فصول الكتاب

(2/381)

سَرائرِهِم، ما يشغلُهم عن كثرةِ التلاقِي.
واعلمْ أن سماعَ الأغانِي يضادُ سماعَ القرآنِ، مِنْ كلِّ وجهٍ.
فإنّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ، ووحيُهُ ونوُرهُ، الذي أحيا اللَّهُ به القُلوبَ الميتةَ، وأخرجَ العبادَ به من الظلماتِ إلى النّورِ.
والأغاني وآلاتُها مزاميرُ الشيطانِ.
فإنَّ الشيطانَ قرآنهُ الشعرُ، ومؤذِّنُه المزمارُ، ومصائِدُه النّساءُ.
كذا قالَ قتادةُ وغيرُه من السَّلفِ.
وقد رُوي ذلك مرفوعًا، من روايةِ عبيدِ اللَّه بن زحْر، عن عليِّ بنِ يزيدَ عن القاسم، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ سبقَ ذكرُ هذا الإسنادِ.
والقرآنُ تُذكر فيه أسماءُ اللَهِ، وصفاتُهُ وأفعالُهُ، وقدرتُهُ وعظمتُة، وكبرياؤه
وجلالُه، ووعدُه ووعيدُه.
والأغاني إنما يُذكرُ فيها: صفاتُ الخمرِ والصورُ المحرّمُة، الجميلةُ ظاهرُها
المستقذرُ باطنُها التي كانتْ تُرابًا، وتعُود ترابًا.
فمن نزّل صفاتِها على صفاتِ من ليس كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ، فقد شبَّه، ومرقَ من الإسلامِ، كما - يمرُقُ السهمُ من الرميةِ.
وقد رُئيَ بعضُ مشايخ القومِ في النَّومِ بعدَ موتِهِ.
فسُئِلَ عن حالِهِ فقالَ: أوقفني بينَ يديه، ووبَّخني، وقالَ: كنتَ تسمعُ
وتقِيسُني بسُعْدى ولُبنَى.
وقد ذكرَ هذا المنامَ أبو طالبٍ المكيُّ، في كتابِ "قوتِ القلوبِ ".
وإن ذُكر في شيءٍ من الأغانِي التوحيدُ، فغالِبُه من يسوقُ ظاهرُه إلى
الإلحادِ: من الحلولِ والاتحادِ، وإن ذُكِرَ شيءٌ من الإيمانِ والمحبةِ، أو توابع

(2/382)

ذلكَ، فإنَّما يُعبَّرُ عنه بأسماء قبيحةٍ، كالخمرِ وأوعيتِهِ ومواطنِهِ وآثارهِ، ويُذكر فيه الوصلُ والهجرُ، والصدودُ والتجنِّي.
فيطربُ بذلكَ السامعونَ، وكأنَّهم يشيرون، إلى أن اللَّه تعالى، يفعل مع عبادهِ المحبينَ له المتقربينَ إليه، كما يذكرونَهُ.
فيبعدُ ممن يتقربُ إليه، ويصدُّ عمن يحبُّه ويُطيعُه، ويُعرِضُ عمن
يُقبلُ عليه.
وهذا جهل عظيمٌ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ، على لسانِ رسُوله الصادقِ
المصدوقِ - صلى الله عليه وسلم -:
"من تقرَّبَ منِّي شِبْرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرَّبَ مني ذراعًا تقرَّبتُ
منه باعًا، ومن أتَاني يمشِي أتيته هرولةً".
وغايةُ ما تحرِّكُه هذه الأغاني: ما سكنَ في النفوسِ من المحبَّةِ، فتتحركُ
القلوبُ إلى محبوباتِها، كائنة ما كانتْ، من مباح ومحرّمٍ وحقٍّ وباطلٍ.
والصّادقُ من السامعينَ، قد يكونُ في قلبهِ محبّةُ اللهِ، مع ما ركزَ في الطباع
من الهَوى، فيكونُ الهَوى كامِنًا، لظهورِ سُلطانِ الإيمانِ. فتحركُّه الأغاني.
مع المحبّةِ الصحيحةِ. فيقْوى الوجدُ، ويظن السامعُ، أنْ ذلكَ كلَّه محبّةُ اللَّهِ.
وليسَ كذلك. بل هي محبّة ممزوجةٌ ممتزجة، حقُّها بباطِلها.
وليسَ كلُّ ما حرك الكامنَ في النفوسِ، يكونُ مُباحًا في حكم اللَّهِ ورسولهِ.
فإنّ الخمرَ تحركُ الكامنَ في النُفوسِ، وهي محرمة في حكم اللَّهِ ورسولهِ
كما قِيلَ:
الرَّاحُ كالريح إِن هبَّتْ على عِطْرٍ. . . طابتْ وتخبثُ إنْ مرَّتْ على الجِيَفِ
وهذا السماعُ المحظورُ، يُسكرُ النفوسَ، كما يسكرُ الخمرُ أو أشدُّ، ويصدُّ

(2/383)

عن ذكرِ اللَّهِ، وعن الصَّلاةِ، كالخمرِ والميسرِ فإن فُرضَ وجُودُ رجلٍ يسْمعُه، وهو ممتَلئٌ قلبُه بمحبةِ اللَّهِ، لا يؤثرُ فيه شيءٌ من دَواعِي الهوى بالكليةِ، لم
يُوجبْ ذلك له خصوصًا، ولا للنّاسِ عمومًا. لأنّ أحكامَ الشريعةِ، تناطُ
بالأعمِّ الأغلبِ.
والنَّادرُ ينسحبُ عليه حكمُ الغالبِ، كما لو فُرض رجل تامُّ
العقلِ، بحيثُ لو شرِبَ الخمرَ، لم يُؤثرْ فيه ولم يقعْ فيه فساد، فإنَّ ذلك لا
يوجبُ إباحةَ الخمر له، ولا لغيرهِ. على أنَّ وجودَ هذا المفروضِ في الخارج.
في الصُّورتين: إما نادرٌ جدًّا أو ممتنعٌ متعذرٌ.
وإنما يظهرُ هذا السماعُ، على هذا الوجهِ، حيث جرّد كثير من أهلِ
السلوكِ الكلامَ في المحبةِ ولهجِوا بها، وأعرضُوا عن الخشيةِ.
وقد كانَ السلفُ الصالحُ يُحذِّرون منهمُ، ويفسِّقون من جرَّدَ، وأعرضَ عن الخشيةِ إلى الزندقةِ.
فإنَّ أكثرَ ما جَاءتْ به الرّسُلُ، وذكرَ في الكتابِ والسنةِ: هو خشيةُ
اللَّهِ وإجلالِهِ وتعظيمِهِ، وتعظيم حرماتِهِ وشعائِرهِ، وطاعتِهِ.
والأغاني لا تحرّكُ شيئا من ذلكَ، بلْ تُحدِثُ ضدَّهُ من الرعُونَةِ والانبساطِ
والشطح، ودعوى الوصُولِ والقُربِ، أو دعوى الاختصاصِ بولايةِ اللَّهِ التي
نسب اللَّهُ في كتابه دعواها إلى اليهودِ.
فأمَّا أهلُ الإيمانِ، فقد وصفهُم بأنَّهم
(يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وًّ قلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) ، وفسَّر ذلكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنَّهم: "يصومونَ ويتصدقونَ، ويصلُّون ويخشونَ أن لا يُتقبلَ منْهُم ".
وقد كانَ الصحابةُ - رضي الله عنهم - يخافونَ النفاقَ على نفوسِهم، حتَى قالَ الحسنُ: ما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ، ولا خشِيَهُ إلا مؤمنٌ.

(2/384)

ويوجبُ أيضًا سماعُ الملاهي: النفرةَ عن سماع القرآنِ، كما أشارَ إليه
الشافعيُّ رحمه اللَّه.
وعدمَ حضورِ القلبِ عند سماعِهِ، وقلّةَ الانتفاع بسماعِهِ.
ويوجبُ أيضًا قلّةَ التعظيم لحرماتِ اللَّهِ، فلا يكادُ المدمِنُ لسماع
الملاهِي، يشتدُّ غضبُهُ لمحارمِ اللَّهِ تعالَى إذا انتُهكَتْ، كما وصفَ اللَّهُ تعالى
المحبّينَ لهُ بأنَّهم (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) .
ومفاسدُ الغناءِ كثيرةٌ جدًّا.
وفي الجملةِ فسماعُ القرآنِ ينبتُ الإيمانَ في القلبِ، كما ينبِتُ الماءُ البقلَ.
وسماعُ الغناءِ ينبتُ النفاقَ، كما ينبتُ الماءُ البقلَ.
ولا يستويانِ حتى يستوي الحقُّ والبُطلانُ (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) .
واللَّهُ تعالى المسئولُ أن يهدِيَنا وسائرَ إخوانِنَا المؤمنينَ إلى صراطٍ مستقيم، صراطِ الذين أنعمَ عليهم غير المغضوبِ عليهِم، ولا الضالين آمين والحمدُ للَّه ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمدٍ، وآلهِ وصحبهِ أجمعين.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)
وقد قال طائفة من السَّلف في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا) : إنَّ القرضَ الحسنَ قولُ: سبحانَ اللَّهِ، والحمد اللَّهِ، ولا
إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ.
وفي "مراسيلِ الحسنِ "، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ: