فصول الكتاب

سُورَةُ (ص)
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)
خرَّج الإمامُ أحمد رحمه اللَّه تعالى منْ حديثِ معاذِ بنِ جبلٍ - رضي الله عنه - قال:
"احتبسَ عنَّا رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذاتِ غداةٍ في صلاةِ الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمسِ، فخرج رسولُ اللَهِ - صلى الله عليه وسلم - سريعًا، فثوَّبَ بالصلاةِ وصلَّى وتجوَّزَ في
صلاته، فلما سلَّم قال: "كما أنْتُم على مَصَافِّكم " ثم أقبلَ إلينا فقال:
"إني سأحدَثكُم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ مِنَ الليلِ فصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ فإذا أنا بربِّي عزَّ وجلَّ في أحسنِ صورةٍ فقال: يا محمدٌ أتدري فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.
قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصم الملأُ الأعلى؟.
قلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصمُ الملاُ الأعلى؟.
قلتُ: لا أدري ربِّ فرأيتُهُ وضعَ كفَّه بينَ كتفي حتى وجدتُ بَرَدَ أنامِلِهِ في صدرِي وتجلَّى لي كل شيءٍ وعرفتُ.
فقال: يا محمد فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.
قلتُ: في الكفَّاراتِ والدرجاتِ، قال: وما الكفَّاراتِ؟.
قلتُ: نقْلُ الأقدام إلى الجمعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وإسباغُ الوضوءِ عند الكريهاتِ، قال: وما الدرجاتُ؟.
قلتُ: إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام، والصلاةُ والناسُ نيامٌ.
قال: سَلْ؟.
قلتُ: اللَّهُمَ إني أسْألكَ إطعامُ الطعام، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ والناسُ نيامٌ، قال: سَلْ؟
قلت: قلتُْ اللَّهم إنِّي

(2/148)

أسْألكَ فِعْلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي وترْحمني، وإذا أردتَ فتنة في قومٍ فتوفَّني غيرَ مفتونٍ، وأسألك حبَكَ وحبَّ مَن يحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقَرّبُني إلى حبِّكَ "
وقال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها حقٌّ فادْرسوها وتعقَمُوها"
وخرَّجَه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال: وسألتُ محمدَ بنِ إسماعيلِ البخاريَّ عَنْ هذا؟
فقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قلتُ: وفي إسنادِهِ اختلافٌ، وله طرقٌ متعددةٌ، وفي بعضها زيادةٌ وفي
بعضها نُقصانٌ، وقد ذكرتُ عامةَ أسانيدِهِ وبعضَ ألفاظه المختلفةِ في كتابي
"شرح الترمذي "، وفي بعض ألفاظه عند الإمامِ أحمدَ، والترمذي أيضًا:
"المشيُ على الأقدام إلى الجماعاتِ " بدل: "الجُمُعات " وفيه أيضًا عندهما بعد ذكْر الكفَّاراتِ زيادةُ: "ومَنْ فعلَ ذلك عاشَ بخير، وماتَ بخير، وكان مِنْ خطيئتِهِ كيوم ولدتْه أُمُّهُ "، وفيه أيضًا عندهما: " والدرجاتُ إفشاءُ السلام" بدل: (الين الكلا أ"
وفي بعض رواياتِهِ: "فعلمتُ ما في السماءِ والأرضِ، ثم تلا: (وَكَذَلِكَ نرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) "
وفي رواية أخرى:
"فتجلَّى لي ما بيْنَ السماءِ والأرضِ ".
وفي رواية: "ما بيْنَ المشرقِ ".
وفي بعضها زيادة في الدعاء وهي: "وتتوب عليَّ ".
وفي بعضِها: "إسباغُ الوضوءِ في السبراتِ "
وفي بعضها: "وقال: يا محمد إذا صليتَ، فقُلْ: اللَهُمَّ إني أسألك فِعْلَ
الخيراتِ " فذكره.
والمقصودُ هنا شرحُ الحديثِ وما يُستنبطُ منه مِنَ المعارفِ والأحْكامِ وغيرِ
ذلك.
ففي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من عادتِهِ تأخيرُ صلاةِ

(2/149)

الصبح إلى قريبِ طلوع الشمسِ، وإنَّما كانتْ عادتُهُ التغليسَ بها، وكان
أحيانًا يُسْفرُ بها عند انتشارِ الضوءِ على وجهِ الأرض، وأما تأخيرُها إلى قريبِ
طلوع الشمسِ فلم يكنْ مِنْ عادتِهِ، ولهذا اعتذرَ لهم عَنْهُ في هذا الحديث.
وقد قيل: إن تأخيرَها إلى هذا الإسْفارِ الفاحشِ لا يجوزُ لغيرِ عذرٍ، وأنَّه
وقتُ ضرورةٍ، كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمسِ وهو قولُ القاضي من
أصحابِنا في بعضِ كتبه، وقد أوَمأ إليه الإمامُ أحمدُ وقال: هذهِ صلاةُ مفرط.
إنَّما الإسْفارُ أن ينتشرَ الضوءُ على الأرضِ.
وفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ من أخرَ الصلاةَ إلى آخر الوقتِ لعذرٍ أو غيره
وخافَ خروجَ الوقتِ في الصلاةِ إنْ طَوَّلها أنْ يخففها حتَّى يُدْركها كُلَّها في
الوقتِ.
وأمَّا قولُ أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - لمَّا طوَّل في صلاةِ الفجرِ وقرأ بالبقرةِ فقيل له: كادت الشمسُ أنْ تطلعَ، فقال: لو طلعتْ لم تجدْنَا غافلين، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يتعمَّدِ التأخيرَ إلى طلوع الشمسِ ولا أنْ يمدَّها ويُطيلها حتَّى تطلعَ الشمسُ؛ لأنه دخلَ فيها بغلسٍ، وأطالَ القراءةَ، وربما كان قد استغرقَ في تلاوتِهِ، فلو طلعتِ الشمسُ حينئذٍ لم يضرَّه، لأنه لم يكنْ متعمدًا لذلك.
وهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى صحةَ الصلاةِ لمن طلعتْ عليه الشمس وهو في صلاتِهِ كما أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منْ طلعت عليه الشمسُ وقد صلَّى ركعة من الفجرِ أنْ يُضيفَ إليها أُخرى.
وفي حديثِ معاذ دليل على أنَّ من رأى رُؤيا تَسُرُه فإنه يقَصُهُّا على
أصحابِهِ وإخوانه المُحبينَ له، ولا سِيَّما إنْ تضمنتْ رُؤياه بشارةً لهم وتعليمًا

(2/150)

لما ينفعهم، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا صلَّى الفجرَ يقولُ لأصحابِهِ: "من رأى منكم الليلة رؤيا"
وفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتَّى رأى رؤيا
تَسُرُّه، فإنَّ في ذلك بُشْرى له.
وفي "مراسيلِ الحسنِ ":
"إذا نام - العبدُ وهو ساجدٌ باهى اللَّهُ الملائكةَ يقول: يا ملائكتي انظرُوا إلى عبدِي، جسَدُهُ في طاعتِي وروحُهُ عندي "
وفيه دلالةٌ على شرفِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
وتفضيلِهِ بتعليمِهِ ما في السماواتِ والأرضِ، وتجلَّى ذلك له مما تختصمُ فيه الملائكةُ في السماء وغير ذلك كما أُري إبراهيمُ ملكوتَ السماواتِ.
وقد وردَ في غيرِ حديثٍ مرفوعًا، وموقوفًا أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أعْطِي عِلْمَ كلِّ شيءٍ خلا مفاتيح الغيبِ الخمسِ التي اختصَّ اللَّهُ عزَّ
وجلَّ بعلمِها، وهي المذكورةُ في قولِهِ عزَّ وجل: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) .
وأمَّا وصفُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لربِّه عزَّ وجلَّ بما وصفَهُ به فكُل ما وصف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ربَّه عزَّ وجلَّ به فهو حقٌّ وصدق يجبُ الإيمانُ والتصديقُ به كما وصفَ الله عزَّ وجلَّ به نفْسَهُ، مع نَفْي التمثيل عنه، ومَنْ أشكِلَ عليه فهْمُ شيءٍ مِنْ ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدحَ اللَهُ تعالى به الراسخينَ في العلم وأخبرَ عنهم أنهم عند المتشابه (آمَنا بِهِ كلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا) ، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن:
"وما جهلتُمْ منه فَكِلُوهُ إلى عالِمِه "
خرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ وغيرُهُما.
ولا يتكلَّفُ ما لا عِلْمَ له به، فإنه يخشى عليه مِنْ ذلك الهلكة.