فصول الكتاب

سُورَةُ الزُّمَر
قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)
قالَ تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
والصبرُ ثلاثةُ أنواع: صبرٌ على طاعةِ اللَّهِ، وصبْرٌ عن محارمِ اللَّهِ، وصبرٌ
على أقدارِ اللَّهِ المؤلمةِ. وتجتمعُ الثلاثةُ كلُّها في الصوم،؛ فإنَّ فيه صَبرًا على
طاعةِ اللَّهِ، وصَبرًا عمَّا حرَّمَ اللَّهُ على الصائم من الشَّهواتِ، وصبرًا على ما
يحصُلُ للصَّائم فيه من ألم الجوع والعطشِ، وضعْفِ النفسِ والبدنِ.
ثبتَ في "الصحيحين "
عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له؛ الحسَنةُ بعشْرِ أمثالها إلي سبعمائةِ ضِعفٍ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصَّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزِي به، إنَه تَرَكَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي. للصائم فرحتانِ: فَرْحَةٌ عند فطرِه، وفَرْحَةٌ عند لقاءِ ربَّهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ".
وفي روايةٍ "كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فإنَّه لي "
وفي رواية للبخاريِّ
"لكلِّ عملٍ كَفَّارةٌ، والصَّوم لي وأنا أجزي به ".
وخرَّجهُ الإمامُ أحمد من هذا الوجهِ، ولفظهُ:
"كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له كفارةٌ إلا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أَجْزِي به "
فعلى الروايةِ الأولى: يكونُ استثناءُ الصومِ من الأعمالِ المُضَاعَفَةِ، فتكونُ
الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعَشرِ أمثالهِا إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلا الصيامَ

(2/222)

فإنَّه لا ينحصِرُ تضعيفُه في هذا العددِ، بل يُضاعِفُه اللَّهُ عزَّ وجلَّ أضعافًا كثيرةً بغير حَصْرِ عددٍ؛ فإنَّ الصيامَ من الصَّبرِ.
ولهذا وَرَدَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصبر وفي حديثٍ آخرَ عنه - صلى الله عليه وسلم -، قالَ:
"الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ"
خرَّجهُ الترمذيُ.
وهذا الألمُ الناشئُ من أعمالِ الطَّاعَاتِ يُثابُ عليه صاحبُه، كما قالَ اللَّهُ
تعالى في المجاهدينَ: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) .
وفي حديثِ سلمانَ المرفوع الذي أخرَجَهُ ابنُ خُزيمةَ في "صحيحِهِ " في فضلِ شهرِ رمضانَ
"وهو شهرُ الصَّبرِ، والصَّبْرُ ثوابُه الجَنَّةُ ".
وفي الطبراني عن ابنِ عُمَرَ مرفوعا:
" الصيامُ لله لا يَعْلَمُ ثَوابَ عملهِ إلا اللَهُ عزَّ وجلَّ ".
ورُوي مرسلاً وهو أصحُّ.
* * *
قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)
وأما سعةُ جهَنم طولاً وعرْضًا، فروى مجاهد عن ابنِ عباسٍ، قالَ:
أتدرونَ ما سعةُ جهنَم؟
قلنا: لا، قالَ: أجلْ واللَّهِ ما تدرونَ أنَّ ما بينَ شحمةِ

(2/223)

أذنِ أحدِهم وأنفِهِ مسيرةُ سبعينَ خريفًا تجري في أوديةُ القيح والدمِ.
قلنَا: أنهار؟
قال: لا، بل أوديةٌ، ثمَّ قالَ: أتدرونَ ما سعةُ جهنَّمَ؟
قلنا: لا، قالَ: حدثتنِي عائشةُ أنها سألتْ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى:
(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) .
فأين الناسُ يومئذٍ؟
قال: "على جسر جهنَّم"
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وخرجَ النسائيُّ والترمذيُّ منه المرفوعَ وصححهُ الترمذيُّ وخرَّجهُ الحاكمُ وقالَ صحيحُ الإسنادِ.
* * *
وقالَ - أي ابن الجوزي -: كانَ أبو القاسم بنِ السَّمرقندي يقولُ: إنَّ أبا
بكر بنَ الخاضبةِ كانَ يُسَمِّي ابنَ الفاعوسِ الحجَريَّ؛ لأته كانَ يقولُ: الحجرُ
الأسودُ يمينُ اللهِ حقيقةً.
قلت: إنْ صحَّ عن ابنِ الفاعوسِ أنَّه كانَ يقولُ: الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّهِ
حقيقةً، فأصلُ ذلكَ: أنَّ طائفَةً من أصحابنا وغيرِهم نَفوا وقُوعَ المجاز في
القرآنِ، ولكنْ لا يعلمُ منهم مَن نفَى المجاز في اللُّغةِ كقولِ أبي إسحاقَ
الإسفرائيني. ولكنْ قد يسمعُ بعضُ صالحِيهم إنكارَ المجازِ في القرآنِ، فيعتقدُ
إنكارَهُ مطلقًا.
ويؤيدُ ذلكَ: أنَّ المُتبادرَ إلى فهم أكثرِ النَّاسِ مِن لفظِ الحقيقةِ والمجازِ:
المعَاني والحقائقُ دونَ الألفاظِ.

(2/224)

فإذَا قيلَ: "إن هذا مجاز" فهمُوا إنَه ليسَ تحتَه معنى، ولا له حقيقة.
فينكرونَ ذلك، وينفِّرون منه.
ومن أنكرَ المجازَ من العلماءِ فقدْ ينكرُ إطلاقَ اسم المجاز؛ لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصيرَ ذريعةً لمن يريدُ حقائقَ الكتابِ والسنةِ ومدلولاتِهمَا.
ويقولُ: غالبُ من تكلمَ بالحقيقةِ والمجاز همُ المعتزلةُ ونحوهم من أهلِ
البدع وتطرقُوا بذلكَ إلى تحريفِ الكلم عن مواضعِهِ، فيمنعُ من التسميةِ
بالمجاز، يجعلُ جميع الألفاظِ حقائقَ، ويقولُ: اللَّفظُ إن دل بنفسه فهو
حقيقة لذلكَ المعنى، وإن دلَّ بقرينةٍ فدلالتُه بالقرينةِ حقيقة للمعنى الآخرِ.
فهو حقيقة في الحالينِ.
وإن كانَ المعنى المدلولُ عليه مختلفًا فحينئذٍ يُقَالُ: لفظ اليمينُ في قولِه سبحانَه وتعالى: (وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ) حقيقة.
وهو دالٌّ على الصفةِ الذاتيةِ.
ولفظُ اليمينِ في الحديثِ المعروفِ:
"الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ.
فمنْ صافَحهُ فكأنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ عز وجل.
وقيلَ: يمينُه يُرادُ به - مع هذهِ القرائنِ المحتفة بهِ - محلُّ الاستلام والتقبيل.
وهو حقيقةٌ في هذا المعنى في هذه الصورةِ، وليسَ فيه ما يُوهم الصفَة الذاتية
أصلاً، بل دلالتُه على معناه الخاصِ قطيعة لا تحتملُ النقيضَ بوجهٍ، ولا
تحتاج إلى تأويل ولا غيرهِ.
وإذا قيلَ: فابنُ الفاعوسِ لمْ يكن من أهلِ هذا الشأنِ - أعني: البحثَ عن
مدلولاتِ الألفاظ؟
قيلَ: ولا ابنُ الخاضبة كانَ من أهلِه، وإن كانَ محدِّثًا.
وإنَّما سمعَ من ابنِ الفاعوسِ،