فصول الكتاب

سُورَةُ الدُّخَانِ
قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)
وقد رُوي عن عكرمةَ وغير من المفسِّرين في قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) .
أنَّها ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ.
والجمهورُ على أنَّها ليلةُ القدْرِ، وهو الصحيحُ.
وقال عطاءُ بنُ يسارٍ: إذا كان ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ دُفعَ إلى ملكِ الموتِ
صحيفةٌ، فيُقالُ: اقبض من في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العبدَ ليَغْرِسُ الغِرَاسَ.
وينكحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإن اسمَه قد نُسِخَ في الموتى ما ينتظرُ به
ملَكُ الموتِ إلا أن يُؤمَرَ به فيقبضَه..
يا مغرورًا بطول الأمل، يا مسرورًا بسوءِ العملِ، كُنْ مِن الموتِ على
وَجَلٍ، فما تدري متى يهجُمُ الأجَلُ.
كُلُّ امْرئٍ مُصئحٌ في أهْلِهِ. . . والمَوْتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ
قال بعضُ السلفِ: كم من مُستقبل يومًا لا يستكملُهُ، ومن مُؤمِّلٍ غدًا لا
يدرِكُه، إنَّكم لو رأيتمُ الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ.
أؤمّلُ أنْ أخَلَّدُ والمنايا. . . . تدُورُ عليَّ من كُلّ النَّواحِي
وما أدرِي وإنْ أمْسَيْتُ يومًا. . . لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصباح
كمْ ممن راحَ في طلبِ الدنيا أو غدَا. . . أصبَحَ مِنْ سكانِ القُبورِ غدَا

(2/245)

كأنكَّ بالمضيِّ إلى سبيلِكْ. . . وقدْ جذَ المُجَهِّزُ في رحِيلِكْ
وجيءَ بِغاسِل فاسْتَعْجَلُوهُ. . . بقولِهِم لهُ افْرغْ من غَسيلِكْ
ولم تحمِلْ سِوَى كفَنٍ وقُطْنٍ. . . إليهم من كثيركَ أو قليلكْ
وقد مدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا. . . فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِك
وصلَّوا ثمَ إنَّهم تدَاعَوا. . . لحمْلِكَ من بُكورِكَ أو أصيلِكْ
فلمَّا أسْلَمُوك نزَلْتَ قبْرًا. . . ومن لكَ بالسَّلامةِ في نُزولِكْ
أعانَكَ يومَ تدَخُلُهُ رحيمٌ. . . رءوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ
فسَوفَ تُجاوِر المَوْتَى طويلاً. . . فذَرْني مِن قَصيركَ أو طويلِكْ
أُخَيَّ لقد نَصحتُكَ فاسْتَمِعْ لِي. . . وباللَّهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ
ألسْتَ تَرى المنايا كُل حينٍ. . . تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكْ
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في فوله تعالى:
(إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) .
قال: رُبَّما تَوهَّم جاهلٌ أنهم لم يُجَابُوا عما سألوا، وليسَ كذلك؛ فإن الذين سألوُا لا يصلح أن يكون دليلاً على البعثِ؛ لأنهم لو أُجيبوا إلى ما سألوا لم يكُنْ ذلك حجةً على مَنْ تقدَّم، ولا على

(2/246)

من تأخَّر، ولم يَزد على أنْ يكونَ لمن تقدَّم وعدًا، ولمن تأخر خبرًا، اللَّهمَّ إلا
أن يجيء لكل واحدٍ أبوه، فتصير هذه الدارُ دارَ البعثِ.
ثمَّ لو جازَ وقوع مثل هذه كان إحياءُ ملكٍ يُضْرَب به الأمثالُ أولى.
كـ: تُبَّع، لا أنتم يا أهلَ مكَّةَ، فإنكم لا تُعرفون في بقاع الأرض.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)
قال اللَّه تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) .
وقال: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) .
وقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) .
وقال: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) .
وخرَّجَ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ وابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " من حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

(2/247)

قرأ هذه الآيةَ: (اتَقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .
فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"لو أن قطرةً من الزقومِ قُطِرَتْ في دارِ الدنيا لأفسدتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُم، فكيفَ بمن تكونُ طعامَهُ؟! ".
وقال الترمذيُّ: صحيح، ورُوي موقوفًا على ابنِ عباس.
وقال ابنُ إسحاقَ: حدثني حكيمُ بنُ حكيم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ.
قال: قال أبو جهلٍ لما ذكرَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - شجرةَ الزقومِ: يُخوِّفُنا بها محمد، يا معشرَ قريشٍ أتدرُون ما شجرةُ الزقومِ التي يُخوِّفكم بها محمد؟
قالوا: لا، قال: عجوةُ يثربَ بالزبدِ، واللهِ لئنِ اهتمكنا منها لنتزقمنَّها تزقمًا، فأنزل اللَّه فيه: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) الآية، أي ليس كما تقول، وأنزل الله (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) .
وقال عبدُ الرزاقِ، عن معمر، عن قتادةَ، في قوله: (فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ)
قال: زادتُهم تكذيبًا حينَ أخبرَهم أنَّ في النَّارِ شجرةً.
قال: يخبرُهم أنَّ في النَّارِ شجرةً والنَّارُ تحرقُ الشجرَ.
فأخبرَهم أنَّ غذاءَها من النارِ.
وقد تقدمَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ شجرةَ الزقومِ نابتة في أصلِ سقرَ.
ورُوي عن الحسنِ أنَّ أصلَها في قعرِ جهنمَ وأغصانَها ترتفعُ إلى دركاتِها.
وقال سلامُ بنُ مسكينٍ: سمعتُ الحسنَ تلا هذه الآيةَ:
(إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) .
قالَ: إنَّها هناك قد حُميت عليها جهنمُ.