فصول الكتاب

سُورَةُ مُحَمَّدٍ
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)
منْ حفظَ حدودَ اللَّهِ وراعَى حقوقَهُ، تولَّى اللَّهُ حفظَهُ في أمورِ دينهِ
ودنيا، وفي دنيا وآخرتِهِ.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ أنه وليُّ المؤمنينَ وأنه يتولَّى الصالحينَ.
وذلكَ يتضمنُ أنه يتولَّى مصالحَهُم في الدنيا والآخرةِ، ولا يكلُهُم إلى غيرِهِ
قالَ تعالَى: (اللَّهُ وَلِى الَّذِينَ آمَنوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .
وقالَ تعالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) .
وقالَ تعالَى: (وَمَن يَتَوَكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .
وقالَ تعالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) .
فمن قامَ بحقوقِ اللَّهِ عليهِ فإنَّ اللَّهَ يتكفلُ له بالقيامِ بجميع مصالحِهِ في
الدنيا والآخرةِ، ومن أرادَ أن يتولَّى اللَّهُ حفظَهُ ورعايتَهُ في أموره كلِّها فليراع
حقوقَ اللَّهِ عليهِ، ومن أرادَ ألا يصيبَهُ مما يكرهُ فلا يأتِ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ.
كان بعضُ السلفِ يدورُ على المجالسِ ويقولُ: من أحبَ أن تدومَ له
العافيةُ فليتقِ اللَّهَ.

(2/270)

وقالَ العمريُّ الزاهدُ لمن طلبَ منه الوصيةَ: كما تحبُّ أن يكونَ اللَّهُ لكَ.
فهكذَا كنْ للَّهِ عز وجل.
وفي بعضِ الآثار: يقولُ اللَهُ:
"وعِزتي وجَلالي لا أطلعُ على قلبِ عبدٍ فأعلمُ أن الغالبَ عليه حبُّ التمسكِ بطاعتي، إلا توليتُ سياسَتَهُ وتقويمهُ ".
وفي بعضِ الكتبِ المتقدمةِ: يقولُ اللَّهُ عز وجل
"يا ابنَ آدمَ، ألا تعلمُنِي ما يضحككَ، يا ابنَ آدمَ، اتقني. . . (1) ونَمْ حيثُ شئتَ ".
والمعنى: أنكَ إذا قمتَ بما عليكَ للَّهِ من حقوقِ التقوى فلا تهتمَّ بعدَ ذلكَ
بمصالحكَ، فإن اللَّهَ هو أعلمُ بها منكَ، وهو يوصلُّهَا إليكَ على أتمِّ الوجوهِ
من غيرِ اهتمامٍ منكَ بِهَا.
وفي حديث جابرٍ - رضي الله عنه -، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "من كانَ يحبُّ أن يعلمَ منزلتَهُ عندَ اللهِ، فلينظرْ كيفَ منزلةُ اللِّهِ عندَهُ، فإنَّ اللهَ ينزلُ العبدَ منه حيث أنزلَهُ من نفسِهِ ".
فهذا يدل على أنَّه على قدرِ اهتمامِ العبدِ بحقوقِ اللَّهِ ومراعاةِ حدودِهِ.
واعتنائه بذلكَ وحفظهِ لهُ يكونُ اعتناؤُه به وحفظُهُ لهُ، فمن كانَ غايةُ همَه
رِضَا اللًّهِ عنهُ وطلبَ قربِهِ ومعرفتِهِ ومحبتهِ وخدمتِهِ، فإنَّ اللَّهَ يكونُ له على
حسبِ ذلكَ كما قالَ تعالَى: (فَاذْكرُونِي أَذْكُركُمْ) .
(وَأَوفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ) ، بل هو سبحانَهُ أكرمُ الأكرمينَ.
فهو يجازِي بالحسنةِ عشرًا ويزيدُ، ومن تقرّبَ منه شبرًا تقرّبَ منه ذراعًا. ومن تقرّبَ منه ذراعًا ثقرّبَ منه باعًا، ومن أتاهُ يمشِي أتاهُ هرولةً.
__________
(1) قال محققه: بياضٌ بالأصل.

(2/271)

ما يُؤتَى الإنسانُ إلا من قِبَل نفسِهِ ولا يصيبُهُ المكروهُ إلا من تفريطِهِ في
حق ربه عز وجل.
قال علي - رضي الله عنه -: لا يَرْجوَن عبد إلاْ رَّبهُ، ولا يخافنَّ إلا ذنبَهُ.
وقال بعضُهم: من صَفَى صُفّي لهُ، ومن خلطَ خُلِّط عليهِ.
وقال مسروقٌ: من راقبَ اللهَ في خطراتِ قلبِهِ عصمَهُ اللَّهَ في حركاتِ
جو ارِحِهِ.
وبسطُ هذا المعنى يطولُ جدًّا، وفيمَا أشرْنَا إليه كفايةٌ، وللهِ الحمدُ.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)
ثم قال البخاري - رحمه اللَّه -: وَيَزيدُ وينقصُ.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) ، (وَزِدْناهُمْ هُدًى) .
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) ، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنوا إِيمَانًا) .
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .
زيادة الإيمان ونقصانه؛ قولُ جمهورِ العلماءِ.
وقد رُوي هذا الكلامُ عن طائفة من الصحابةِ، كأبي الدرداءٍ، وأبي هريرةَ.
وابنِ عباسٍ، وغيرِهم من الصحابةِ.

(2/272)

ورويَ معناه عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا.
وعن مجاهدٍ وغير من التابعينَ.
وتوقَّف بعضُهُم في نقصِهِ، فقالَ: يزيدُ، ولا يقالُ: ينقصُ.
ورويَ ذلكَ عن مالكٍ، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ.
وعن ابنِ المباركِ، قالَ: الإيمانُ يتفاضلُ.
وهو معنى الزيادة والنقصِ.
وقد تلا البخاريُّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادةِ الإيمانِ.
وقد استدلَّ بِهَا علَى زيادةِ الإيمانِ أئمةُ السَّلفِ قديمًا، منهُم:
عطاءُ بنُ أبي رباح فمن بعدَه.
وتلا البخاريُّ - أيضًا - الآياتِ التي ذكَرَ فيهَا زيادةَ الهُدَى؛ فإنَّ المرادَ
بالهُدَى هنا فعلُ الطاعاتِ، كما قالَ تعالى بعد وصفِ المتقينَ بالإيمانِ بالغيبِ.
وإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقَهُم، وبالإيمانِ بما أُنزلَ إلى محمدٍ وإلى مَنْ
قبلَهُ، وباليقينِ بالآخرةِ، ثم قالَ: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِهِمْ) .
فسمَّى ذلكَ كلَّه هدًى، فمن زادتْ طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ.
ولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلبِ، والقولُ والعملُ كلُّه، كانتْ
زيادتُهُ بزيادةِ الأعمالِ، ونقصانُهُ بنقصانِهَا.
وقد صرح بذلك كثيرٌ من السلف، فقالُوا: يزيد بالطاعة، وينقصُ
بالمعصية. َ
* * *