فصول الكتاب

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى:
(رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كفَروا) ، قال: المعنى: لا تَبْتلِيْنا بأمر يوجبُ
افتتانَ الكفارِ بِنَا، فإنَّه إذا خُذِلَ المتُقي ونُصِر العاصي فُتِنَ الكافرُ.
وقال: لو كان مذهبُ هذا صحيحًا ما غُلِب.
* * *
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)
وقد رُويَ عن ابنِ عباس - رضي الله عنهما - في قولهِ تعالى:
(إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) ، قالَ: كانتِ المرأةُ إذا أتتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، حلَّفها باللَّهِ: ما خرجتِ من بُغضِ زوج، وباللَّهِ: ما خرجتِ رغبةً بأرضٍ عن أرضٍ، وباللَّهِ: ما خرجتِ التماسَ دُنيا، وباللَّه: ما خرجت إلا حُبًّا للَّهِ ورسولهِ.
خرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جرير، والبزَّاَرُ في "مسنده "، وخرَّجه
الترمذي في بعضِ نسخ كتابهِ مختصرًا.
* * *

(2/400)

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
[قالَ البخاريُّ] : حدَّثنا أبُو اليمانِ: أنا شُعيبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرنِي
أبُو إدريسَ عائذُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّهِ، أنَّ عبادةَ بنَ الصامتِ - وكانَ شهدَ بدرًا، وهوَ أحدُ النُّقباءِ ليلةَ العقبةِ -، أنَّ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: - وحولَهُ عصابةٌ منْ أصحابِهِ -:
"بايعُونِي على أنْ لا تُشركوا باللهِ شيئًا، ولا تَسرقُوا، ولا تزنُوا، ولا تقتُلُوا
أولادكمْ، ولا تأتُوا بُبهتانٍ تفترُونَهُ بينَ أيديكُمْ وأرجُلكُمْ، ولا تعصوا فِي معرُوفٍ، فمنْ وفَّى منكُمْ فأجرُهُ على اللهِ، ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئًا فعُوقِبَ بهِ في الدُّنيا فهُوَ كفَّارةٌ ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئا ثُمَّ ستَرَهُ اللَهُ فهوَ إلى اللَّهِ، إن شاءَ عفَا عنهُ، وِإنْ شَاءَ عاقبهُ ".
فبايعْنَاهُ علَى ذلكَ.
هذا الحديث؛ سمعه أبو إِدْريس [. . .] ، عن عقبة بن عامر، عن عبادة.
وزيادة "عقبة" في إسناده وَهْم.
وقد خرجَ البخاريُّ الحديثَ في "ذكرِ بيعة العقبة" وفي "تفسير سورة
الممتحنة" من كتابه هذا، وفيه: التصريحُ بانَّ أبا إدريس أخبره به عبادة،

(2/401)

وسمعه منه.
وكان عبادةُ قد شهدَ بدرًا، وهو أحدُ النقباءِ ليلةَ العقبةِ، حيثُ بايعتِ
الأنصارُ النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلَ الهجرةِ.
لكنْ؛ هلْ هذه البيعةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ كانت ليلةَ العقبةِ، أم لا؟
هذا وقعَ فيه تردُّد.
فرواهُ ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، وذكرَ في روايتِهِ، أنَّ هذه البيعةَ كانتْ
ليلةَ العقبةِ..
وروى ابنُ إسحاقَ - أيضًا -، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ مرثد
ابنِ عبدِ اللَّهِ، عن الصُّنابحي، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: كنتُ فيمن
حضرَ العقبةَ الأُولى، وكنَّا اثني عشرَ رجلاً، فبايعنا رسولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على بيعةِ النسَاءِ، وذلكَ قبلَ أن تفرضَ الحربُ على أنْ لا نشركَ باللًّهِ شيئًا، ولا نسرقَ، ولا نزني - الحديث.
خرَّجَهُ الإمامُ أحمد، من روايةِ ابنِ إسحاقَ - هكذا.
وكذا رواه الواقديُّ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب.
وخرَّجاهُ في "الصحيحين "، من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ
أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن الصنابحيِّ، عن عبادةَ، قالَ: إني من النقباءِ
الذينَ بايعُوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، بايَعَنا على أنْ لا نشركَ باللَّهِ شيئًا - فذكرَ الحديثَ.

(2/402)

وليس هذا بالصريح في أنَّ هذه البيعةَ كانتْ ليلةَ العقبةِ.
ولفظُ مسلم بهذه الروايةِ: عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: إنِّي من النقباءِ
الذينَ بايعُوا رسولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -. وقالَ: بايعناهُ على أن لا نشركَ - الحديث.
وهذا اللفظُ؛ قد يُشعرُ بأنَّ هذهِ البيعةَ غيرُ بيعةِ النقباءِ.
وخرَّجَهُ مسلمٌ، من وجهٍ آخرَ، من روايةِ أبي قلابَة، عن أبي الأشعثِ.
عن عبادةَ، قالَ: أخذَ علينا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، كما أخذَ على النساءِ: أنْ لا نشركَ باللَّه شيئًا.
وهذا قد يُشعرُ بتقدمِ أخذهِ على النساءِ على أخذِهِ عليهِم.
وخرجَ مسلمٌ حديثَ عبادةَ، من رواية أبي إدريس عنه، وقال في حديثه:
"فتلا علينا آية النساء: (أَن لاَّ يشْرِكنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) الآية ".
وخرَّجَه البخاريُّ في "تفسيرِ سورة الممتحنة" من رواية ابنِ عيينةَ، عن
الزهريِّ، وقالَ فيه: وقرا آيةَ النساءِ، وأكثرُ لفظِ سفيانَ: وقرا الآيةَ.
ثم قالَ: تابعهُ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ - في الآيةِ.
وكذا خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، وعندَهُما: فقرأ عليهم الآيةَ.
زاد الإمامُ أحمدُ: التي أخذت على النساءِ: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ) .
وهذا تصريحٌ بأنَّ هذه البيعةَ كانتْ بالمدينةِ؛ لأن آيةَ بيعةِ النساءِ مَدنية.