فصول الكتاب

سُورَةُ النَّمْلِ
قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
قال ابن الجوزي في "المقتبس " سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) .
قال: هذا من تمام برّ الوالدين.
كأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ
عز وجل، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليَقُوم
بما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرا.
***
قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا)
وقال ابنُ عيينةَ: "لا إله إلا اللَّهُ لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا".
وكذلكَ ترنُّمهم بالقرآنِ وسماعهُم لهُ، وأعلاه: سماعُه من اللَّهِ جلَّ جلالُه
وتقدستْ أسماؤُه، فأينَ هذا من تلاوةِ أهلِ الدنيا وذكرِهم؛ وأمَّا سائرُ
العباداتِ: فما كانَ منها فيه مشقةٌ على الأبدانِ فإنَّ أهلَ الجنةِ قد أُسقطَ ذلك عنْهم؛ وكذلكَ ما فيه نوعُ ذلٍّ وخضوع كالسجودِ ونحوهِ.

(2/59)

وأما ما في العباداتِ من النعيم الحاصلِ بها لأهلِ المعرفةِ في الدُّنيا، فإنَّه
يحصلُ في الجنةِ أضعافًا مع راحةِ البدنِ من مشقةِ التكليفِ التي في الدُّنيا
فتجتمعُ لهم راحةُ القلبِ والبدنِ على أكملِ الوجوهِ.
وهذا مثلُ الصلاةِ، فإن العارفينَ في الدُّنيا إنما يتنعمونَ بما فِيهَا منَ الناجاةِ
وآثارِ القربِ، وما يرِدُ عليهم من الوارداتِ في تلاوةِ الكتابِ ونحوِ ذلكَ من
نعيم القلوبِ، وربما يستغرقونَ به عن الشعورِ بتعبِ الأبدانِ فهذا القدرُ الذي
حصلَ لهم به التنعمُ في الدنيا يتزايدُ في الجنةِ بلا ريبٍ، لاسيَّما في أوقاتِ
الصلواتِ، فإنَّ أكملَهُم من ينظرُ إلى وجهِ اللَّهِ عز وجل كلَّ يومٍ مرتينِ، بكرةً وعشيةً، في وقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ، لمِا جاءَ في حديثِ ابنِ عمَر مرفوعا وموقوفًا، وإلى ذلك أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمحافظة على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِهِ رؤيةَ الربِّ سبحانَهُ في حديثِ جريرٍ البجلي.
فالنعيمُ الحاصلُ لأهلِ الجنَّةِ بالرؤيةِ والمخاطبةِ في هذينِ الوقتينِ أكملُ مما
كانَ حاصلاً في الدنيا، وكذلكَ صلاةُ الجمعةِ: فإنهم يجتمعونَ في وقتِها في
يومِ المزيدِ ويتجلَّى لهم سبحانَهُ ويحاضرُهم محاضرةً، وكذلكَ في العيدينِ.
فهذا؛ أكملُ مما كانَ يحصلُ لهم في الدنيا في صلاتِهِم من آثارِ القربِ
وحلاوةِ مع راحةِ البدنِ ونعيمهِ أيضًا.
فتبينَ بهذا أن نعيمَ الجنةِ أكملُ من نعيم

(2/60)

الدنيا مطلقًا، وسواءٌ في ذلكَ نعيمُ الأبدانِ بالأكلِ والشربِ والجماع، ونعيمُ
القلوبِ والأرواح بالمعارفِ والعلومِ والقربِ والاتصالِ والأنسِ والمشاهدةِ.
فظهرَ بهذا أن قولَهُ تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا) ، هو على
ظاهره من غيرِ حاجةٍ إلى تأويلٍ ولا تكلُّفٍ فإنَّ كثيرًا من المفسرينَ فسروا
الحسنةَ بكلمةِ التوحيدِ والجزاءَ عليهم بالجنةِ، ثم استشكلُوا تفضيلَ الجنَّةِ على
التوحيدِ، وبما ذكرناه يزولُ الإشكالُ.
ويتبين؛ أن التوحيدَ الذي في الجنةِ أكملُ من التوحيدِ الذي في الدنيا وهو
جزاءٌ له، وكذلكَ المعرفةُ والمحبةُ والشوقُ أيضًا، فقد جاءَ في بعضِ أحاديثِ
يومِ المزيدِ: أنَّهم ليسُوا إلى شيءٍ أشوقَ منهم إلى يومِ الجمعةِ، وسبب بهذا
الغلطِ الذي أشرنَا إليه من قولِ من قالَ:
إنَّ العارفينَ لا يشتاقونَ إلى اللَّهِ عز وجل في الدُّنيا لأنَّهم يشهدونهُ بقلوبِهِم حاضرًا، وتباشرُ قلوبَهُم أنوارُه ويتجلَّى لها فيستأنسونَ بِهِ ويطمئنونَ إليهِ. وهذا؛ وإنْ كانَ نُقِلً عن بعضِ السلفِ المتقدمينَ فهو أيضًا غلطٌ، ولعلَهُ صدرَ من قائِلهِ في حالِ استغراقهِ في مشاهدة ما شاهدَهُ فظنَّ أنه ليسَ وراءَ ذلك مطلبٌ، وهذا كما قالَ بعضُهم:
"إنه تمرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه، إنَّهم لِفي
عيشٍ طيب ".
ومعلومٌ أنَّ أهلَ الجنةِ في أضعافِ أضعافِ ما هو فيه من النعيم واللذةِ.
ولكنَّه لما استعظمَ ما حصلَ له من النعيم ظنَّ أنه ليس وراءَهُ شيءٌ، وعند
التحقيقِ يتبينُ أنَّ ما حصلَ في الدنيا للقلوبِ من تجلِّي أنوارِ الإيمان يدلُّ على
عظمةِ ما يحصلُ في الجنةِ، وليسَ بينهما نسبةٌ فيتزايدُ بذلكَ الشوقُ إلى ما
وراءَه، ولهذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يسألُ ربه الشوقَ إلى لقائِهِ، مع أنَّه أَكملُ الخلقِ مشاهدةً ومعرفةً، وكانَ يقولُ في الوصالِ:
"إني لستُ كهيئتكُمْ، إنِّي أظَل عِندَ ربِّي يُطعمُني ويسقِيني ".

(2/61)

ويشيرُ إلى ما تجلَّى لقلْبه من آثارِ القرب والأنسِ بما
يقوِّيةِ ويغذِّيهِ ويُغْنِيهِ عنِ الطعامِ والشرابِ. ً
* * *
وإنَّما شرعَ اللَهُ إقامَ الصَّلاةِ لذكرِه، وكذلكَ الحجَّ والطَّوافَ.
وأفضلُ أهلِ العباداتِ: أكثرهم للَّهِ ذكرًا فِيها، فهذا كلُّه ليسَ من الدنيا المذمومةِ، وهو المقصودُ من إيجادِ الدُّنيا، وأهلِها، كمَا قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) .
وقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ أنَّ ما يُوجدُ في الدنيا من هذه
العباداتِ أفضلُ ممَّا يُوجدُ في الجنَّة مِنَ النَّعيم، قالُوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حظُّ
العبدِ، والعباداتُ في الدُّنيا حقُّ الربِّ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد.
وهذا غلطٌ، ويقوِّي غلطهم قولُ كثيرٍ منَ المفسِّرين في قوله تعالى:
(مَن جَاءَ بِالحسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا) ، قالُوا: الحسنةُ: لا إله إلا اللَّه، وليس
شيء خيرًا منها. ولكن الكلام على التَّقديم والتَّأخير.
والمراد: فله منها خيرٌ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها.
والصَّوابُ: إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتابِ والسنةِ، أنَّ الآخرةَ خيرٌ
منَ الأُولى مطلقًا.
وفي "صحيح الحاكم " عن المُستوردِ بن شدَّادٍ، قالَ: كنَّا عندَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتذاكرُوا الدُّنيا والآخرةَ، فقالَ بعضُهم: إنَّما الدنيا بلاغٌ للآخرةِ، -