فصول الكتاب

سُورَةُ النُّورِ
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
من كانَ مستورًا لا يُعرفُ بشيءٍ مِنَ المعاصِي، فإذَا وقعتْ منه هفوةٌ، أو
زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها ولا هتكُها، ولا التَّحدُثُ بها، لأنَّ ذلك غِيبةٌ
محرَمةٌ، وهذا هو الذي وردتْ فيه هذه النُصوصُ، وفي ذلكَ قد قالَ اللَّهُ
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .
والمرادُ: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمنِ المستترِ فيمَا وقعَ منه، أو اتهِمَ به وهو
بريءٌ منهُ، كما في قصَّةِ الإفْكِ.
قالَ بعضُ الوزراءِ الصالحينَ لبعضِ من يأمرُ بالمعروفِ: اجتهدْ أن تستُرَ
العُصَاةَ، فإِنَ ظهورَ معاصِيهم عَيْبٌ في أهلِ الإسلامِ، وأوْلَى الأمورِ سترُ
العيوبِ.
ومثلُ هذا لو جاءَ تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحَد لم يفسَّرْهُ، ولم يُستفسر، بل يُؤمَر
بأنْ يرجعَ ويستُرَ نفسَهُ، كمَا أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا والغامديةَ، وكما لم يستفسرِ الذي قال له: "أصبْتُ حدًّا فأقمه عليَّ ".
ومثلُ هذا لو أُخذَ بجريمتِهِ، ولم يبلغ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتَى لا يبلغَ
الإمام.
وفي مثلهِ جاءَ الحديثُ عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"أَقِيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتهم ".

(2/34)

خرَّجه أبو داودَ والنسائيُّ
من حديثِ عائشةَ - رضي الله عنها.
* * *
قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ:
أن تُنظَّفَ وتُطَيَّبَ، وسنذكرُهُ في موضع آخرَ - إن شاءَ اللَّهُ.
وقد فُسِّر قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) .
ببنيانهَا وتطهيرهَا وتنزيههَا عمَّا لا يليقُ بهَا.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى:
(قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) ، قال: وقع لي فيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أن المعنى: لا تقسموا واخرجوا من غير قسم، فيكون المحرك لكم
إلى الخروج الأمر لا القسم، فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه.
والثاني: أنَّ المعنى: نحن نعلم ما في قلوبكم، وهل أنتم على عزم الموافقة

(2/35)

للرسول في الخروج؛ فالقسم هاهنا: إعلام منكم لنا بما في قلوبكم.
وهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن اللَّه يطلع على ما في القلوب.
والثالث: أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم، ولولا أنكم في محل
تهمة ما ظننتم ذلك فيكم.
وبهذا المعنى وقع المتنبي فقال:
وفي يمينك ما أنتَ وَاعِدُهُ. . . ما دَلَّ أنكَ في الميعادِ متهمُ.
* * *

(2/36)