فصول الكتاب

سُورَةُ الإسْرَاء
قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
فرَّقَ بعضُهم بين الإسراء والمعراج، فجعَلَ المعراجَ إلى السماواتِ كما
ذكرَه اللَّهُ في سورةِ النَّجمِ، وجعلَ الإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ خاصةً، كما
ذكرَهُ اللَّهُ في سورةِ (سُبْحَانَ) وزعم أنهما كانَا في ليلتينِ مختلفتينِ، وأنَّ
الصلواتِ فُرضتْ ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراءِ.
وهذا هو الذي ذكرَهُ محمدُ بنُ سعدٍ في "طبقاتهِ" عن الواقديَ بأسانيدَ
له متعددةٍ، وذكرَ أنَّ المعراجَ إلى السماءِ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلَتْ
من شهرِ رمضانَ قبلَ الهجرةِ بثمانيةِ عشرَ شهرًا من المسجدِ الحرامِ، وتلكَ
الليلةَ فُرضتِ الصلواتُ الخمسُ، ونزلَ جبريلُ فصلَّى برسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصلواتِ في مواقيتِهَا، وأن الإسراءَ إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيع الأولِ قبل الهجرةِ بسنةٍ، من شعب أبي طالب.
وما بوَّبَ عليه البخاريُّ: أن الصلوات فرضتْ في الإسراءِ يدل على أنَّ
الإسراءَ عنده والمعراج واحد. واللَّهُ أعلم.
* * *

(1/626)

قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)
القصدُ في الفقرِ والغِنَى عزيزٌ، وهو حالُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ مقتصدًا في حالِ فقر وغناهُ، والقصدُ هو التوسطُ، فإنْ كان فقيرًا لم يُقتر خوفًا من نفادِ الرزقِ، ولم يسرفْ فيحملُ ما لا طاقةَ لهُ به، كما أدَّبَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بذلكَ في قولهِ تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) .
وإنْ كان غنيًّا لم يحملْهُ على السرفِ والطغيانِ، بلْ يكون مقتصدًا أيضًا.
قال اللَهُ تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ دلِكَ قَوَامًا) .
وإنْ كان المؤمنُ في حالِ غناهُ يزيدُ على نفقتِهِ في حالِ فقره، كما قالَ
بعضُ السلفِ: إنَّ المؤمنَ يأخذُ عن اللَّهِ أدبًا حسنًا إذا وسع اللَّهُ عليه وسعَ
على نفسِهِ وإذا ضيَّقَ عليه ضيَّقَ على نفسِهِ، ثم تلا قولَهُ تعالى:
(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) ، لكن يكون في حالِ غناهُ مقتصدًا غيرَ مسرفٍ، كما يفعلُهُ أكثرُ أهلِ الغِنى الذين يخرجُهم الغنى إلى الطغيانِ، كما قالَ تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) .
كان عليٌّ - رضي الله عنه - يعاتَبُ على اقتصادِهِ في لباسِهِ في خلافتِهِ فيقول: هو أبعدُ عن الكِبْرِ وأجدرُ أن يقتديَ بي المسلمُ.
وعوتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خلافتِهِ على تضييقِهِ على نفسِهٍ فقالَ: إنَّ

(1/627)

أفضلَ القصدِ عند الجدة، وأفضلَ العفوِ عندَ المقدرة.
يعني أفضلَ ما اقتصدَ الإنسانُ في عيشِهِ وهو واجدٌ قادر، وهذه حالُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائهِ الراشدينَ، لم تغيرْهُم سعةُ الدنيا والملكُ ولم يتنعمُوا في الدنيا.
وقد رُويَ عن سليمانَ عليه السلامُ، أنَّه كان ياكلُ خبزَ الشعيرِ ويلبسُ
الصوفَ.
وسئلَ الحسنُ - رضي الله عنه -، عن رجل آتاهُ اللَهُ مالاً، فهو يحجُّ منه ويتصدق، ألَهُ أن يتنعمَ فيه منه؟
قال: لا، لو كانتْ له الدنيا ما كان له إلا الكفافُ.
ويقدِّمُ فضلَ ذلك ليومِ فقرِه وفاقتِهِ، إنَّما كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ومنْ أخذَ عنهم من التابعينَ، ما آتاهم اللَّهُ من رزدقٍ أخذُوا منه الكفافَ، وقدموا فضلَ ذلك ليومِ فقرِهم وفاقتِهِم.
وقال ابنُ عمرَ لبعضِ ولده: لا تكن من الذين يجعلون ما أنعم الَلَّه عليهم في بطونِهِم وعلى ظهورهِم.
إشارةً إلى أنَّ المالَ لا ينفقُ كلُّه في شهواتِ النفوسِ، وإنْ كانتْ مباحةً.
بل يجعلُ صاحبُهُ منه نصيبًا لدارِه الباقيةَ، فإنه لا يبقَى له منه غيرُ ذلكَ.
وفي الجملةِ فالاقتصادُ في كلِّ الأمورِ حسن حتى في العبادةِ، ولهذا نهي
عن التشديدِ في العبادةِ على النفسِ، وأمر بالاقتصادِ فيها، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم هديًا قاصدًا، فإنَّ اللَهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا".
وفي "مسندِ البزَّارِ" عن حذيفةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أحسنَ القصدَ في الغِنى، وما أحسنَ القصدَ في الفقرِ، وما أحسنَ القصدَ في العبادةِ".
* * *

(1/628)

قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)
قال إسحاقُ بنُ راهويه: لا يجوزُ التفكُّرُ في الخالقِ، ويجوزُ للعبادِ أن
يتفكَروا في المخلوقينَ بما سمعُوا فِيهم، ولا يزيدونَ على ذلكَ، لأنَّهم إن
فعلُوا، تاهُوا، قالَ: وقد قالَ اللَّهُ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) .
فلا يجوزُ أن يقالَ: كيفَ تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأخْوِنَةُ، والخبزُ
المخبوزُ، والثِّيابُ المنسوجةُ؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلمُ فيه أنَّهم يسبحونَ.
فذلكَ إلى اللَّهِ أن يجعلَ تسبيحَهم كيفَ شاء وكما يشاءُ، وليسَ للناسِ أن
يخوضُوا في ذلكَ إلا بما علمُوا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْههِ إلا بما أخبرَ
اللَّهُ، ولا يزيدُوا على ذلكَ، فاتَّقوا اللَّهَ، ولا تخوضُوا في هذه الأشياءِ
المتشابهةِ، فإنَّه يُرْديكُم الخوْضُ فيه عن سننِ الحق.
نقلَ ذلك كُلَّه حَرْبٌ عن إسحاقَ رحمهما اللَّهُ.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) .
قال أهل التفسير: يقولون: ساترًا، والصواب: حمله على
ظاهره، وأن يكون الحجاب مستورًا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ.
* * *