فصول الكتاب

سُورَةُ النَّحْلِ
قوله تعالى: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)
وأمَّا قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) .
وقولُ عمرَ: تعلَّموا من النجومِ ما تعرفونَ به القبلةَ والطريقَ.
ورُوي عنه، أنَّه قال: تعلَّموا من النجومِ ما تهتدونَ به في بَرِّكم وبَحْرِكُم.
ثم أمسكُوا.
فمرادُه - واللَّهُ أعلمُ -: أنَّه يُتَعلَّم من النجومِ الشرقيةِ والغربيةِ والمتوسطةِ
ما يُهْتدى به إلى جهةِ القبلةِ بعد غروبِ الشمسِ، وفي حالةِ غيبوبةِ القمرِ.
فيُسْتدلُّ بذلكَ على الشرقِ والغربِ، كما يُسْتدل بالشمسِ والقمرِ عليهما.
ولم يُرِدْ - واللَّهُ أعلمُ - تَعَلُّمَ ما زادَ على ذلكَ.
ولهذا أمرَ بالإمساكِ " لمَا يُؤدي التوغلُ في ذلكَ إلى ما وقعَ فيه المتأخرونَ من إساءةِ الظنِّ بالسلفِ الصالح.
وقد اخْتُلِفَ في تعلُّم منازلِ القمرِ وأسماءِ النجوم المهتدَى بها، فرخَّص فيه
النخعيُّ ومجاهدٌ وأحمدُ، وكرِهَ قتادةُ وابنُ عيينةَ تعلمَ منازلِ القمرِ.
وقال طاوس: رُبَّ ناظرٍ في النجومِ، ومتعلِّم حروفَ "أبي جاد" ليس له
عند اللَّهَ خَلاَقٌ.
ورُوي ذلك عنه، عن ابنِ عباسٍ.
* * *

(1/612)

قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)
وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) .
فاللُّهُ تعالى هو المُبتدئ بالخيرِ، فمنه بدأَ ونشأ.
والخيرُ به. يعني: أن دوامَهُ واستمرارَهُ وثبوتَهُ باللَّهِ، ولو شاءَ اللَّهُ لنزَعَهُ وسلبهُ صاحبَهُ، وقد قالَ تعالى لنبيِّه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) .
يعني: أنَّ دوامَ هذه النعمةِ عليكَ من اللَّهِ كما أن ابتداءَها منه.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)
روى الأعمشُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةَ، عن مسروقِ، عنِ ابنِ مسعودٍ، في
قولهِ تعالى: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) ، قال: عقارب لها أنيابٌ
كالنخلِ الطوالِ، وخرَّجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطِ الشيخينِ.
وفي روايةٍ عنه، قالَ: زيدُوا عقاربَ من نارٍ كالبغالِ الدهم أنيابُها كالنخلِ.
خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في "تفسيره" عن المسعوديِّ عن الأعمشِ عن أبي
وائلٍ عن ابنِ مسعودٍ، وقولِ من قالَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةَ عن مسروقٍ أصحُّ.
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتم من روايةِ سفيانَ عن رجلٍ عن مرةَ عن عبدِ اللَّهِ في
قولِهِ: (عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) ، قالَ: حياتٌ وأفاعِي. وروى السُّدِّيُّ

(1/613)

عن مرةَ عن عبدِ اللَّهِ في هذه الآيةِ، قالَ: أفاعِي في النارِ.
وروى ابنُ وهبٍ عن يحيى بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبي عبدِ الرحمنِ الحبلى، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ: إنَّ لجهنَّمَ لسواحلُ فيها حياتٌ وعقاربُ أعناقُها
كأعناقِ البختِ.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا وغيرُهُ من طريقِ مجاهدٍ عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قالَ:
إنَّ لجهنَّمَ جبابًا في سواحلَ كسواحلِ البحرِ، فيه هوامٌّ وحيَّاتٌ كالبخاتِيِّ
وعقاربُ كالبغالِ الذلِّ، فإذا سألَ أهلُ النارِ التخفيف قيلَ لهُم: اخرجُوا إلى
السواحلِ فتأخذُهُم تلك الهوامُّ بشفاهِم وجنوبِهِم وما شاءَ اللَهُ من ذلكَ
فتكشُطُها، فيرجعونَ فيبادرونَ إلى معظم النيرانِ، ويسلطُ عليهم الجربُ حتى
إنَّ أحدَهُم ليحكُّ جلدَهُ حتى يبدُوا العظمُ، فيقالُ: يا فلانُ هل يؤذيكَ هذا؟
فيقولُ: نعم، فيقالُ له: ذلك ما كنتَ تؤذي المؤمنينَ.
وروى عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى عن عثمانَ بنِ الأسودِ عن مجاهدٍ، قال: في
جهنَّمَ عقاربُ كأمثالِ الدلم لها أنيابٌ كالرماح إذا ضربتْ إحداهُنَّ الكافرَ على رأسِهِ ضربةً تساقطَ لحمُهُ على قدميهِ.
وروى حمادُ بنُ سلمةَ عن الجريري عن أبي عثمانَ، قال: على الصراطِ
حيات يلسعْنَ أهلَ النارِ فيقولونَ: حسّ حسّ، فذلكَ قولُهُ تعالى
(لا يَسْمَعُونَ حَسِيسها) .
وكان إبراهيمُ العجليُّ - رحمَهُ اللَّه - يقعُ البعوضُ على كتفيهِ وظهره
فيتأذَّى به، فيقولُ لنفسِهِ:

(1/614)

وأنت تأذَّى من حسيسِ بعوضةِ. . . فللنارِ أشقَى ساكنينَ وأوجعُ
* * *
قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
إنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيه الكتابَ، وبينَ فيه للأُمَّةِ ما يحتاجُ إليه من
حلالِ وحرامِ، كما قالَ تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لكُلِّ شَيْء) .
قالَ مجاهد وغيرُه: لكل شيءِ أمِرُوا به ونُهوا عنه.
وقال تعالى في آخرِ سورةِ النساءِ التي بيَّن فيها كثيرًا من أحكامِ الأموالِ والأبضاع: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) .
وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، ووكَل بيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، كما قالَ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وما قُبِضَ - صلى الله عليه وسلم - حتى أكملَ له ولأُمَّتِهِ الدينَ، ولهذا أنزلَ عليه بعرفةَ قبْلَ موتِهِ بمدةِ يسيرةِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
وقالَ - صلى الله عليه وسلم -:
"تركتُكُم على بيضاءَ نقيةِ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالِكٌ ".
وقال أبو ذَرٍّ: تُوفيَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وما طائرٌ يحرك جناحَيهِ في السَّماءِ إلا وقد ذكَّرنا منه عِلْمًا.