍ، ومن نارٍ، وظلمةٍ.
فقيل له: فما بدءُ الخلْقِ الذي ذكرْتَ؟
قال: مِن ماءٍ يَنْبُوع.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أنَّ الماءَ كان موجودًا قبلَ خلْقِ السماواتِ
والأرضِ، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) .
وفي "صحيح البخاريِّ " عن عِمْرانَ بنِ حُصين، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"كانَ اللهُ ولم يكنْ شيء قبلَهُ - وفي رواية - "معه "، (وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذكرِ كلَّ شيء ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ ".

(1/548)

وفي "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"إنَّ اللَّه قدَّرَ مقاديرَ الخلاِئقِ قبْلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكان عرشُهُ على الماءِ". َ
وروى ابنُ جريرٍ، وغيرُه عن ابنِ عباسٍ: إنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ كان عرشُهُ على
الماءِ ولم يخلقْ شيئًا غيرَ ما خلقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يخلُقَ الخلْقَ أخرجَ
من الماءِ دُخانًا فارتفعَ فوقَ الماءِ، فسمَا عليه فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيبسَ الماءَ
فجعلَهُ أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعلهَا سبْعَ أرضينَ، ثم اسْتَوى إلى السَّماءِ
وهي دُخانٌ، وكان ذلك الدُّخانُ من نفَسِ الماءِ حين تنفَّسَ، ثم جعلَها سماءً
واحدةً، ثم فتقها فجعلَها سبع سماواتٍ.
وعن وهْبٍ: إنَّ العرشَ كان قبل أن تُخلقَ السماواتُ والأرضُ على الماءِ.
فلمَّا أراد اللَّهُ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ قبضَ من صفاءِ الماء قبضةً، ثم
فتح القبضةَ فارتفعَتْ دُخانًا، ثم قضاهُنَّ سبْعَ سمواتٍ في يومينِ، ثم أخذَ
طينةً من الماءِ فوضعها في مكانِ البيت، ثم دحا الأرص منها.
وقال بعضُهم: خلقَ اللَّهُ الأرضَ أولاً، ثم خلقَ السماءَ، ثم دحا الأرضَ
بعدَ أن خلقَ السماءَ. وقيل: خلقَ اللَّهُ تعالى زمردةً خضراءَ كغلظِ السماواتِ والأرضِ، ثم نظرَ إليها نظرَ العظمةِ، فانْماعَتْ، يعني ذابتْ فصارتْ ماءً، فمن ثمَّ يُرى الماءُ دائمًا يتحرَّك من تلكَ الهيبةِ.
ثم إنَّ اللَّهَ تعالى رفعَ من البحرِ بخارًا، وهو الدُّخانِ الذي ذكره في قولِهِ:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) ، فخلقَ السماءَ من الدُّخان،

(1/549)

وخلقَ الأرضَ من الماءِ، والجبالَ من موج الماء، وقال وهْب: أوَّلُ ما خلقَ
اللهُ تعالى مكانًا مظلِمًا، ثم خلقَ جوهرةً فأضاَءتْ ذلكَ المكانَ، ثم نظر إلى
الجوهرةِ نظرةَ الهيبةِ فصارتْ ماءً، فارتفعَ بخارُها وزَبَدُها، فخلقَ من البخارِ
السماواتِ، ومن الزبدِ الأرضينَ.
وروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ من ظُلمَة، ثم ألقى عليهِم من نور، فمن أصابَهُ يومئذ من ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومن أخطأهُ ضلَّ ".
وقال عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - لكعبِ الأحبارِ: ما أوَّلُ شيءٍ ابتدأَ تعالى من خلقِهِ؟
قال كعبٌ: كتبَ اللَّهُ كتابًا لم يكتبْه قلمٌ ولا دواة، أي مداد، كتابَهُ
الزَّبرجدُ واللؤلؤ والياقوتُ: إنني أنا اللَّهُ لا إله إلا أن وحدِي لا شريكَ لِي.
وأنَّ محمدًا عبدِي ورسولِي، سبقَتْ رحمتِي غضبِي، قال كعبٌ: فإذا كانَ
يومُ القيامةِ أخرج ذلك الكتابَ، فيخرجُ من النارِ مثلي عددِ أهلِ الجنةِ
فيدخلهُمُ الجنةَ.
وقال سلمانُ وعبدُ اللَّهِ بن عمرٍو: إنَّ للَّه تعالى مائةَ رحمةٍ كما بين السماءِ
والأرضِ، فأنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى أهلِ الدنيا، فبها يتراحمُ الجن
والإنسُ، وطيرُ السماء، وحيتانُ الماءِ، وما بين الهواء، ودوابُّ الأرضِ.
وهوامُّها، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ
الرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وهذا كلُّه
يُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلِقت من الماءِ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ