فصول الكتاب

سُورَةُ الحَشْرِ
قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)
الأرضُ المعنوةُ هل هي داخلةٌ في آيةِ الغنائم المذكورةِ في سورةِ الأنفالِ
وهي قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية.
أمْ هي داخلةٌ في آيةِ الفيءِ المذكورةِ في سورةِ الحشرِ وهي قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، الآية ثم ذكر ثلاثة أصناف المهاجرين والأنصارَ ومن جاء بعدَهم؛ فقالتْ طائفةٌ: الأرضُ داخلةٌ في آية الغنيمة، فإنه تعالى قال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، وشيءٌ نكرةٌ في سياقِ النَّفيً فيعمهُ كلَّ ما يُسمى شيئًا، قالوا: وآيةُ الفيءُ لم يدخل فيها حكمُ الغنيمة كما أنَّ آيةَ الغَنِيْمةِ لم يَدْخلْ فيها الفيءُ بلْ الغنيمةُ والفيءُ لكل واحدٍ منهما حمٌ يختصُّ له، وهذا قولُ مَنْ قالَ من الفقهاءِ: إنَّ الأرضَ تتعينُ قسمتُها بينَ الغانمينَ.
وقالت طائفةٌ: بل الأرضُ داخلةٌ في آيةِ الفيءِ، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ
صرحُوا بذلك، وممن روي عنه عمر بن عبد العزيز، وقد سبق ذكر من قال
من السلف: إن السَّوادَ فيءٌ ونصَّ عليه الإمامُ أحمد.

(2/388)

ووجه دخول الأرض في الفيءِ أنَّ اللَّه تعالى قال: (مَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ
مِنْ أَهْلِ الْقرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) الآية، فجعل الفيءَ لثلاثةِ أصنافٍ؛ المهاجرينَ والأنصارَ
والذين جاءوا من بعدهم ولذلك لما تلا عمرُ - رضي الله عنه - هذه الآية قال: "استوعبتُ هذه الآيةُ الناسَ فلم يبقَ أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حق إلا بعضَ من تملكون من أرقائِكم "
خرَّجَه أبو داود من طريق الزُّهْري عن - رضي الله عنه - منقطعًا.
وروي من وجه آخرَ عن الزهري موصولاً، ورواه هشامُ بنُ سعدٍ عن زيدِ بنِ
أسلمَ عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - أيضًا.
ثمَّ إنَّ عمرَ - رضي الله عنه - جعل أرضَ العنوة فيئًا وأرصدَها للمسلمين إلى يومِ القيامةِ، فدل على أنَه فهِمَ دخولَها في آياتِ الفيءِ ولذلك قرَّره أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ عبد العزيز في رسالتِهِ المشهورةِ التي بَين فيها أحكام الفيءِ وقد اعتمدَ عليها مالكٌ وأخذَ بها، كما ذكر ذلك القاضي إسماعيل في كتاب "أحكام القرآن " وساقها بتمامها بإسناده، وذكرَ البخاريّ في "صحيحه " بعضها تعليقًا وبَيَّنَ دخول الأرضِ في الفيءِ وأنَّ هذه الآياتِ ليستْ بسببِ بني النضيرِ.
وبنو النَّضيرِ أجَلاَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من المدينة بعدَ أن حاصرَهم قال الزهريُّ:
حاصر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بني النضير وهم سبط من اليهودِ بناحيةِ من المدينة حتى نَزَلُوا على الجلاءِ وعلى أنهَ لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعةِ إلا الحلقةَ فأنزل اللَّه فيهم يعني أول سورة الحشرِ.
خرَّجه أبو عبيدٍ وخرَّجه أبو داود مطولاً من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجلٍ من أصحابِ

(2/389)

النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثًا طويلاً وفيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا على بني النضير بالكتابِ
فقاتَلَهَم حتى نزلوا على الجلاءِ فجلَتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّتِ الإبلُ من
أمتعتِهم وأبوابِ بيوتهم وخشبِها، فدلَّ أنَّ نخلَ بني النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصةً أعطاه الله إياها وخصَّه بها فقال تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكَابٍ) ، يقول: فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرَها للمهاجرين وقسَّمها بينهم وقسَّم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجةٍ.
وبقي منها صدقة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - التي في أيدي بني فاطمةَ - رضي الله عنها -، وهذا الكلام أكثره مدرجٌ من قولِ الزهري واللَّه أعلم.
وخرَّج أبو داود من قولِه: "كانتْ بنو النَّضيرِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - " إلى آخرِهِ من قول الزهريَ.
وثبت في "الصحيحين " عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حرَّق نخل بني النضير وقطَّع وهي البوُيْرَة فنزلتْ فيهم هذه الآيةُ: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكتمُوهَا) الآية.
وفي "الصحيحين " أيضًا عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال:
"كانت أموالُ بني النضير مما أفاء اللَّه على رسولِهِ مما لم يوجفْ
المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ وكانتْ لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خاصةً فكان ينفقُ منها على أهلِهِ نفقةَ سنة ثمَّ ما بقي جعلَه في الكُرَاع والسلاح عدةً في سبيل اللَّه عز وجلَ.
وإذا عُلِمَ أنَّ الآيةَ نزلتْ بسببِ بني النضير فبنو النضير بما تركُوا أرضَهم
ونخْلَهم وسلاحَهم وقد جعلَه اللَّه فيئًا وخصَّه برسولِهِ إمَّا لأنَه كانَ يملكُ الفيء
في حياتِهِ، أو لأنه كان يُقسِّمه باجتهادِهِ ونظرِه بخلافِ الغنيمة ولا ريبَ أنَّ

(2/390)

بني النضير لم يتركُوا أرضَهم إلا بعد حصار ومحاربةٍ ولم ينزلوا من
حصونِهم إلا خشيةَ القتلِ ومع هذا فقد جعلَ اللَّه أرضَ بني النضير فيئًا.
وقوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكابٍ) تذكيرٌ بنعمةِ اللَّهِ
عليهم في أنَّهم لم يحتاجوا في أخذِ ذلك إلى كثير عملٍ ولا مشقةٍ، وقال
مجاهدٌ في قوله: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) قال: يذكرُهم
ربُّهم أنَّه نصرَهم بغيرِ كراع ولا عدةٍ في بني قريظةَ وخيبرَ.
خرَّجه آدم بن أبي إياسٍ عن ورقاءَ عن أبي نجيح عنه، ومعلوم أنَّ خيبرَ وقعَ فيها قتال لكن يسير فتكون الآية ُ كقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) وحينئذ فإمَّا أن تكونَ الأرضُ تُستثنى من عمومِ قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية، فيكونُ ذلك تخصيصًا من العامِّ، وإمَّا أن يكونَ هذا ناسخًا لحكم الأرضِ من آيةِ الغنيمةِ فإنَّ قصةَ بني النضير بعدَ قصةِ بدرٍ بالاتفاق والأشبهُ التخصيصُ إلا أنْ يقالَ: إنَّ قصةَ بدرٍ لم يدخُلْ فيها إلا المنقولات إذ لم يكنْ في غنيمةٍ بدرٍ أرضٌ، وهذا على قول من يَرى التخصيصَ بالسببِ ظاهرٌ، ومما يدل على تخصيصِ آيةِ الغنيمةِ بالمنقولاتِ، أنَ الله تعالى خصَّ هذه الأمة بإباحةِ الغنيمة كما ثبتَ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرةٍ.
والذي خصتْ بإباحته هو المنقولاتُ دونَ الأرضِ، فإنَّ اللَّه تعالى أورثَ بني
إسرائيل أرضَ الكفارِ وديارَهُم ولم يكن ذلك ممتنعًا عليها، لأنَّ الأرضَ ليستْ
بداخلة في مطلقِ الغنيمةِ وإنَّما كان ممتنعًا عليهم المنقولاتِ، ولهذا كانُوا
يحرِّقونها بالنار وإنَّما خصَّ الغانمون من هذه الأمة بالمنقولاتِ دون الأرضِ.
لأنَّ قتالَهم وجهادَهُم للَّه عزَّ وجلَّ لا للغنيمةِ، وإنَّما الغنيمةُ رخصةٌ من اللَّهِ
تعالَى ورحمةٌ بهم فخصُّوَا بما ليسَ له أصل يبقى، وأما ما له أصلٌ يبقَى فإنه