فصول الكتاب

سُورَةُ المؤمِنُونَ
قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
قد مدح اللَّه الخاشعينَ في صلاتِهِم، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) .
وقال: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) .
رُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تلينَ
كنفكَ للمسلم، وأن لا تلتفتَ في صلاتِك.
وعنه قال: الخشوعُ خُشُوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالا.
وعن ابنِ عباسٍ قال: (خاشعون) : خائفونَ ساكنون.
وعنِ الحسنِ قال: كان الخشوعُ في قلوبِهِم، فغضُّوا له البصرَ، وخفضُوا
له الجناح.
وعن مجاهدٍ قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاةِ.
وعنه قال: هو خفضُ الجناح وغضُّ البصرِ، وكان المسلمون إذا قامَ أحدُهُم
في الصلاةِ خافَ ربَّه أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ.

(2/5)

وعنه قالَ: العلماءُ إذا قامَ أحدُهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ عزَّ وجلَّ أن
يشذ نظرُهُ، أو يلتفتَ، أو يقلِّب الحصى، أو يعبثَ بشيء، أو يحدثَ نفسَهُ
بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسيًا، ما دامَ في صلاتِهِ.
وعن الزهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ.
وعن سعيدِ بن جبير، قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَن عن يمينِهِ.
ولا مَن عنْ شمالِهِ ولا يلتفتُ من الخشوعُ للَّه عزَّ وجل.
ورُوي عن حذيفةَ أنه رأى رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ، فقالَ: لو خشعُ قلبُ
هذا لخشعتْ جوارحُهُ.
ورُوي عن ابنِ المسيبِ.
ورُوي مرسلا.
فأصلُ الخشوع: هو خشوعُ القلبِ، وهو انكسارُهُ للَّه، وخضوعة وسكونُهُ
عن التفاتِهِ إلى غيرِ مَنْ هو بينَ يديهِ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها
تبعًا لخشوعِهِ، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في ركوعِهِ: "خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظامي، وما استقل به قدَمِي ".
ومن جملةِ خشوع الجوارح: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو
يسارِهِ.

(2/6)

وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن يساره، فأنزلَ اللَّه تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فخشعَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً.
وخرَّجهُ الطبرانيُّ من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة.
والمرسلُ أصحُّ.
* * *
إنَّ اللَّه سبحانه وتعالى مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ.
والخاضعينَ.
فقالَ تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) .
وقالَ تعالى: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) إلى قوله: (أَعَدَّ اللَهُ لَهُم مَغْفرَةً وَأَجرًا
عَظِيمًا) .
ووصفَ المؤمنينَ بالخشوع لهُ في أشرفِ عباداتهِم التَّي هُم علَيْهَا يحافظونَ.
فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) .
ووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوع، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا.
فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) .

(2/7)

وأصلُ الخشوع هو: لينُ القلبِ ورِقَتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُه
وحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارح والأعضاءِ لأنَّها تابعة
له، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا إنَّ في الجسد مُضْغَة، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
فسدتْ فسدَ الجسدُ كلّه، ألا وهي القلبُ ".
فإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاءِ
وما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ.
ولهذا كانُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في ركوعِه في الصلاة:
"خشعَ لك سمعِي وبصرِي ومُخي وعظامِي ".
وفي روايةٍ: "وما استقل به قدَمي ".
ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلاً يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا
لخشعتْ جوارِحُه.
ورُويَ ذلك عن حُذيفة - رضي الله عنه - وسعيدِ بنِ المسيِّبِ.
ويُروى مرفوعًا
بإسنادٍ لا يصح.
قال المسعوديُّ عن أبي سناد عمَّن حدَّثه عن علي بنِ أبي طالمب - رضي الله عنه - في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .
قال: هوَ الخشوعُ في القلبِ وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلم وأن لا تلتفتَ في صلاتكِ.