فصول الكتاب

سُورَةُ المُدَّثِّرِ
قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)
قال مجاهد والشَّعْبيُّ وقتادةُ والضحاكُ والنخعيُّ والزُّهريُّ وغيرُهم - في
قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) :
إن المعنى: طهِّرْ نفسَك من الذنوب.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وقلبَك ونيَّتَك فطهِّرْ.
وقريبا منه: قولُ مَنْ قال: وعملَك فأصلِحْ.
رُوي عن مجاهدٍ وأبي رَوْقٍ والضحاكِ.
وعن الحسنِ والقرظيِّ، قالا: خُلُقَك حسِّنْه.
فكنَّى بالثيابِ عن الأعمالِ، وهي الدِّينُ والتقوى والإيمانُ والإسلامُ
وتطهيرُه: إصلاحُه وتخليصُه من المفسداتِ له، وبذلك تحصلُ طهارةُ النفسِ
والقلبِ والنيةِ.
وبه يحصلُ حسنُ الخُلُقِ، لأنَّ الدِّينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادةً ودَيْدنًا
وخُلقًا، قالَ تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) .
وفسَّرهُ ابنُ عباسٍ بالدِّينِ.
* * *

(2/505)

قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته ومالِهِ أبو بكرٍ".
قال الخطابيُّ: معنى قوله: "أمَن"، أي: أبْذَل لنفسه وأعْطَى لماله.
والمنُّ: العطاءُ من غير استثابة، ومنه قوله تعالى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ) .
وقوله: (وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) أي: لا تُعْطِ لتأخذ أكثر مما
أعْطَيتَ، ولم يرد به المِنَّة؛ فإنها تُفسدُ الصنيعة، ولا مِنَّةَ لأحدٍ على رسولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بل له المِنَّةُ على جميع الأُمَّةِ.
* * *
قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)
وروى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال في قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال:
"جبلٌ من نارٍ يكلفُ أن يصعدَهُ، فإذا وضَعَ يدَهُ عليه ذابتْ، وإذا رفَعَها عادتْ، وإذا وَضعَ رِجلَه عليه ذابتْ، فإذا رَفَعها عادتْ، يصعدُ سبعينَ خرِيفًا، ثم هَوى مثلَها كذلك "
وهذا الحديثُ خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه بمعناه، وخرَّجه الترمذيُّ مختصرًا ولفظُهُ: "الصَّعود جبلٌ من نارٍ
يصعدُ فيه الكافرُ سبعينَ خرِيفًا وبهوِي فيه كذلك أبَدًا".
وقال: حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ مرفوعًا إلا من حديثِ ابن لهيعةَ عن درَّاج، ولكنْ رواه أيضًا عمرُو بنُ الحارثِ عن درَّاج به، خرَّجه من طريقه الحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ.

(2/506)

ورَوى هذا الحديثَ أيضًا شريكٌ عن عمارٍ الدهنى عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ
الخدريِّ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
خرَّجه من طريقِهِ البزارُ، وقال: تفردَ برفعه شريكٌ.
ووقفه سفيانُ على عمار - يعني أنه وقفَهُ على أبي سعيد - ولم يرفعْهُ، ورواه
أيضًا عمرُو بنُ قيسٍ الملائي عن عطيةَ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
ورَوى سماك عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) .
قالَ: جبل في النارِ.
ورويناهُ من طريقٍ فيه ضعفٌ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ، قال: هو جبل من النارِ زلق كلما صعدَهُ الفاجرُ زلقَ فهوى في النارِ.
وعن ابن السائبِ قال: هو جبل من صخرةٍ ملساءَ في النارِ يكلفُ أن
يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها رُدَّ إلى أسفلِها، ثم يكلفُ أيضًا أن يصعدَها
فذلك دأبُهُ أبدًا، ويجذبُ من أمامِهِ بسلاسلِ الحديدِ ويضربُ من خلفِه بمقامع
الحديدِ فيصعدُهَا في أربعين سنةٍ.
وقال أيوبُ بنُ بشير عن شفي بن ماتع قال: في جهنَّم جبل يُدْعَى صعودًا
يطلعُ فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يرقاهُ.
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
* * *
قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)
وذكر صاحب سيرة الوزير قال: وسمعته يقول في قوله تعالى؛ (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) ، قال: العرب لا تعرفُ "ذا" ولا "هذا" إلا في الإشارةِ
إلى الحاضرِ. وإنما أشارَ هذا القائلُ إلى هذا المسموع.
فمن قال: إنَّ المسموعَ

(2/507)

عبارةٌ عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر.
قال مصنفُ سيرته: كثيرًا ما سمعتُه يقول: ليس مذهبُ أحمد إلا الاتباع
فقط.
فما قال السلفُ قاله: وما سكتُوا عنه سكتَ عنه؛ فإنَّه كان يكثُر أن
يقالَ: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق لأنه لم يقل.
وكان يقولُ في آيات الصفات: تمرّ كما جاءت.
قال: وسمعته يقول: تفكرتُ في أخبار الصفاتِ، فرأيتُ الصحابةَ
والتابعين سكتُوا عن تفسيرها، مع قوةِ علمهم، فنظرتُ السببَ في سكوتِهم، فإذا هو قوةُ الهيبة للموصوف، ولأنَّ تفسيرَها لا يتأتَّى إلا بضربِ الأمثالِ
للَّه، وقد قال عز وجل: (فَلا تَضربُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) قال: وكان يقول:
لا يفسرُ على الحقيقة ولا على المجازِ؛ لأن حملها على الحقيقة تشبيهٌ.
وعلى المجاز بدعةٌ.
* * *
قوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)
قال اللَّه تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) .
قال آدمُ بنُ أبي إياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا الأزرقُ بنُ قيسٍ عن
رجل من بني تميم: قال: كنَّا عندَ أبي العوام فقرأ هذه الآية: