فصول الكتاب

سُورَةُ فَاطِرٍ
قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)
قال ابنُ الجَوزِي فِي "المُقتَبَسِ ": سَمِعتُ الوَزير يقولُ في قَولِهِ تَعالى
(اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) .
قالَ: فَطَلَبتُ الفِكرَ في المُناسَبَةِ بَين ذكْرِ النِّعمَةِ وَبَين قوله تعالى:
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، فرأيت أنَّ كُلَّ نعمة ينالها العبدُ فاللًّه خالقُها، فقد أنعمَ بخلقه لتلك النعمة، وَبِسَوقِهَا إلى المُنعَم عليه. ً
* * *
قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)
وقولُهُ: "والطيباتُ "، فُسرتْ بالكلماتِ الطيباتِ، كما في قولِهِ تعالى:
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) ، فالمعنى: إنَّ ما كان من الكلامِ فإنَّه للَّه.
يُثنَى به عليه ويُمجَّدُ به.
وفُسرتِ "الطيبات " بالأعمال الصالحة كلِّها، فإنها توصفُ بالطيّب.
فتكونُ كلُّها للَّه، بمعنى: أنه يُعبدُ بها ويُتقرت بها إليه.
* * *

(2/95)

قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)
أما سماعُ الموتى لكلامِ الأحياءِ: ففي "الصحيحينِ " عن أنسٍ، عن أبي
طلحةَ، قال: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ وظهرَ عليهم رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ ببضعةٍ وعشرينَ رجلاً، وفي رواية أربعةً وعشرينَ رجلاً من صناديدِ قريشٍ، فألقُوا في طوىً من أطواءِ بدرٍ، وإنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نادَاهم قالَ: "يا أبا جهلِ بنَ هشامٍ، يا أميَّة بنَ خلفٍ، يا عتبةَ بنَ ربيعةَ، يا شيبةَ بنَ ربيعةَ، أليسَ قدْ وجدتُم ما وعدَ ربُّكم حقًّا؟
فإنِّي قد وجدتُ ما وعدنِي ربِّي حقَّا"
فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّه ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواحَ فيها، فقال: "والذي نفسِي بيدِهِ ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم ".
وفي "صحيح مسلم" من حديث أنسٍ نحوُهُ من غيرِ ذكرِ أبي طلحةَ.
وفي حديثِهِ قال:
"والذي نفسِي بيدِهِ، ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم، ولكنهم لا
يقدرونَ أن يجيبُوا".
وفيه - أيضًا - عن أنسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه القصة بمعناها.
وفي "الصحيحينِ " عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما -، قال: اطَّلع رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على أهلِ القَليبِ، فقالَ:
"وجدتُم ما وعدَكُم حقًّا؟ "
فقيلَ له: أتدعُو أمواتًا؟
قال: "ما أنتُم بأسمعَ منهم، ولكنَّهم لا يجيبون "
وفي روايةٍ قالَ: "إنهم الآنَ يسمعونَ ما أقولُ ".
وقد أنكرتْ عائشةُ - رضي الله عنها - ذلك، كما في "الصحيحينِ "

(2/96)

عن عروةَ، عن عائشة - رضي الله عنها -، أنها قالتْ: ما قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنهم ليسمعونَ الآنَ ما أقولُ ".
وقد وهِمَ - يعني ابن عمرَ - إنما قال: "إنهم ليعلمونَ الآنَ ما كنتُ أقولُ لهُم إنه حقٌّ " ثم قرأت قولَه: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) .
(وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي الْقُبورِ) .
وقد وافقَ عائشةَ على نفي سماع الموتى كلامَ الأحياءِ طائفة من العلماءِ.
ورجَّحَهُ القاضي أبو يعْلى من أصحابِنا، في كتابِ "الجامعِ الكبيرِ" له.
واحتجّوا بما احتجتْ به عائشةُ - رضي الله عنها -، وأجابُوا عن حديثِ قليبِ بدرٍ بما أجابتْ به عائشة - رضي الله عنها - وبأنه يجوزُ أن يكونَ ذلك معجزةً مختصةً بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
دون غيرِهِ، وهو سماعُ الموتى لكلامِهِ.
وفي "صحيح البخاريِّ " عن قتادةَ قالَ: أحياهُم اللَّهُ تعالى يعني أهلَ
القليبِ حتى أسمعَهُم قولَه، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.
وذهب طوائفُ من أهلِ العلم إلى سماع الموتى في الجملةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره، ويعني بالطبريِّ: ابنَ جريرٍ، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ، وهؤلاءِ يحتجونَ بحديثِ القليبِ، كما سبق، وليسَ هو بوهم ممن رواه، فإن عمرَ وأبا طلحةَ وغيرَهما ممن شهدَ القصةَ حكاه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وعائشةُ لم تشهدْ ذلك، وروايتُها عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ: "إنهم ليعلمونَ الآنَ أن ما كنتُ أقولُ لهم حق" يؤيد روايةَ من رَوى: "إنهم ليسمعون "، ولا ينافيه، فإن الميتَ إذا جازَ أن يعلمَ جازَ أن يسمعَ، لأنَّ الموتَ ينافي العلمَ، كما ينافي

(2/97)

السمعَ والبصرَ، فلو كان مانِعًا من البعضِ لكانَ مانعًا من الجميع.
وروى أبو الشيخ الأصبهانيُ بإسناده عن عبيدِ بنِ مرزوق، قالَ: كانتِ
امرأة بالمدينةِ يقالُ لها: أمُّ محجنٍ، تقمُّ المسجدَ، فماتتْ، فلم يعلمْ بها النبيُّ
- صلى الله عليه وسلم - فمرَّ على قبرِها، فقال: "ما هذا القبرُ؟ "
فقالوا: قبرُ أمِّ محجنٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"التي كانتْ تقمُّ المسجدَ؟ "
قالوا: نعم، فصفَّ الناسَ وصلَّى عليها، ثم قالَ:
"أيَّ العملِ وجدتِ أفضل؟ "
قالوا: يا رسولَ اللَّهَ أتسمع؟
قالَ: "ما أنتم بأسمعَ منها".
فذكرَ أنها أجابتْهُ، قَمُّ المسجدِ، وهذا مرسل.
وأمَّا أنَّ ذلك خاصّ بكلامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فليسَ كذلكَ، وقد ثبت في الصحيحينِ عن أنسٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبر وتولَّى عنه أصحابُهُ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم "، وقد سبقَ ذكرُهُ، وسنذكر الأحاديثَ الواردةَ بسماع الموتى سلامَ من يسلِّمُ عليهم فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
وأما قولُهُ تعالى: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) .
وقولُه: (وَمَا أَنتَ بِمسْمِعٍ من فِي الْقُبُورِ) فإنَّ السماعَ يطلقُ ويرادُ به إدراكُ
الكلامِ وفهمُهُ، ويرادُ به أيضًا الانتفاعُ به، والاستجابة لهُ، والمرادُ بهذه الآية.
نفيُ الثاني دون الأولِ، فإنَّها في سياقِ خطابِ الكفَّارِ الذينَ لا يستجيبونَ
للهُدى ولا للإيمانِ إذا دُعوا إليه، كما قالَ اللَّهُ تعالى:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) ، الآيةُ في نفي السماع والإبصارِ عنهم، لأنَّ الشيءَ
قد ينفى لانتفاءِ فائدتِهِ وثمرتِهِ، فإذا لم ينتفع المرءُ بما سمعَهُ وأبصرَهُ،