فصول الكتاب

سُورَةُ طَهَ
قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)
[قال البخاريّ - رحمه اللَّه -] :
ثنا أبو نُعيمٍ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ
ابنِ مالكٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"من نسِي صلاةً فليُصلِّ إذا ذكَرَ، لا كفَّارة لها إلا
ذلك، (وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ".
قال موسى: قال همَّامٌ: سمعتُه يقولُ بعْدُ: " (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ".
وقال حبَّانُ: ثنا همَّامٌ: ثنا قتادةُ: ثنا أنسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
هذا الحديثُ قد رواه جماعةٌ عن همَّامٍ، وجماعةٌ عن قتادة.
وقد خرَّجه مسلمٌ من طريقِ همَّامٍ وأبي عوانة وسعيدٍ والمثنى، كلِّهم عن
قتادةَ، عن أنسٍ، وليسَ في روايةِ أحد منهم: التصريحُ بقولِ قتادةَ: "ثنا
أنس "، كما ذكر البخاريُّ أنَّ حبَّانًا رواه عَّنَ همَّامٍ.
وإنَّما احتاج إلى ذلك، لما عُرِفَ من تدليس قتادة.
ولفظُ روايةِ سعيدٍ، عن قتادةَ التي خرَّجها مسلمٌ: "من نسي صلاةً أو نامَ عنها فكفَّارتُها أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها".

(1/678)

ولفظُ حديثِ المثنى، عن قتادةَ، عنده:
"إذا رقدَ أحدُكُم عن الصلاةِ أو نامَ عنها، فكفَّارتُها: أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها".
وقد دلَّ الحديثُ على وجوبِ القضاءِ على النائم إذا استيقظَ، والناسي إذا
ذكر، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ.
وذكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ: أنَّ محمدَ بنَ رُسْتُم روى عن محمدِ بنِ الحسن: أنَّ
النائمَ إذا فاتَه في نوْمِهِ أكثرُ من خمْسِ صلواتٍ لا قضاء عليه، إلحاقًا للنومِ
الطويلِ إذا زادَ على يومٍ وليلةٍ بالإغماء، والمُغْمَى عليه لا قضاء عليه عندَه.
ويكونُ الأمرُ عندَهُ بالقضاءِ في النومِ المعتادِ، وهو ما تفوتُ فيه صلاة أو
صلاتانِ أو دون خمسٍ أو أكثر.
وأخذَ الجمهورُ بعمومِ الحديث.
وقولُهُ: "فليصلِّ إذا ذَكَرَ":
استدلَّ به من يقولُ بوجوبِ قضاءِ الصلواتِ على
الفورِ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالكٍ.
وأحمدُ يوجبه بكلِّ حالٍ، قلَّتِ الصلواتُ أو كثُرَتْ.
واستدلوا - أيضًا - بقولِهِ: " لا كفَّارةَ لها إذا ذلك ".
وذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّ القضاءَ على التراخي، كقضاءِ صيام رمضانَ.
وليس الصومُ كالصلاةِ عندَهم، فإنَّ الصيامَ لا يجوزُ تأخيرُهُ حتَّى يدخل نظيرُه
من العامِ القابل والصلاةُ عندَهُم بخلافِ ذلك.
واستدلُّوا - أيضًا -: بتأخيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ حتَّى خرج من الوادي.
وفيه نظرٌ؛ فإنَّ ذاك تأخيرٌ يسيرٌ لمصلحةٍ تتعلَّقُ بالصلاةِ، وهو التباعُدُ عن
موضع يُكْرَه الصلاةُ فيه.

(1/679)

وقد رُوي عن سمُرة بن جُنْدُب، فيمَنْ عليه صلوات فائتة: أنَه يُصلِّي مع
كلِّ صلاةٍ صلاةً.
وقد رُوي عنه - مرفوعًا.
خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيما إذا كان الفواتُ بغيرِ عُذْرٍ في وُجوبِ القضاءِ
على الفورِ وجهانِ.
وحمَل الخطابيُ قولَه: "لا كفَّارةَ لها إلا ذلك " على وجهْينِ:
أحدُهُما: أنَّ المعنى أنَّه لا يجوزُ له تركُها إلى بدلٍ، ولا يُكفِّرها غيرُ
قضائِها.
والثاني: أنَّ المعنى أنَّه لا يلْزَمُهُ في نسيانها كفَّارةٌ ولا غرامة. قال إنَّما عليه
أن يُصلِّي ما فاتَهُ.
وقد رُوي عن أبي هريرة - مرفوعًا:
"من نسي صلاةً فوقتُها إذا ذكرَهَا".
خرَّجه الطبرانيُّ والدارقطني والبيهقيُّ من روايةِ حفْصِ بنِ أبي العطَّافِ.
واختلف عليه في إسنادِهِ إلى أبي هريرةَ.
وحفْصٌ هذا، قال البخاريُ وأبو حاتمٍ: منكرُ الحديث.
وقال يحيى بن يَحْيى: كذَّاب.
فلا يُلتفتُ إلى ما تفرَّد به.
وأمَّا تلاوتُهُ قولُهُ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) .

(1/680)

وقد رواه قتادةُ - مرّةً -، فقال: "للذكرى"، ومرَّةً، قال: "لِذِكرِي"
، كما هو القراءة المتواترةُ.
وكان الزهريُّ - أيضًا - يقرؤها: "للذكرى".
وهذه القراءةُ أظهرُ في الدِّلال" على الفورِ؛ لأنَّ المعنى: أدِّ الصلاةَ حينَ
الذِّكْرَى، والمعنى: أنَّه يصلِّي الصلاةَ إذا ذكرها.
وبذلك فسَّرها أبو العالية والشعبيُّ والنخعيُّ.
وقال مجاهد: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ (ذِ@رِي @ أطه: 4 ا.،: أي تدْكُرُلْي. قال: فإذا
صلَّى عبدٌ ذكَرَ رتَه.
ومعنى قوله: أنَّ قولَهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي) : أي: لأجلِ ذكْرِي
بها.
والصلاةُ إنَّما فُرِضتْ ليُذكر اللَّه بها، كما في حديثِ عائشةَ المرفوع:
"إنَّما جُعل الطوافُ بالبيتِ وبيْنَ الصَّفا والمرْوة ورمي الجمارِ لإقامةِ ذكرِ الله".
خرَّجه الترمذيُّ وأبو داود.
فأوجب اللَّهُ على خلْقِهِ كلَّ يومٍ وليلةٍ أنْ يذكُرُوه خمس مرارٍ بالصلاةِ
المكتوبةِ، فمن تركَ شيئًا من ذكر اللَّه الواجبِ عليه سهْوًا فلْيعد إليه إذا ذكرَهَ، كما قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسيتَ) ، فقد أمرَهُ إذا نسيَ ربَّه
أنْ يذكُره بعد ذلك، فمنْ نسي الصلاة فقد نسي ذكْرَ ربِّه، فإذا ذكر أنَّه نسي فلْيَعُد إلى ذِكْرِ ربِّه بعد نسيانِهِ.