فصول الكتاب

سُورَةُ المُنَافِقُونَ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)
وقد رُوي عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظيِّ أنَّه استنبطَ ما في هذا الحديثِ -
أعني: حديثَ: "آيةُ المنافقِ ثلاثم - من القرآنِ، فقالَ: مصداقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) إلى قولِه: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِين لَكَاذِبُونَ) .
وقالَ تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)
إلى قولِه: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) .
وقالَ تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)
إلى قولِه: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) .
ورُوي عن ابن مسعودٍ نحوُ هذا الكلامِ، ثُمَّ تلا قولَه تعالىْ (فَأَعْقَبَهُمْ
نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) الآية.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)
وقد وردَ في القرآنِ تشبيهُ المنافقينَ بالخُشُبِ المسندةِ فنظرهم فقالَ:

(2/472)

(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) .
فوصفَهُم بحسنِ الأجسامِ وتمامِهَا، وحسنِ المقامِ والفصاحةِ حتَّى وإعجاب
به، ومع هذا فبواطِنُهم خرابٌ ومعائنُهم فارغةٌ. فلهذا مثلَهم بالخشبِ المسندةِ
التي لا روحَ لها ولا إحساسَ وقلوبُهم مع هذا ضعيفةٌ في غايةِ الضعفِ.
(يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) .
وهكذَا كلُّ مريب يُظْهِرُ خلافَ ما يضمرُ يخافُ من أدْنى شيءٍ ويتحسَّرُ
عليهِ.
وأما المؤمنونَ فبعكسِ هذه الصفاتِ حالُهم مستضعفونَ في ظاهرِ أجسامِهم
وكلامِهم لأنَّهم اشتغلُوا بعمارةِ قلوبهِم وأرواحِهم عن عمارةِ أجسادهم.
وبواطنُهم قويةٌ ثابتةٌ عامرةٌ فيكابدونَ بها الأعمال الشاقة في طاعةِ اللًّهِ من
الجهادِ والعباداتِ والعلومِ وغيرِها ممَّا لا يستطيعُ المنافقُ مكابدتَه لضعفِ قلبِهِ.
لا يخافونَ من ظهورِ ما في قلوبهِم إلا خشيةَ الفتنةِ على نفوسهم وإنَّ
بواطِنَهُم خيرٌ من ظواهرِهِم وسرهم أصلحُ من علانيتِهِم.
قال سليمان التيمي: أتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فقالَ: يا سليمانُ إنَّ قُوتَ المؤمنِ
في قَلبْهِ ".
فالمؤمنُ لمَّا اشتغلَ بعمارةِ قلبِهِ عن عمارةِ قالبِهِ استُضْعِفَ ظاهرُهُ
وربما أُوذي، ولو علمَ الناسُ ما في قلبهِ لما فعلُوا ذلكَ.
قال عليٌّ - لأصحابه: "كونوا في النَّاسِ كَالنَحْلِ في الطَّيْرِ يستضعفُهَا ولوْ
علمُوا مَا في جَوفهَا مَا فعلُوا".
من قوةِ قلبِ المؤمنِ وثباتهِ على الإيمانِ.
فالإيمانُ الذي في قلبِهِ مَثَلُه كمثَلِ شجرة طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في
السماءِ فيعيشُ على الإيمانِ ويموتُ ويُبعثُ عليهِ، وإنَّما الرياحُ وهي بلايا

(2/473)

الدُّنيا تقلِّبُ جسْمَهُ يمنةً ويسرةً، وكذلك قلبُهُ لا تصِلُ إليه الرياحُ لأنَّه
محروسٌ بزبرِ الإيمانِ.
والكافرُ والمنافقُ والفاجرُ بعكسِ ذلكَ: جسمُه قويٌّ لا تقلبُّه رياحُ الدنيا.
وأما قلبُه فإنَه ضعيفٌ تلاعبُ به الأهواءُ المضِلَّةُ فتقلبُه يمنةً ويسرةً، فكذلكَ
كانَ مَثَلُ قلبهِ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثتْ من فوقِ الأرضِ ما لها من قرارٍ، كَما
شجرةُ الحنضلِ ونحوهِ مما ليسَ له أصلٌ ثابتٌ في الأرضِ.
وقال عليٌّ - رضي الله عنه - في صفةِ الهمج الرعاع: "أتباعُ كلِّ ناعقٍ يميلونَ مَعَ كل ريح لمْ يستضيئُوا بنورِ العلْم ولم يلجأوا إلى رُكن وثيقٍ ".
بهذا يظهرُ الجمعُ بين حديثِ تمثيل المؤُمِنِ بالنَّخَّلَةِ.
فإن التمثيلَ بالزرع لجسدِهِ لتوالى البلاءِ عليه.
والتمثيلُ بالنخلةِ لإيمانهِ وعملِهِ وقولِهِ.
يدلُّ عليه قولُه عزَّ وجلَّ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) .
فجعلها مثلاً لكلمةِ الشهادتينِ التي هي أصلُ الإسلامِ في قلبِ المؤمنِ.
كثبوتِ أصلِ النخلةِ في الأرضِ، وارتفاع عملِ المؤمنِ إلى السماءِ كارتفاع
النخلةِ، وتجددِ عملِ المؤمنِ كإتيانِ النخلةِ أكلَها كلَّ حينٍ.
وقد رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "إن المؤمنَ الضَّعيفَ قلبُهُ كزرع والقويَّ مثلُهُ كمثلِ النَّخلةِ".
وخرَّجَه البزار وغيره. ولأن ثمرةَ الزرع - وهو السنبلُ -

(2/474)

يستضعفُ ويطمعُْ فيه كل أحدِ لقربِ تناولهِ فيطمعُ الآدمي في الأكلِ منهُ.
وفي قَطْعِه وسرقتهِ، والبهائمُ في رعيهِ، والطيرُ في الأكلِ منهُ.
وكذلك المؤمنُ يُستضعفُ فيعادِيه عمومُ النَّاسِ لأنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا ويعودُ
غريبًا كما بدأ فطوبَى للغرباءِ.
فعمومُ الخلقِ يستضعفُه ويستغربُه ويؤذيه لغربتهِ بينَهم وأمَّا الكافرُ والمنافقُ
أو الفاجر الذين كالصنوبرِ فإنَّه لا يُطمعُ فيه فلا الرياحُ تزعزعُ بدنَه ولا يُطمعُ
في تناوله ثمرتهِ لامتناعِها.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)
فكثرةُ العيالِ مما يوجبُ تعلقَ القلبِ بهم، فيُشغِلُ ذلك عن محبَّتهِ وخدمتهِ
للَّهِ، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) .
قالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شغلَكَ عنِ اللهِ من مالٍ أو ولدٍ فهو عليك شؤم.
* * *