فصول الكتاب

سُورَةُ السَّجْدَة
قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)
وقولُه تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِهِ) .
والمرادُ بالإنسانِ: آدمُ - عليه السلامُ -، ومعلوم أنَّ تسويتَهُ، ونفخَ الرُّوح فيهِ، كان قبلَ جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهينٍ، لكنْ لما كانَ المقصودُ ذكرَ قدرةِ اللهِ عزَ وجلٌ في مبدأ خلقِ آدمَ وخلقِ نسلِهِ، عطفَ ذكرَ أحدِهِما على الآخرِ، وأخَّر ذكرَ تسويةِ آدمَ ونفخ الروح فيه، وإن كانَ ذلك متوسطا بين خلقِ آدمَ من طينٍ وبينَ خلقِ نسلِهِ. واللهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
عنْ مُعاذ - رضي الله عنه - قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أخبرنِي بعمل يُدخلُنِي الجنَّةَ ويُباعِدُنِي منَ النَّارِ.

(2/83)

قالَ: "لقدْ سألتَ عنْ عظيمٍ، وإنهُ ليسيرٌ على من يسرهُ اللَّه عليه:
تعبدُ الله لا تُشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتِي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ ".
ثُمَّ قالَ: "ألا أدُلكَ على أبوابِ الخيرِ؛ الصَّومُ جُنَّة والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جوفِ الليلِ، ثُمَّ تَلا:
(تَتَجَافَى جُنُوبهمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حتى بلغ: (يَعْمَلُونَ) ".
ثم قالَ: "ألا أخبرُكَ برأسِ الأمرِ وعمودِه وذروةِ سنامِه؟ ".
قُلتُ: بلى يا رسولَ الله.
قال: " رأسُ الأمرِ: الإسلامُ، وعمودُهُ: الصلاةُ، وذروةُ سنامِهِ: الجهادُ ".
ثُمَّ قالَ: "ألا أُخبركَ بملاكِ ذلكَ كلِّهِ؟ ".
قُلتُ: بلى يا رسولَ اللَّه.
فأخذَ بلسانهِ، قالَ: "كُفَّ عليكَ هذَا".
قُلتُ: يا نَبِيَّ الله، وَإِنَّا لمؤُاخذُونَ بما نتكلَّمُ بهِ؟.
فقال: "ثكلتْكَ أُمُّكَ، وهل يكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وجوهِهِم، - أوْ على
مناخرهِم - إلا حصائِدُ ألسنتهِم ".
رواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسن صحيحٌ.
هذا الحديثُ، خرَّجَه: الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ.
من روايةِ معمرٍ، عن عاصم بنِ أبي النجودِ، عن أبي وائلٍ، عن مُعاذِ بنِ
جبلٍ، وقالَ الترمذيُّ: "حسنٌ صحيح".

(2/84)

وفيما قالهُ - رحمه اللَّهُ - نظر من وجهينِ:
أحدهما: أنَه لم يثبتْ سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركهُ بالسِّنِّ.
وكانَ معاد بالشام، وأبو وائلٍ بالكوفةِ، وما زالَ الأئمةُ - كأحمدَ وغيرِه -
يستدلُّون على انتفاءِ السّماع بمثلِ هذا، وقد قال أبو حاتمٍ الرازىُّ في سماع أبي وائل من أبي الدرداءِ: قد أدركهُ، وكان بالكُوفةِ، وأبو الدُّردَاءِ بالشامِ - يعني: أنه لم يصحَّ له سماع منهُ.
وقد حكَى أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ عن قومٍ أنهم توقَّفُوا
في سماع أبي وائل من عمرَ، أو نفوه، فسماعُه من معاذ أبعدُ.
والثاني: أنَّه قد رواهُ حمَّادُ بنُ سلمةَ عن عاصمٍ بنِ أبي النَّجودِ عن شهرِ
ابن حوشب عن معاذ، خرَّجه الإمامُ أحمدُ مختصرًا، قال الدارقطني:
وهو أشبهُ بالصَّوابِ؛ لأنَّ الحديثَ معروف من رواية شهر على اختلافٍ عليه
قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقهِ
وتضعيفه.
وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةِ شهرٍ عن عبدِ الرحمنِ بن غنمٍ
عن معاذ.
وخرَّجه الإمامُ أحمدَ - أيضا - من روايةِ عُروة بن النزال - أو النزالِ
ابنِ عروةَ -، وميمونِ بنِ أبي شبيب، كلاهما: عن معاذ. ولم يسمعْ عروةُ
ولا ميمونُ من معاذٍ.
وله طرق أخرى عن معاذٍ كلُّها ضعيفة.
وقولُه: "ثم تلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) .
يعني: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تلا هاتينِ الآيتينِ عندَ ذكرِه فضلَ صلاةِ الليلِ، ليبيِّنَ بذلكَ فضلَ صلاةِ الليلِ.

(2/85)

وقد رُويَ عن أنسٍ أن هذه الآيةَ نزلتْ في انتظارِ صلاةِ العشاءِ.
خرَّجه الترمذيُّ وصححه.
ورُويَ عنه أنه قالَ في هذه الآيةِ: كانُوا يتنفلونَ بينَ المغربِ والعشاءِ.
خرَّجه أبو داود.
ورويَ نحوُه عن بلالٍ، خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيف.
وكلُّ هذا يًدخلُ في عمومِ لفظِ الآيةِ، فإنَّ اللَّهَ مدحَ الذين تتجافَى جنوبُهم
عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلكَ كل من تركَ النَّومَ بالليلِ لذكرِ اللَهِ ودُعائهِ، فيدخلُ فيه مَن صلًّى بينَ العشاءينِ، ومن انتظرَ صلاةَ العشاءِ فلم ينَمْ حتَّى يُصلِّيَهَا، لاسيَّما مع حاجتِهِ إلى النومِ ومجاهدةِ نفسهِ على تركهِ لأداءِ
الفريضةِ، وقد قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاءِ: "إنَّكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاةَ".
ويدخلُ فيه من نامَ ثمَّ قامَ مِن نومه باللَّيلِ للتهجُّد، وهو أفضلُ أنواع
التطوع بالصلاةِ مطلقًا.
وربما دخلَ فيهِ من تركَ النوم عندَ طلوع الفجرِ، وقامَ إلى أداء صلاةِ
الصُّبح، لاسيما مع غلبةِ النَّوم عليهِ، ولهذا يُشرعُ للمؤذِّن في أذانِ الفجرِ أن
يقولَ في أذانهِ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"وصلاةُ الرَّجُلِ من جوفِ الليلِ "
ذكرَ أفضلَ أوقاتِ التهجُّدِ بالليلِ، وهو جوفُ الليلِ.
وخرَّج النسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ أبي أمامةَ،