فصول الكتاب

سُورَةُ الفُرْقَانِ
قوله تعالى: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)
قال ابن الجوزيِّ في "المقتبس ": سمعمتُ الوزير يقولُ في قولِهِ تعالى:
(أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ) ، قال: العجبُ كلُّ العجبِ لجهلهِم
حين أرادُوا أن يُلقى إليه كنزٌ أَوْ يكونَ لَهُ جنةٌ.
ولو فهموا علموا أن كلَّ الكنوزَ له وجميعَ الدنيا مِلْكُهُ.
أو ليس قد قهرَ أرباب الكنوز، وحكم في جميع الملوك؛ وكان من تمام معجزته أن الأموال لم تفتح عليه في زمنه؛ لئلا يقول قائلٌ: قد جرت العادة بأن إقامة الدول، وقهرَ الأعداءِ بِكَثرةِ الأَمْوَالِ.
فتمت المعجزةُ بالغلبة والقهرِ مِنْ غَيْرِ مالٍ، ولا كَثْرةِ أَعوانٍ، ثم فتحت الدنيا
على أصحابِهِ، ففرقُوا ما جمعهُ الملوكُ بالشَّرَهِ، فأخرجوه فيما خلق له، لم
يمسكوه إمساك الكافرين، ليعلموا الناسَ بإخراج ذلك المالِ: أن لنا دارًا سوى هذه، ومقرًّا غير هذا.
وكان من تمام المعجزات للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
أنه لما جاءهم بالهدى فَلَمْ يقبلْ، سلَّ السيفَ على الجاحدِ، ليعلمهُ أن الذي ابتعثني قاهرٌ بالسيفِ بعد القهر بِالحجج.
ومما يقوي صدقَهُ أنَّ قيصرَ وكِبارَ الملوكِ لَم يوفقوا للإيمانِ به؛ لئلا

(2/37)

يقولَ قائلٌ: إنما ظهرَ لأنَّ فلانًا الملكَ تعصبَ له فتقوَّى به، فبانَ أن أمرَهُ من
السماءِ لا بنصرةِ أهلِ الأرضِ.
* * *
قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) ، وقالَ تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) . 12
وقال تعالى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) .
والشهيق الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوتِ الحمارِ.
قالَ الربيعُ بنُ أنسٍ: الشهيقُ في الصدرِ.
وقالَ مجاهدٌ في قولهِ: (وَهِيَ تَفورُ) قال: تغلي بهم كما يغلي القدرُ.
وقالَ ابنُ عباسٍ: تميزُ: تفرقُ، وعنه قال: يكادُ يفارقُ بعضُها
بعضًا وتتفطرُ.
وعن الضحاكِ: تميزُ.
وقال ابنُ زيد: التميزُ: التفرقُ من شدةِ الغيظِ على
أهلِ معاصِي اللَهِ عزَّ وجلَّ، غضبًا له عزَّ وجل وانتقامًا له.
وخرج ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ خالدِ بنِ دريك عن رجل من الصحابةِ
قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"من تقوَّلُ عَليَّ ما لم أقل فليتبوء بين عيني جهنمَ مقعدًا"
قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لها عينانِ؟
قال: "نعم، أو لم تسمعْ قول اللَّهِ عزَّ وجلَّ:

(2/38)

(إِذَا رَأَتْهم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) ".
وروى أبو يحيى القتاتُ عن مجاهد عن ابنِ عباسٍ قالَ: إن العبدَ ليجرُّ إلى
النارِ، فتشهقُ إليه شهقةَ البغلةِ إلى الشعير، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا
خافَ.
خرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
وقال كعب: ما خلقَ اللَّهُ من شيءٍ، إلا وهوَ يسمعُ زفيرَ جهنم غدوةً
وعشيةً، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ.
خرَّجَه الجوزجانيّ.
وفي "كتابِ الزهدِ" لهنادِ بنِ السريِّ عن مغيثِ بنِ سمي، قالَ:
إنَّ لجهنمَ كلَّ يومٍ زفرتين يسمعُهما كلُّ شيءٍ، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ.
وعن الضحاك قالَ: إن لجهنَّمَ زفرة يومَ القيامة لا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ ولا
نبيٌّ مرسلٌ إلا خرَّ ساجدًا يقولُ: رب نفسي نفسِي.
وعن عبيدِ بنِ عميرٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً لا يبقى ملكٌ ولا نبيٌ إلا وقعَ
لركبتيه، ترعدُ فرائسُهُ يقولُ: ربِّ نفسي نفسي.
وروى ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُه عن الضحاكِ قالَ: ينزلُ الملكُ الأعلَى في بهائه
وملكِهِ، مجنبته اليسرى جهنمُ، فيسمعونَ شهيقها وزفيرهَا فيندُّون.
وعن وهبِ بنِ مُنَبِّه قالَ: إذا سيرتِ الجبالُ فسمعتْ حسيسَ النارِ وتغيظَها
وزفيرَها وشهيقَها، صرختِ الجبالُ كما تصرخُ النساءُ، ثم يرجعُ أوائلُها على
أواخرِهَا، يدقُ بعضُها بعضًا.
خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

(2/39)

وفي "تفسيرِ آدمَ بنِ أبي إياس" عن محمدِ بنِ الفضلِ عن عليِّ بنِ زيدِ بن
جدعان، عن أبي الضُّحى، عن ابنِ عباسٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، لا يبْقَى
ملكٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيهِ حولَ جهنَّم، فتطيشُ عقولهُم فيقولُ
اللَّهُ عز وجلَّ: ماذا أجبتُمُ المرسلينَ؟
قالُوا: لا علمَ لنا، ثم تُردُّ عليهم عقولُهم فينطقونَ بحجتِهِم وينطقونَ بعذرِهِم.
محمدُ بنُ الفضلِ هو ابنُ عطيةَ متروكٌ.
قال آدمُ: وحدثنا أبو صفوانَ عن عاصم بنِ سليمانَ الكوزيِّ عن ابنِ جريج
عن عطاءٍ عن ابنِ عباسٍ (إِذَا رَأَتْهم مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)
المكان البعيدُ، مسيرة مائة عامٍ، وذلكَ أنه إذا أُتيَ بجهنمَ تقادُ
بسبعينَ ألف زمام يشدُّ بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ، ولو تركتْ لأتتْ على
كُلِّ برٍ وفاجر، ثمَّ تَزفرُ زفرة لا يبقى قطرةٌ من دمع إلا بدرت.
ثم تزفرُ الثانيةُ فَتَتقَطِعُ القلوبُ من أماكنها تبلغُ اللهواتِ والحناجرَ
وهو قولُه: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ) .
وعاصم الكوزيُّ ضعيف جدًّا.
وقال الليثُ بنُ سعد عن عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفر: إنَّ جهنَّم لتزفرُ زفرةً
تنشقُّ منها قلوبُ الظلمةِ، ثم تزفرُ أخرى فيطيرونَ في الأرضِ حتى يقعُوا على
رؤوسِهِم.
خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ.
ورَوى أسدُ بنُ موسى عن إبراهيمَ بنِ محمد عن صفوانَ بنِ سليم عن
عطاءِ بنِ يسارِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بن العاصِ - مثلَه.
وخرجَ أبو نعيم وغير من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، قالَ: قالَ عمرُ - رضي الله عنه - لكعبِ: خَوِّفْنَا، قالَ: والذي نفسِي بيده؛ إن النارَ لتقربُ يومَ القيامة لها زفيرٌ وشهيقٌ، حتى إذا دنتْ وقربتْ زفرت زفرةً، ما خلقَ اللَّهُ من نبي ولا شهيدٍ إلا وجبَ لركبتيهِ ساقطا،