فصول الكتاب

سُورَةُ القَصَصِ
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ) ، وفي الآية التي تليها
(أَفَلا تبْصِرُونَ) ، قال: إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار
عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار.
ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل.
قال المبرد: سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لمَنْ آمَنَ) :
قال: إيثار

(2/65)

ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء، فمن كان هكذا فهو عالم.
ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم.
* * *
قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
مدحَ اللَّهُ تعالَى في كتابِه منْ لا يُريدُ العلوَّ في الأرضِ ولا الفسادَ، فقالَ:
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) .
وروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظر عن على - رضي الله عنه -، قالَ: إنَّ الرجلَ ليعجبهُ من شراكِ نعلهِ أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبهِ، فيدخلَ في قولهِ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) .
وكذا رُويَ عن الفضيلِ بنِ عياضٍ في هذه الآيةِ.
قالَ: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعلِ غيرِه، ولا شراكُهُ أجودَ مِنْ
شراك غيره.
وقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنه أرادَ الفخرَ على غيرِه لا مجرَّدَ
التجملِ، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرينَ في هذه الآيةِ: العلوُّ في الأرضِ:
التكبُّر، وطلبُ الشرفِ والمنزلةِ عندَ ذي سلطانِها.
والفسادُ: العملُ بالمعاصِي.
وقد وردَ ما يَدُلُّ على أنه لا يأثمُ مَنْ كره أن يفوقَه أحد من الناس في
الجمالِ، فخرَّج الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه - والحاكم في "صحيحهِ " من

(2/66)

حديث ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قالَ: أتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وعندُه مالكُ بنُ مرارةَ الرَّهاويُّ، فأدركتُه وهو يقولُ: يا رسول اللَّه، قد قُسمَ لي من الجمالِ ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من النَّاسِ فضلني بشِراكين فما فوقَهُما، أليسَ ذلكَ هو من البغي؟
فقالَ: "لا، ليسَ ذلك بالبغْي، ولكنَّ البغيَ مَنْ بطرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغمط الناسَ ".
وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معناه، وفي حديثه: " الكبرُ " بدل " البغى ".
فنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يفوقَهُ في الجمالِ بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبرَ
والبغيَ ببطرِ الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناعُ من قبوله كبرًا إذا خالفَ
هواهُ.
ومن هنا قالَ بعض - السلفِ: التواضعُ: أن تقبلَ الحقَّ من كلِّ من جاءَ به، وإن كانَ صغيرًا، فمن قبلَ الحقَّ ممَّن جاءَ به، سواءٌ كانَ صغيرا أو كبيرًا
وسواءٌ كان يحبُّه أو لا يحبُّه، فهو متواضعٌ، ومن أبى قبُولَ الحقِّ تعاظُمًا
عليه، فهو متكبِّرٌ.
وغمصُ الناسِ: هو احتقارُهم وازدراؤُهم، وذلك يحصُلُ
مِنَ النَّظرِ إلى النَّفسِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيرهِ بعينِ النَّقصِ.
* * *

(2/67)