فصول الكتاب

سُورَةُ الحُجُرَاتِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
وقال الحسنُ في قولهِ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
قال: لا تذبَحُوا قبلَ الإمامِ.
خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.
* * *
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)
فإن علامةَ محبَّةِ اللَّهِ ورسولِهِ محبةُ ما يحبّهُ اللَّهُ ورسولُه، وكراهةُ ما
يكرهُه اللَّهُ ورسولُه - كما سبقَ -، فإذا رسخَ الإيمانُ في القلبِ وتحققَ بِهِ.
ووجدَ حلاوتَهُ وطعمَه، أحبَّه وأحبَّ ثباتَهُ ودوامَهُ، والزيادَة منه، وكرهَ
مفارقتَه، وكانَ كراهتُه لمفارقتِه أعظمَ عندَه من كراهِة الإلقاءِ في النارِ.
قال اللَّه تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) .
والمؤمنُ يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حبِّ الماءِ الباردِ في شدَّةِ الحرِّ للظمآنِ،

(2/286)

ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ.
كما في "المسندِ" عن أبي رزينٍ العقيلي، أنه سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمانِ، فقالَ:
"أنْ تشهَدَ أنْ لا إِله إلا اللَهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهُما، وأن تحرق في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشركَ باللهِ، وأن تحبَّ غير ذي نسبٍ لا تحبه إلا للَّه، فإذَا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبك، كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليوم القائظ ".
وفي "المسند" - أيضًا -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَّى معاذَ بن جبل، فقال له - فيما وصاه به -:
"لا تشركْ باللَّهِ شيئًا، وإن قُطِّعْتَ وحُرِّقت ".
* * *
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه ".
هذا مأخوذٌ من قولِهِ عزَّ وجلَّ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
، فإذا كانَ المؤمنونَ إخوةً أُمروا فيمَا بينَهُم بما يُوجبُ تآلُفَ
القلوبِ واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوبِ واختلافَها، وهذا من
ذاكَ.
وأيضا: فإنَّ الأخَ مِنْ شأنِهِ أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفعَ، ويكفَّ عنه الضررَ.
ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كَفُّه عَنِ الأخ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ

(2/287)

بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حق كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلامُ على الظلْمِ
مستوفيًا عند ذكرِ حديث أبي ذر الإلهي:
"يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسِي، وجعلتُه بينَكُم مُحرَّمًا فلا تَظَالَمُوا".
ومِنْ ذلكَ: خِذْلانُ المسلم لأخيهِ، فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ أن يَنْصُرَ أخاه، كما قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مظلومًا".
قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أنصُرُهُ مظلومًا، فكيفَ أنصرُهُ ظالمًا؟
قالَ: "تمنعُه عَنِ الظلم، فذلكَ نَصْرُك إيَّاهُ ".
خرَّجهُ البخاريُّ بمعناهُ من حديثِ أنسٍ.
وخرَّجهُ مسلمٌ بمعناه من حديثِ جابرٍ.
وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ:
"ما مِنْ امرئٍ مسلمٍ يَخذُلُ امْرءًا مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه
حُرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضهِ إلا خذلهُ اللَهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتهُ، وما من امرئٍ ينصُرُ مُسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتهِ إلا نصرَه اللَّه في موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ ".
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ عنِ النَّبيِّ
- صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"مَنْ أُذِلَّ عندهُ مؤمنٌ فلم ينصُرْه وهو يَقْدِرُ على أنْ ينصُره أذلَّهُ اللَّهُ على
رءوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ".
وخرَّج البزارُ من حديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبيَ - صلى الله عليه وسلم - قال:

(2/288)

"مَنْ نصرَ أخاهُ بالغَيبِ وهو يستطيعُ نصرَه نصرهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ".
ومن ذلكَ: كذبُ المسلم لأخيه، فلا يُحِل له أن يُحدِّثه فيكذبهُ، بل لاْ يُحدِّثه إلا صدقًا.
وفي "مسندِ الإمام أحمدَ" عن النَّوَّاس بنِ سَمعانَ، عن النبيِّ
- صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"كَبُرَت خيانة أنْ تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مُصدِّق وأنتَ به كاذبٌ ".
ومن ذلكَ: احتقارُ المسلم لأخيهِ المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغمْطُ النَّاسِ ".
خرَّجه مسلمٌ من حديثِ ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه -.
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وفي روايةٍ لهُ: "الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ "، وفي روايةٍ: "وغمصُ الناسِ "، وفي روايةٍ زيادةٌ: "فلا يَراهم شيئًا".
وغمصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عليهم وازدراؤهُم.
وقالَ اللَّهُ عزَّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .
فالمتكبرُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقصِ، فيحتقرُهُم ويزدريهِم، ولا يراهمُ أهلاً لأنْ يقومَ بحقُوقِهِم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدٍ منهمُ الحقَّ إذا أوردَهُ عليهِ.
* * *
قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)
[قَال البخاريُّ] : بَاب إذا لم يكُنِ الإسلامُ علَى الحقيقةِ وكان على