فصول الكتاب

سُورَةُ الطَّلاقِ
قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
وأمَّا حدودُ اللَّهِ التي نَهى عَن اعتدائِها، فالمرادُ بها جُملةُ ما أَذِنَ في فعلهِ.
سواء كانَ على طريقِ الوجوبِ، أو الندْبِ، أو الإباحةِ، واعتداؤُها: هو
تجاوزُ ذلك إلى ارتكابِ ما نَهى عنه، كما قالَ تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) ، والمرادُ: مَنْ طلَّقَ على غيرِ ما أمرَ اللَّه
به وأذنَ فيه، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) .
والمراد: مَنْ أمسَكَ بَعدَ أَنْ طَلَّق بغيرِ معروفٍ، أو سرَّح بغيرِ إحسانٍ، أو أخَذَ ممَّا أعْطَى المرأةَ شيئًا على غيرِ وجهِ الفديةِ التي أذِنَ اللَّهُ فيها.
وقالَ تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ يدْخِلْهُ جَنَّاتٍ)
إلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) .
والمرادُ: مَنْ تجاوزَ مَا فرضَه اللَّهُ للورثةِ، ففضَّلَ وارثًا، وزاد على حقهِ، أو
نقصَه منه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خُطبته في حجَّة الوَداع: "إنَّ اللَّه قد أعْطَى كل ذي حَق حَقَّه فلا وصيةَ لوارث ".

(2/479)

وروى النَّوَّاسُ بنُ سمعانَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"ضرب اللَّه مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتيِّ الصّراطِ سُورَانِ فيهما أبوابٌ مُفتحةٌ وعلى الأبوابِ ستورٌ
مرخاق وعلى بابِ الصّراطِ داع يقول: يا أيُّها الناسُ، ادخُلوا الصّراطَ جميعًا، ولا تُعرِّجوا.
وداعٍ يدعو من جوفِ الصّراط، فإذا أراد أن يفتحَ شيئا من تلك الأبوابِ، قال: وَيحكَ لا تفتحه، فإنَّك إنْ تفتحْه تلجْه، والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّورانِ: حدودُ اللَّه، والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصِّراطِ: كتابُ اللَّهِ، والدَّاعي من فوقُ: واعظُ اللَّهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ " خرَّجه الإمامُ أحمدَ، وهذا لفظُه.
والنسائيُّ في "تفسيرِه "، والترمذيُّ وحسَّنه.
فضربَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلَ الإسلامِ في هذا الحديثِ بصراطٍ مستقيم، وهو الطريقُ السَّهلُ، الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلوبهِ، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولَته، وعلى جنبتي الصِّراطِ يَمْنةً ويسرَةً سُورَانِ، وهما حدودُ اللَّه، فكما أنَّ السَّورَ يمنع مَنْ كان داخله مِنْ تعدِّيه ومجاوزتهِ، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخلَه من الخُروج عن حدودهِ
ومجاوزتِها، وليس وراءَ ما حدَّ اللَهُ من المأذونِ فيه إلا ما نَهى عنه، ولهذا
مدحَ سبحانَه الحافظينَ لحدودِه، وذمَّ من لا يعرفُ حَدَّ الحلالِ من الحرامِ، كمَا قالَ تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) .
وقد تقدَّم حديثُ القرآنِ وأنَه يقولُ لمن عَمِل به: حَفِظَ
حدودِي، ولمن لمْ يعملْ به: تعدَّى حدودِي.
والمرادُ: أنَّ مَنْ لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه فقد حفِظَ حدودَ

(2/480)

اللَّه، ومن تعدَّى ذلك فقد تعدَّى حدودَ اللَّهِ.
وقد تُطلقُ الحدودُ، ويُرادُ بها نفسُ المحارمِ، وحينئذٍ فيقال: لا تقربُوا
حدودَ اللهِ، كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) .
والمرادُ: النَّهيّ عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآيةِ من محظوراتِ الصِّيامِ
والاعتكافِ في المساجدِ، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارمِ حدودًا - قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"مَثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والمُدْهِنِ فيها، كمثلِ قوم اقتسموا سفينةً"
الحديثُ المشهور، وأراد بالقائم على حدود اللَّه: المنكرُ للمحرَّمات والناهي
عنها.
وفي حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:
"إنِّي آخِذٌ بحُجزِكُم، أقولُ: اتَّقوا النارَ، اتَقوا الحدودَ" قالها ثلاثاً.
خرَّجه الطبراني والبزار.
وأراد بالحدودِ، محارمَ اللَّهِ ومعاصيهِ، ومنه قولُ الرجلِ الذي قالَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ.
وقد تُسمى العقوباتُ المقدرةُ الرادعةُ عن المحارمِ المغلظةُ حدودًا، كما يقالُ:
حدُّ الزني وحدُّ السرقةِ وحدُّ شُربِ الخَمرِ، ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأسامةَ:
"أتشفعُ في حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟ "
يعني: في القَطع في السَّرقةِ.
وهذا هو المعروفُ من اسم الحدودِ في اصطلاح الفقهاءِ.

(2/481)

وأمَّا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يُجلدُ فوقَ عشرِ جلدات إلا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّه "
فهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بهذه الحدودِ
المقدّرةِ، وقال: إنَّ التَّعزيرَ لا يُزادُ على عشرِ جلداتٍ، ولا يُزادُ عليها إلا في هذه الحدودِ المقدَّرةِ، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ اللَهِ، وقالَ:
المرادُ أن مجاوزةَ العشرِ جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكابِ محرمٍ مِنْ محارمِ
اللَّه، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غيرِ محرَّمٍ، فلا يتجاوزُ به عشر جَلْدات.
وقد حملَ بعضُهم قولَه - صلى الله عليه وسلم -:
"وحدَّ حُدُودًا فلا تعتدوها"
على هذه العقوباتِ الزَّاجرةِ عَنِ المحرَّماتِ، وقال: المرادُ النَّهيُ عن تجاوُزِ هذه الحدود وتعديها عندَ إقامتِها على أهلِ الجرائم.
ورجَّح ذلك بأنَّه لو كانَ المرادُ بالحدودِ الوقوف عند
الأوامرِ والنَّواهي، لكانَ تكريرًا لقولهِ:
"فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، وحرَّم أشياءَ، فلاتننهكُوها"
وليس الأمرُ على ما قالَه، فإنَّ الوقوفَ عند الحُدودِ يقتضي أنَّه لا
يخرجُ عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نَهى عنه، وذلك أعمُّ من كونِ المأذونِ فيه فرضًا أو
ندبًا أو مباحًا كما تقدَّم، وحينئذٍ فلا تكريرَ في الحديثِ، واللَّهُ أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)
قال قتادةُ في قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) . 2
قالَ: مِن الكربِ عندَ الموتِ، ومن أفزاع يوم القيامةِ.
وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - في هذه الآيةِ: ننجيه من كلِ