فصول الكتاب

سُورَةُ الأحْزَاب
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)
كانت مجالسُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه عامتُها مجالسَ تذكيرٍ باللَّهِ وترغيبٍ وترهيبٍ، إمَّا بتلاوةِ القرآنِ، أو بما آتاهُ اللَّه من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفعُ في الدِّين، كما أمَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه أن يذكِّرَ ويعِظَ ويقُصَّ، وأن يدعوَ إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشَر ويُنذرَ، وسمَّاه اللَّهُ: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) .
والتبشير والإنذارُ هو الترغيبُ والترهيبُ، فلذلك كانتْ تلك المجالسُ
توجبُ لأصحابِهِ رقَّةَ القلوبِ والزهُدَ في الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)
و"الجِلْباب ": قال ابن مسعودٍ ومجاهدٌ وغيرُهما: هو الرِّداءُ، ومعنى ذلك:
أنه للمرأة كالرداءِ للرجلِ، يسترُ أعلاها، إلا أنه يُقَنِّعُها فوقَ رأسِهَا، كما

(2/90)

يضعُ الرجلُ رداءَه على منْكِبَيْه.
وقد فسَّر عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ قولَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ)
: بأنها تُدنيه من فوقِ رأسِهَا، فلا تُظْهِر إلا عَيْنَها، وهذا كانَ بعد
نزولِ الحجابِ، وقد كُنَّ قبلَ الحجابِ يَظهرن بغيرِ جلبابٍ، ويُرى من المرأةِ
وجهُها وكَفَّاها، وكان ذلك ما ظهرَ منها من الزينة في قولِهِ عزَّ وجلَّ:
(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .
ثم أُمِرَتْ بستْرِ وجهِها وكفيها، وكان الأمْرُ بذلك مختصًا بالحرائرِ دونَ
الإماءِ، ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) .
يعني: حتى تُعرفَ الحرةُ فلا يتَعَرَّضُ لها الفُسَّاقُ، فصارتِ المرأةُ الحرةُ لا تخرج
بين الناسِ إلا بالجلبابِ، فلهذا سُئل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما أمَرَ النساءَ بالخروج في العيدين، وقيل له: المرأةُ منا ليسَ لها جلبابٌ؟
فقال: "لتُلبسْها صاحبتُها من جلبابها" يعني: تُعِيرُها جلبابًا تخرجُ فيه.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)
خرَّج البخاريُّ من حديثِ: مَعْمَر، عنْ همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عن أبي هريرة عن
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:
"كان بنو إسرائيل يغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينظرُ بعضُهُم إلى بعضٍ، وكان
مُوسى - عليه السلامُ - يَغْتسلُ وحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ، ما يمنع مُوسَى أنْ يغْتَسِلَ معنا، إلا أنَّهُ آدَرُ،

(2/91)

فذهبَ مرَّة" يغتسلُ، فوضعَ ثوبَهُ على حَجَرٍ، ففر الحجَرُ بثَوْبِهِ، فخَرَجَ مُوسَى في إثْرِه، يقولُ: ثَوْبَي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حجرُ، حتَّى نظرتْ بَنُو إسرائيل إلى مُوسى، فقالوا: واللًّه، ما بمُوسَى بأسٌ، وأخَذَ ثوْبَهُ، فطَفِقَ بالحَجَرِ ضرْبًا".
قالَ أبو هريرة: واللَّهِ، إنَّهُ لندَبٌ بالحَجَرِ - ستَّةٌ أوْ سبْعَةٌ - ضربًا بالحَجَرِ.
وعن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ: "بيْنَا أيُّوبُ - عليهِ السلامُ - يغْتَسِلُ عُرْيَانًا فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذَهَبٍ، فجعل أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثوبهِ، فناداهُ ربُّه: يا أيُّوبُ، ألم أكُنْ أغْنَيتُك عمَّا تَرى؟
قال: بلى وعِزتكَ، ولكنْ لا غِنَى بي عنْ بَرَكتِكَ".
ورواه إبراهيمُ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن صفْوَانَ بنِ سُلَيْم، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلامُ - يغْتَسِلُ عُرْيَانًا ".
وخرَّجَ البخاريُّ في "أخبار الأنبياءِ" من "صحيحِهِ " هذا قصةَ موسى -
عليه السلامُ - من وجهٍ آخر، من روايةِ عوف، عن ابنِ سيرينَ والحسنِ
وخلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"إنَّ موسى - عليه السلام - كان رجلاً حيِيًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء، استحياءً منه، فآذاه من آذَاه من بني إسرائيل، فقالوا:
ما يستترُ هذا السترَ إلا من عيب بجلدِهِ، إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه أرادَ أن يُبرَئه، فخلا يومًا وحدَه، فوضعَ ثيابَه على الحَجَرِ، ثم اغتسلَ، فلما فرغَ أقبلَ إلى ثيابِهِ، ليأخذها، وإن الحجرَ عدا بثوبِهِ، فأخذَ موسى عصاهُ، وطلبَ الحجرَ، فجعلَ يقولُ: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملإِ بني إسرائيلَ، فرأوْهُ عُريانًا، أحسنَ ما خلَقَ اللهُ،

(2/92)

وأبرأهُ اللَّه مما يقولونَ، وقامَ الحجرُ، فأخذَ ثوبَهُ فلبسَهُ، وطفقَ بالحجر ضربًا - ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -، فذلك قولُهُ تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) .
"الأدرةُ": انتفاخُ الخصيةِ.
و"الندبُ ": الأثرُ الباقي في الحجرِ، من ضربِ موسى - عليه السلامُ - له.
قال الخطابيُّ: وفيه من الفقهِ: جوازُ الاطلاع على عوراتِ البالغينَ، لإقامة
حقًّ واجبٍ كالختانِ ونحوه.
قلتُ: هذا فيه نظرٌ " فإن موسى - عليه السلامُ - لم يقصدِ التعرِّي عندَ بني
إسرائيل " لينظرُوا إليه، وإنَّما قدَّر اللَّهُ له ذلك حتى يبرئَه عندهم مما آذوْه به.
وقد يقالُ: إنَّ اللَّهَ لا يقدِّرُ لنبيِّه ما ليسَ بجائزٍ في شرعِهِ.
وأما الاستدلالُ به على جوازِ الاغتسالِ في الخلوةِ عُريانًا، فهو مبنيٌّ على
القولِ بأن شرعَ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يأتِ شرْعُنا بخلافِهِ.
وقد استدلَّ بهذا على جوازِ الغسلِ في الخلوةِ عُريانًا: إسحاقُ بنُ راهويه -
أيضًا -، وذكر أنه وإنْ كان شرعَ من قبلنا، إلا أنه لم يردْ شرعُنا بخلافِهِ.
وقد يمنعُ هذا من يقولُ: قد ورد شرعُنا بالتسترِ في الخلوةِ - أيضًا -.
وسيأتي بيانُ ذلك في البابِ الآتي - إن شاء اللَّه تعالى.
وقد روى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال: "إنَّ موسى بنَ عمران - عليه السلامُ - كان إذا أراد أن يدخلَ الماءَ لم يُلقِ ثوبَهُ، حتى يواريَ عورتَهُ في الماء".